العلمانية الاستبداد والتعصب

العدد7-كانون الثاني 2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

العلمانية ليست حالة سياسية أو فكرية أو اجتماعية ممكن أن يشرع

لها بقوانين بل هي نتاج الحراك الفكري والسياسي والاجتماعي وهي

السمة الطبيعية لكل مجتمع يرنو إلى قيام دولة الكل الاجتماعي

الذي يؤمن بمبادئ الحرية والمساواة والحق.. مبني على علاقة شفافة بين

الدولة والدين وهذه العلاقة تحقق الغايات الإنسانية وتلبي حاجات

الجميع في هذا المجتمع دون طغيان طرف على طرف فكلاهما متمم للآخر أو

موازيه.

ففي أوروبا (عصر النهضة) التي تبلورت فيها فكرة العلمانية

وانتهت بإزاحة سيطرة الكنيسة عن السياسة وعن مفاصل الحياة

العامة والخاصة وانحسر دورها في الأمور الدينية فلم يعد بإمكانها

توجيه الاتهام بالزندقة وتكفير من يخالفها الرأي والاعتقاد في الدين

والدنيا. ولقد رافق ذلك التحول الفكري الذي أحل النظرة الحديثة

في الكون والطبيعة محل النظرة القديمة، وانقلاب اجتماعي شرع في شق

طريقه، في أواخر القرن الثامن عشر بإعلان حقوق الإنسان والنظر إلى

الحرية والمساواة بوصفها مبادئ لا يمكن للدولة تجاهلها، وفي المجال

السياسي انتهت فكرة الحق الإلهي المقدس بالحكم والحكم المطلق بشكل

عام ولم يعد الأمير أو الملك هو صاحب الرأي الأول والأخير بسبب

سلطانه السياسي الإلهي. في الفضاء العربي الإسلامي ليس بالضرورة أن

تتطبق على مجتمعاتنا العربية خصوصية التطور الحضاري الأوروبي في

مجال تحديد علاقة الدين بالدولة، حيث يبدو أن هناك مسارين نهضويين:

أوروبي وعربي بينهما اختلاف في الحركة والمرجعية الفكرية التي حكمت

مسار كل منهما وأصبحت فكرة الدولة الحديثة ذات مسار كوني:

ـ المسار النهضوي الأوروبي: بدأ بالعودة إلى التراث الإغريقي أساساً

قبل العودة إلى تراث المسيحية في سبيل مواجهة سلطة الكنيسة

السياسية وشق طريقه في حالة صعود ليشكل قطيعة مع دولة القرون

الوسطى وتراثها السياسي والفكري والتأسيس على فكرة المواطن

والمواطنة.

ـ المسار النهضوي الإسلامي العربي بدأ بالعودة إلى التراث الإسلامي،

إلى فترة النبوة والخلافة الراشدية ومرجعية التيار العقلاني

(المعتزلي ـ والرشدي) لمواجهة التسلط السياسي على الدين، على خلاف

المسار الأوروبي، إذاً فالمساران مختلفان فكرياً وحركة المشروع

النهضوي العربي أخفقت لم يتحقق فحسب، وإنما أنتج نقيضه. وهذا

مرده إلى أسباب تاريخية بعيدة وقريبة.

فالتاريخ المعرفي الأوروبي شهد تراكماً وتحولاً في مسارات حياتية عدة

باتجاه صاعد بينما التاريخ المعرفي العربي لم يشهد تلك التحولات

بسبب انقطاع مساره الحضاري وقد يرجع ذلك إلى السيطرة العسكرية

على مقاليد الخلافة منذ أواخر أيام الخليفة المعتصم.

كما أن تعايش كل الثقافات العربية والداخلية جنباً إلى جنب دون

تفاعل بخط أفقي أدى إلى عدم ظهور مشروع نهضوي متكامل يترك ثقله

على الفكر العربي ما شكل مأزقاً فكرياً بين التراث والحداثة

والاصالة والمعاصرة.. وثنائيات أخرى لم تجد طريقها إلى المواءمة

والتصالح وبدت هذه الثنائيات كأنها خطوط مستقيمة لا تلتقي أبداً في

الفكر العربي الإسلامي كما هو الحال في مفردات التركيب المجتمعي

العربي، من طائفية وعرقية ومذهبية.

ـ ولاحقاً تأتي الحركة الدينية ومن ثم الحركات القومية والماركسية

والليبرالية، وصل بعضها إلى الحكم وأخفق مشروعه السياسي كالحركة

القومية ومنها من ألقى بظلال ثقيلة غير متجانسة على المجتمع

كالحركة الدينية بشقيها التنويري والظلامي التي أفرزت الإسلام

السياسي الذي فرض نفسه على الواقع العربي المأزوم.

هذه حقائق لا يمكن تجاهلها عاشها مجتمعنا ليجد نفسه بين حدي سيفين

تمثلا في:

ـ الخطاب الديني الشعبي المبتذل، ومن هنا نرى سيادة المتفهقين الجدد

وأئمة المساجد على الشارع العربي، أو قل على العقل العربي إن

صح التعبير.

ـ وخطاب الأنظمة السياسي المحفوظ جيداً والمكرر الذي لا يقبل إلا

الطاعة والقبول وكأنهما، الديني والسياسي، اتحدا في المقصد، أي

تكريس العقل التقليدي التبعي. وتكريس العقلية الرجعية المحافظة

التي تكره التجديد والنقد أيضاً. تناسوا أن أعظم هبة للإنسان هي

العقل وهو وكيل الله في الإنسان كما قال الجاحظ.. وقادر على نقض

قوانينه هو نفسه فما بالك بنقض ونقد تجربة سياسية قومية أو

إسلامية.. إن التعصب والاستبداد (يضغط على العقل فيفسده، ويلعب

بالدين فيفسده) كما قال الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد.

إن ذلك المنطق المنغلق على نفسه والذي لا يقبل الآخر أيضاً قد ساهم

في تخلف فهمنا الديني والدنيوي وأغلق باب الاجتهاد السياسي والديني

أمام تطورنا الذي اصبح حبيس النزوات والبحث عن السلطة لا عن

الحرية لشعبه، الكل يبحث عن تسوية ما على حساب كل شيء من أجل

أن يبقى وعندها يحاول الجميع تفصيل الدين على مقاسهم وتفصيل

الحرية والديمقراطية بقدر حجم ومصالح الشرائح الاجتماعية المتنفذة.

والكل يجرب سطوته السياسية أو الدينية بأساليبه الخاصة وبمنطق

ميكافيللي في مجتمع تقليدي مثقل بضغط الحاضر والماضي، فيأتي

البيدر خاوياً من الحصاد اللهم إلا من الشوك. حتى بدا أن مجتمعنا

يقف عارياً من لحمته الثقافية الوطنية التاريخية وقد فقد حيويته

وضعف نسيجّه الوطني حيث ظهر المخبوء النائم مرعباً يشوه الرؤى حتى

الإيجابية منها ويلقي عليها شيئاً من الظلال. حيث يتراءى للمراقب

بأن المجتمع عبارة عن طوائف مذهبيات وعشائر وأثنيات متلاصقة

ومتجاورة في المكان فقط، كيانات مستقلة مليئة بالهواجس والمشاعر

السلبية وعدم الثقة بالآخر، مع أنها كانت في وقت من الأوقات تحسبها

بقايا وترسبات من الماضي البعيد عفا عليها الزمن ليس لها موضع

قدم في لحظتنا الراهنة. إن عملية الجذب والاستبعاد لطرف اجتماعي

أو لآخر قد زاد الأمر سوءاً. بدلاً من أن تكون الأحزاب السياسية

ومفردات المجتمع المدني كلها فعاليات اجتماعية هامة في الدول

الحديثة تساهم في ارتقاء المجتمع والدولة كان البديل هو الولاء

المتعدد المناحي والمشارب المبني

على النفع الخاص بدلاً من الولاء الوطني الواحد.

إن فكرة إحياء المجتمع المدني والكف عن اللعب بورقة الدين من طرف

الأنظمة والحركات السياسية الدينية التي يلخص بعضها الإسلام بطقوس

العبادة، وكأن مدلولات الثقافة العربية الإسلامية هي بمدلولاتها

الإيمانية وليس الحضارية تعتبر مساهمة بتصحيح مساري الدين

والسياسة. واعتبار موضوعات النهضة العربية موضوعات راهنة إلى

الآن والتي أسقطت الحركات الأصولية الإسلامية كثيراً من إيجابياتها مثل

فكرة الحق والحق السياسي والتسامح وقبول الآخر والانفتاح على

الأفكار الغربية التنويرية لتبقي على دلالات التعصب الديني والمذهبي

واستبعاد الآخر.

وهكذا نجد من يترحم على خطاب أعلام النهضة العربية الذي مضى عليه

ما يقرب من مئة عام.. منذ الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده

والكواكبي وابن باديس وغيرهم قياساً بالوضعية الراهنة.

أساساً لم يكن هناك دولة إسلامية ـ ثيوقراطية في التاريخ العربي،

إذ لا وجود في الإسلام للكهنوت ولا لطبقة ممتازة من رجال الدين.

وثانياً إذا كان الحكم واجباً في الإسلام فإن نظام الحكم ليس من

الأمور الدينية، وبهذا المعنى يقول ابن خلدون في مقدمته: قصارى

أمر الإمامة أنها قضية مصلحة اجتماعية ولا تلحق بالعقائد وقد

أخذ بهذا المفتي الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول

الحكم الصادر في عام 1924. التي ستنهي تقريباً حركة الإصلاحيين

النهضويين لتبدأ عملية انحدار باتجاه آخر ومختلف اختلافاً كلياً.

وكان قد دعا الشيخ رفاعة الطهطاوي في كتابه مناهج الألباب إلى

تعليم الناشئة فكرة (الحق) ـ ليس طبعاً حق الميراث ـ بل الحقوق

السياسية، وفكرة المواطن مرتبطة جداً بفكرة الواجب وهي:

ـ حصول المواطن على حقوقه كاملة، حق يضمنه القانون وليس

بواساطة شخص.

ـ القيام بواجباته كاملة بالفعاليات المجتمعية.

ويرى الطهطاوي أيضاً أن الدولة تقوم لا على أساس من الجماعة

الدينية أو العرقية وإنما على أساس الجماعة الطبيعية، والجماعة

الطبيعية قد تنتمي إلى أكثر من دين أو مذهب أو عرق. إنه انتماء

حضاري. ويمكن القول إن الحوار والتواصل وتهيئة سبل الاتصال بين

أفكار الناس وهمومهم، على أرضية من الحرية والديمقراطية، وتدشين

علاقة التكامل أو التفاعل بدلاً من سياسة الإقصاء وتوجيه اتهامات

العمالة والتآمر، هو المخرج من المأزق إلى حالة اجتماعية نوعية

قادرة على تصحيح مسار الدولة والدين ورسم العلاقة بينهما في

الإطار الواقعي والممكن، آخذين بالاعتبار مكونات الدولة الحديثة

وخصوصية الحضارة العربية الإسلامية، وهي خصوصية لا تعني الانغلاق على

الذات وعدم رؤية الآخر مستشهدين بقول الرسول (ص): أنتم أدرى

بشؤون دنياكم.

اسماعيل الحجي