أخلاقيات الحداثة وما بعدها جدل الانقطاع: الأخلاق في معزلها

العدد7-كانون الثاني2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

لأنَّ الأخلاق أول ما يطلبه الإنسان من الأديان السماوية، فقد جاءت

التصورات التقليدية لترى إلى الأخلاق باعتبارها مفهوماً دينياً

سماوياً، وبالتالي لا يمكن الفصل بين الأخلاق والدين. لكن الحداثة،

ونعني الحداثة الغربية على الأخص ستشهد لمفكرِّين سعوا إلى تفكيك

الرباط داخل تلك الثنائية. فرويد مثلاً سيجد أنَّ مستقبل الدين

وهمٌ من الأوهام، وعليه فلا مناص لإنقاذ الأخلاق من أن تصبح وهماً إلاَّ

أن يتم عزلها عن الدين وعن المؤسسة الكنسية.

وربما أمكن القول: إنَّ تأسيس النظم الأخلاقية غير الدينية

وظهور الأخلاق الدنيوية أو الأرضية، من أهم خصائص العالم الغربي في

القرن الثامن عشر فما بعد. فبعض النظم الأخلاقية تتصادم وتتعارض

مع الأخلاق الدينية، فضلاً عن كونها نظماً علمانية. ويمكن إعطاء مثال

على ذلك من الأخلاق الداروينية فهي أخلاق توصي بسحق الضعيف من

قبل القوي ؛ لأنَّ ذلك يتطابق وقوانين الطبيعة الصارمة، فكل

التعاليم المتضاربة مع الحركة التكاملية لبقاء الأصلح إنَّما هي

تعاليم سلبية. وقد أسهب المتألِّهون في مناقشة القيمة الشرعية

المنطقية للأخلاق العلمية، لا سيما الأخلاق الداروينية.(14)

ولبيان جدل الإنقطاع والتحولات التي تقلَّب فيها الغرب

سنعرض إلى بعض المذاهب التي تخللت سيرورة العقل الأخلاقي الغربي بعد

كانط. وهي على الجملة ذهبت إلى النظر في الأخلاق بوصفها معطىً وضعياً

ومجتمعياً. منها على سبيل المثال ما ظهر في القرن الثامن عشر ما

سُمِّي المذهب الانفعالي ويمثله الفيلسوف الإنكليزي التجريبي ديفيد

هيوم (1711 ـ 1776) وهو يرى إن المعارف الحقيقية هي المعارف التي

يكتسبها الإنسان عن طريق الحس، ويترتَّب على هذا المذهب أنَّ القضايا

الأخلاقية الحقيقية هي تلك المبرزة للأحاسيس والإنفعالات، لا للحقائق

الواقعية، ويخلص إلى " أنَّ الأخلاقيات ترجع بالنهاية إلى الإحساس

الأخلاقي لا إلى العقل وإدراكاته. ويعدّ المذهب الإنفعالي واحداً من

المذاهب الأخلاقية غير التوصيفية. ويتفق هذا المذهب مع المذهب

الأشعري (لدى المسلمين) في أنَّه لا يرى إلى أنَّ للأحكام الأخلاقية منشأً

واقعياً. بل يعتقد بأنَّها مجرد بيان كاشف عن أحاسيس وعواطف من

يطلقها. ويمكن اعتبار المدرسة الوضعية المنطقية (تأسست في فيينا في

العقد الثاني من القرن العشرين بزعامة مورتيس شليك) في بعدها

الأخلاقي من أهم فروع هذا المذهب.(15)

ـ المذهب الإجتماعي: مؤسسه إميل دوركهايم ( Emile Durkhiem) 1858

ـ 1919، معتقده الأخلاقي على أربعة أحياز:

أ ـ لا وجود للأخلاق من دون المجتمع.

ب ـ المجتمع يملك شخصية مستقلة عن الأفراد.

ج ـ لا بد من اتباع المجتمع في الأخلاق فهو الذي

يحدد معادلة الحسن والقبيح.

د ـ معرفة الأعمال الحسنة والقبيحة تكون

بالرجوع إلى أخلاقيات المجتمع وآدابه

وتقاليده.(...)

ـ مذهب المنفعة: تبنّاه الفيلسوف جرمي بنتام 1848 ـ 1832

( Jerme Benthams) وجون ستيوارت ميل 1806 ـ 1873(Jhon Stuart Mill

وليس هذا المذهب سوى نسخة معدَّلة من الأبيقورية " فاللذة عند

بنتام هي الخير الوحيد والألم هو الشر الأوحد " ويقول جون ستيوارت

مل: " اللذة هي المبتغى الأوحد ". فهما يشتركان مع أبيقور في

القول ، بأنَّ السعادة هي الخير بالذات ، والسعادة ليست سوى

اللذة. ولقد رأى هذان الفيلسوفان أنَّ المشكلة الأساس في

الأبيقورية، هي كوها تهتم بالفرد ومصالحه، وتغفل المنفعة

العامة(...) على أنَّ الفيلسوفين يختلفان حول كون المنفعة العامة

هدفاً أو وسيلة ، رغم اتفاقهما على كونها مطلوبة، وخيراً أخلاقياً.

"بنتام" يعتقد أنَّها وسيلة للوصول إلى السعادة الشخصية. أما

ستيوارت مل فيعتقد بكونها هدفاً ومطلوباً أصلياً.(...)

ـ المذهب العاطفي: يؤمن العاطفيون عموماً بأنَّ الأفعال

التي لها صفة فردية من جميع الجهات (أي نرجع آثارها ونتائجها إلى

الشخص الفاعل وحده) لا تقع ضمن دائرة التقييم الأخلاقي(...) من

أبرز ممثلي هذا المذهب: آدم سميث ( Adam Smith) (1723 ـ 1790)

الاقتصادي وفيلسوف الأخلاق الإنكليزي المعروف ، والألماني آرثر

شوبنهاور ( Arthur Senopenhauer) (1788 ـ 1860) والفرنسي

أوغست كونت ( Augeste Compt) 1798 ـ 1857.(...)

ـ مذهب القوَّة: يعدّ هذا المذهب ـ الذي دعا إليه الفيلسوف الألماني

فردريك نيتشه (1844 ـ 1900) ـ ردَّة فعل على الأخلاق المسيحية التي

تستند إلى المذهب الأخلاقي الرواقي هذا التأثر بالرواقية أدَّى إلى

اتجاهات أخلاقية سلبية تدعو الناس إلى الاستسلام للقضاء والقدر،

ومن هنا، شعر نيتشه بأنَّ من يتربّى على هذا المذهب، سوف يكون

إنساناً خاملاً مستعداً لتحمل الظلم، فانبرى لمواجهة هذا المذهب

الأخلاقي ، وثار في وجه الأخلاقيات المسيحية:" اعتراض نيتشه على

المسيحية، هو أنها تدعو إلى روحية العبودية في نفوس أتباعها"

وتربِّي إنساناً خاملاً وذليلاً، وهذه الأخلاقيات غير مقبولة ، وعلى

المذهب الأخلاقي أن يربِّي إنساناً فاعلاً ومؤثِّراً . وهو يقول عن

المسيحية:" أنا أدين المسيحية وأحكم عليها بأقسى حكم أصدره مدَّعٍ

حتى الآن، وأرى فيها أبشع صور التدمير أذمُّها وأعدُّها لعنة عظيمة،

فهي ليست سوى ذل البشرية الخالدة".

يرى نيتشه أنَّ " القوّة" و "السلطة" أساس الأخلاق الفاضلة

كلّها. وفي شرحه لنظريته الأخلاقية يرى أنَّ كل موجود حي يحب حياته،

ويريد المحافظة عليها، وهذا الأمر يحتاج إلى القوة. لذا فإنَّ الإنسان

الضعيف محكوم بالهزيمة والفناء.(...)

وأحسن خلاصة لمذهب نيتشه الأخلاقي، ما يذكره هو بنفسه حين

يسأل ثم يجيب:" ما هو الخير . هو الذي ينمّي حس السلطة. ما هو الشر

؟ هو ما يولد من الضعف. ما هي السعادة ؟ هي إحساس ازدياد

السلطة، والانتصار على العوائق لا القناعة، بل المزيد من السلطة،

ليس السلام بل الحرب، لا الفضيلة بل الذكاء. العاجزون والمرضى

ينبغي إعدامهم، وهذا هو الأصل والقاعدة الأولى لحقوق الإنسان ، فما

هو الأكثر ضرراً من الفساد ؟ هو العطف على المرضى؛ أي المسيحية".

لكن الفيلسوف الألماني الوجود مارتن هايدغر (Martin Heidegger)

سوف يتجاوز القراءة المدرسية التقليدية لنتشيه حين يرى إليه أنَّه

آخر الميتافيزيقيين في العالم الغربي. إذ يتكثَّف

في فكره السؤال الميتافيزيقي وينجز فيه. وجواب نيتشه عن هذا

السؤال هو التالي: إنَّ إرادة الاقتدار هي الطابع الأساسي لكل "

كائن " بينما يشكل "العود الأبدي لذات النفس" التعيُّن الأعلى

للكينونة.

ويوضح هايدغر أنَّ ما يقصده نيتشه بـ"إرادة الاقتدار"

أنَّها ليست إلاَّ تفسيراً لكلمة الإرادة التي تتضمَّن الحركة نحو...

التوجه نحو شيء ما... الإرادة هي سلوك يتجه نحو... إنَّ ذلك كله ـ

يضيف هايدغر ـ ليس بعد إرادة ولكنه متضمن فيها. فالإرادة هي أن

تكون سيداً على ذاتك، إنَّها الخضوع لقيادتنا الخاصة، وهي القرار

بأن نخضع لأحكامنا أو التي هي بذاتها تنفيذ(...). على أنَّ التعريف

الجوهري للإرادة بحسب تأويلية هايدغر لنيتشه ـ هو أنَّها " ماهية

الكائن " وهي وهي تطلُّع نحو اقتدار أكثر ، نحو التعزيز والسمو:"

الإرادة هي أن تكون أقوى" وهي تتميز بكونها خلاَّقة كما يكتب

نيتشه. والاقتدار هو معنى آخر لـ"الإرادة". ويماثل نيتشه غالباً بين

"الاقتدار" و"القوة" دون أن يعطي لهذا المفهوم الأخير أي تحديد. أما

لماذا حكم هايدغر على نيتشه بأنَّه آخر ميتافيزيقيي الحداثة

الغربية. فإننا نجد جوابه عندما يمضي في قراءة المفاهيم الأساسية

التي وضعها نيتشه، وخصوصاً "إرادة الاقتدار" بوصفها فناً من

ناحية، وبوصفها معرفة من ناحية ثانية. يرى هايدغر أنَّ كلمة

"الاقتدار" تتضمَّن المعاني الثابتة لـ"القوة" كما ظهرت في اليونان

القديمة. ويقارن بين مفهوم " الاقتدار" والمفهوم الأرسطي لـ"Actus"

والـ"Potentia" ، لا كما وصل من خلال العصر الوسيط، ولكن كما

يظهر في كتاب " الميتافيزيقا" لأرسطو. ويبيِّن هايدغر، أنَّ ثمة علاقة

تربط بين "الكينونة بالقوة" و"الكينونة بالفعل" الأرسطيتين،

ومفهوم الكينونة عند نيتشه. ذلك رغم أنَّ نيتشه لم يكن يعي هذه

الصلة. وهذا الفهم للإقتدار يضع " الإرادة الاقتدار" في المسار

الأساسي للفكر الفلسفي الغربي ، وبالتالي فإنَّ عمل نيتشه ، على

قلب القيم من خلالها . يندرج ضمن هذه الميتافيزيقا.(15)

هذا المعنى الميتافيزيقي لـ" فيلسوف العدم" سوف يعيده إلى

فضاء الوجود عبر ما يسمِّيه بـ" الإنسان الأعلى" الذي يولد من

"العود الأبدي لذات النفس". والمعروف أنَّ هذه الأخيرة هي إحدى

الأطروحات المركزية التي تشكِّل أساس فلسفة نيتشه، والتي تمنح الكائن

كينونته الخُلُقية من حيث كونها القبول الأعلى للحياة وللكائن.

المفارقة أنَّ قراءة هايدغر لنيتشه بوصفه فيلسوفاً

ميتافيزيقياً ظلَّت في حجرة ضيِّقة بينما سادت القراءة التقليدية

التي اختزلت الفيلسوف بوصفه ـ وحسب ـ عدواً للأخلاق والدين.

ـ مذهب العقلانية المنفتحة: مع الفيلسوف النمساوي كارل

بوبر (1902 ـ 1994) الذي احتلَّ موقعاً مميزاً في ثقافة القرن

العشرين ويعدّ واحداً من أبرز فلاسفة العقلانية المنفتحة وفلسفة

العلوم، ستنتقل العقلانية الغربية إلى طور جديد كل الجدّة. وسيكون

للأخلاق معنىً آخر خارج الدائرة المثالية للأفلاطونية المحدثة وكذلك

خارج دائرة الديالكتيك الهيغلي. يتخذ بوبر من المجتمعات القائمة

في الغرب الأوروبي والأميركي نموذجاً لمفهوم المجتمع المنفتح جاعلاً من

الديمقراطية الليبرالية المثال الأعلى للنظم الاجتماعية. وبذلك

يكون الوسط العلمي ما يُرجع إليه كونه نموذج النقاش العقلاني

القابل لكل النظريات والاقتراحات شرط أن يتم مناقشتها وتقييمها

حسب المعايير الموضوعية للمنهج العلمي(...) كذلك يرى بوبر في حرية

التعبير وتنوع الأفكار والاتجاهات في الديمقراطية الليبرالية شبهاً

لعملية الجدال النقدي بين التفسيرات والفرضيات المختلفة في

الفيزياء. وتجري عملية تحقيق الأصلح والأفضل في المجتمع بطريقة شبيهة

بتلك التي يجري فيها التقرُّب في الحقيقة في العلم. فكما إننا لا نملك

ـ حسب بوبر ـ أي وسيلة مباشرة للإقتراب من الحقيقة العلمية، حيث

يتم ذلك عن طريق كشف الخطأ ودحضه في التجارب، كذلك لا يملك المجتمع

من وسيلة لتحسين حياة أفراده إلاَّ بواسطة تخفيف آلامهم وتسهيل

الصعوبات التي تواجههم. وعنده إنَّ تحقيق السعادة ليس أمراً ممكناً،

بل الممكن هو كشف مصادر الآلام والمآسي ومحاربتها قدر الإمكان إذ "

بدلاً من طلب السعادة القصوى لأكبر عدد من الأفراد يتعيَّن علينا،

بتواضع أكثر، أن نطلب للجميع أقل قدر ممكن من العذاب، وأن

يُتحمَّل العذاب الذي لا يمكن تجنبُّه ـ كالمجاعة في حال نقصان المواد

الغذائية ـ بالتساوي. وفي هذا شبه بالنظرة إلى المنهج العلمي التي

عرضتها في " منطق الاكتشاف العلمي". إنَّ المسألة الأخلاقية تصبح

أكثر جلاءً إذا ما وضعنا مطالبنا سلباً، أي إذا طلبنا القضاء على

العذاب بدلاً من توفير السعادة".

عند هذه النقطة من تعيين بوبر للأخلاق الواقعية سوف

تنطلق العقلانية النقدية إلى أبعد مدى لها. وستمارس نقداً صارماً

للأفلاطونية مروراً بالكانطية والهيغلية والماركسية ساعية إلى تأسيس

عقلانية عملية لا تكون فيها الأخلاق إلاَّ عضواً في منظومة مجتمعية

ينتظمها العالم المفتوح على كل ما هو جدير بالبقاء والديمومة.

يقول بوبر عن أفلاطون إنّه في تصوره للدولة لا يرى مكاناً للعدالة

إلاَّ في مجتمع تراتبي صارم يحدد لكلِّ فرد موقعه الواضح في البنية

الهرمية. فيكون الحفاظ على العدالة وبالتالي على السلم الاجتماعي

قد تحقق بواسطة نظام حديدي قائم على الطاعة المطلقة، اختار

أفلاطون الدولة التوتاليتارية الجذرية على حساب الروح الفردية

والديمقراطية وهو الخيار الذي أودى بأستاذه الكبير سقراط إلى

الموت.

بعد قرون فلسفية طويلة ستعود الأطروحة الأفلاطونية عبر

هيغل، الذي وجد فيه بوبر تضحية متجددة بكيان الأفراد وخياراتهم

الذاتية على مذبح الكليات التاريخية والحتمية الموضوعية. إذ

ينطلق الفيلسوف الألماني من مبدأ المساواة بين ما هو عقلاني وبين ما

هو قائم تاريخياً، وتصبح الأشكال المجتمعية تجليات ضرورية ذات نسب

متفاوتة في النضج، لتحقيق العقل الكلي لدن ذاته. وتصبح آلام

الأفراد وعذابات البشر الثمن الذي لا بد من دفعه لكي تحقِّق الفكرة

المطلقة ذاتها عبر الصراعات المجتمعية والقومية، وهذا هو جوهر

الديالكتيك الهيغلي(...). على هذا النحو لا يحجم بوبر عن ربط

فلسفة الهوية الهيغلية بالملكية المطلقة لفريدريك وليام، حاكم

بروسيا والمعارض لكل تقنين دستوري لسلطته: وخلف هذا الإدغام

الظاهري ، تتربَّص مصالح الملكية المطلقة لفريدريك وليام. إنَّ فلسفة

الهوية تفيد في تبرير النظام القائم. ونتيجتها هي وضعية أخلاقية

وقانونية ، أي العقيدة القائلة بأنَّ ما هو قائم هو صالح، لأنه لا

توجد معايير إلاَّ المعايير السائدة، إنَّها عقيدة "السلطة دائماً على

حق"... إنَّ توتاليتارية هيغل الجذرية تعتمد على أفلاطون بقدر

اعتمادها على فريدريك وليام الثالث، ملك بروسيا في الحقبة المهمة

خلال الثورة الفرنسية وبعدها. ومضمونها أنَّ الدولة هي كل شيء

والفرد لا شيء ؛ فهو مدين للدولة بكل شيء، في وجوده المادي كما

الروحي. يكتب هيغل: " إنَّ الكلي موجود في الدولة. والدولة هي

الفكرة الإلهية كما هي متحققة على الأرض... علينا إذن أن نعبد

الدولة كتجل للإله على الأرض، وأن نعتبر أنَّه إذا كان فقه الطبيعة

صعباً، فإنَّ فقه جوهر الدولة أكثر صعوبة بدرجة لا متناهية... إنَّ

الدولة هي مسيرة الله في العالم... يجب فهم الدولة ككائن حي...

والدولة الكاملة تتمتع، في جوهرها، بالوعي والفكر. الدولة تعي

ما تريد ... الدولة متحققة ؛ والواقع المتحقق هو حتمي. ما هو

متحقق هو حتمي أبداً... الدولة قائمة لذاتها... إنَّ الدولة هي

الحياة الأخلاقية القائمة، المتحققة فعلاً". هذه المقاطع كافية

لتبيان أفلاطونية هيغل وإصراره على المرجعية الأخلاقية المطلقة

للدولة، وهو يضرب عرض الحائط بكل أخلاق فردية وكل ضمير شخصي".

تقوم مقولة المجتمع المنفتح البوبرية على رفض مفهوم

التغيير الجذري كما فهمه أفلاطون وماركس، أي التغيير المطلق من

الصفر حيث يعاد بناء المجتمع على أسس جديدة مختلفة كلياً عما سبق.

إنَّ التقاليد والمؤسسات السائدة ذات قيمة حياتية براغماتية لأنَّه

من دونها لا يستطيع الأفراد أن يقوموا بأدوارهم الاجتماعية

المتوقعة منهم، وبالتالي ينهار صرح النشاط الإجتماعي كله. فمهما

بلغت مساوئ النظام القائم فهو لا ينفك عن أن يكون نظاماً، تندرج

الحياة الإجتماعية تحت لوائه منذ مئات السنين، وذلك على النقيض من

الحلول الثورية الطوباوية التي تغامر بنشر الفوضى والدمار

مستخدمة مفاهيم أخلاقية مجردة كالعدالة (أفلاطون) والمساواة (الماركسية).

سوف تمتد "البوبرية" إلى نسيج "العقل الأخلاقي الغربي"

بظواهره وأحيازه الأوروبية والأميركية. وفي خلال المرحلة المعرفية

الفلسفية التي وصفت بـ" ما بعد الحداثة" أو "الحداثة البَعْدية"

سوف يتبيَّن لنا كم للتنظير البوبري من مفعولية ثقافية

وأيديولوجية على صعيد ممارسة وتشكيل أنظمة القيم الجديدة في

العقل الغربي. ولو نحن قسنا القضية الما بعد حداثية، وفق المعيار

البوبري لمفهوم المجتمع المنفتح لوجدنا أنه يحوي عناصر نظرية

وأخلاقية براغماتية تركّبت على نحو شد الصرامة. لذا فإنَّ تجربة

بوبر في فقه الظاهرات الاجتماعية إنَّما تنطلق من موقف سياسي

وأخلاقي واضح في دفاعه عن الديمقراطية الليبرالية واعتصامه ضمن

دائرة القيم الفردية، ومع ذلك فهو بمجرد أن يمضي في مواجهة محيطات

الواقع التاريخي حتى يعود إلى الاعتراف بالدور الحاسم للمؤسسة

الاجتماعية الحاكمة، وتحديداً بدور وهمة الدولة في ضبط الروح العام

للمجتمع المنفتح. وهو في ذلك ما يوحي بشيء من التناقض والتباين

في موقفه الفلسفي. الأمر الذي سوف نقع على تمثُّلاته الجلية فيما

بعد. أي في الكيفية التي اتبعها العقل الغربي، والعقل الأميركي

على وجه الخصوص في ما يمكن وصفه بأخلاقيات الهيمنة.

ـ المذهب الحَفْري (الأركيولوجي): في مرحلة متأخرة من رحلة العقل

الفلسفي الغربي سيكون لتأويل الأخلاق بعدٌ مختلف. علماً أنَّ عمليات

التأويل التي سنأتي عليها بعد قليل لم تغادر مؤثِّرات ما سبقها.

إحدى أبرز محطات هذه الرحلة كانت مع الفيلسوف الفرنسي ميشال

فوكو. ولعلَّ كتابه "تاريخ الجنسانية" المؤلَّف من ثلاثة أطوار،

سيعدُّه النقَّاد ، الوعاء الذي يحوي في طيَّاته فلسفته الأخلاقية.

والسؤال الذي نواجهه هنا هو التالي: أيّة أخلاق تلك التي تقرّب

إليها فوكو في "تاريخ الجنسانية" ؟

هناك مَن قدَّم الإجابة تبعاً لقراءته للقصد "الفوكوي"

فوجد أولاً أنَّ الأخلاق ضمن هذا الحقل تريد أن تتجاوز كل الأدبيات

الفلسفية التي تُطرح عادة تحت هذا العنوان. وأول ما يفعله فوكو

هو تأكيد الفصل بين الأخلاق ( La Morale) وبين الإتيكا (L’éthique

). وهذا الفصل يميِّز بين الأخلاق باعتبارها منظومة القيم والأوامر

والنواهي التي تنتصب في مستوى الشخصية القمعية للمجتمع، وبين

سلوك الأفراد الذي لا يمكن اعتباره مقدماً أنه مندمج في الأخلاق أو

خارجي عنها. إذ يبقى السلوك هو أقرب إلى أصحابه ومنفذيه، من كل

ما يمكن أن يضاف إليه قسراً أو طوعاً من الأوامر والنواهي.

فالأركيولوجي لا يهمه منظومة الأخلاق من حيث هي مؤسسة اجتماعية أو

دينية أو تاريخية، ولكنه يتوجه إلى سلوك الأفراد الفعلي تجاه

ذواتهم أولاً. وهو ما يسميه فوكو بتقنيات ممارسة الذات، يجعلها

تكون بالنسبة للخارج كثنية موجة في خضم العالم، كما يقول

/دولوز/، بحيث تكون هي الداخل في الخارج، وهي الخارج في الداخل.

وسيبدو تأويل فوكو لافتاً لتلك " الممارسة الذاتية ، غذ سيظهر

لنا أنَّ نظريته تلك ناتجة عن اختبار ومعاينة أكثر مما هي معرفة

ذهنية مجرَّدة.

فحين سُئل فوكو من قبل شارحيه الأميركيين عن فلسفته،

/دريفوس/ و/رابينوف/، ماذا سيكتب بعد الانتهاء من شرح تاريخ

الجنسانية، أجاب الفيلسوف فوراً: سأهتم بذاتي.. وبالطبع فليس

معنى ذلك أنَّ فوكو أجَّل الاهتمام بذاته إلى ما بعد الانتهاء من

مشاريعه الفلسفية الكبرى، كما أجَّل الكتابة في إتيكا الذات. فلقد

كان الانشغال الذاتي

ـ بالذات هو عنوان الهمّ الفوكوي الفلسفي ، والفردي الخاص به في

آن، منذ البداية. وهو منذ "تاريخ الجنون" و"مولد العيادة" وصولاً

إلى "الكلمات والأشياء" و"المراقبة والمعاقبة" كان محور تفكيره هو

التحفير العميق الشامل عمّا يقع على الذات من تقنيات الخارج الذي

يمنع ولوج الذات كداخل إليه، وصولاً في النتيجة إلى اكتشاف النقلة

المختلفة التي تشكلها الذات إزاء ذاتها، ليس بمعزل عن هذا الخارج

نفسه، ولكن في صميمه، وفي طريقة اختراقه، وجعله يقبل كذلك

بخارجيتها المختلفة وسط خضمه.(19)

في مناقشته لحداثة التنوير التي جرت تحت السؤال نفسه الذي

طرحه كانط " ما الأنوار؟" بعود فوكو ليمارس عملية أركيولوجية

هي موجودة أصلاً في قلب الإشكال الكانطي. كما لو أنَّه يريد أن

يعمِّـقه أو يؤوِّله على طريقته. وها هو يقول : يبدو لي أننا لم

نعرف قبل اليوم فيلسوفاً مثل كانط في نصِّه هذا (المقصود نص كانط في

"الأنوار") حيث ربط بإحكام ومن الداخل معنى تأليفه بالمعرفة، وجمع

التفكير حول التاريخ بتحليل خصوصي للخطة الفريدة التي يكتب فيها

وعنها: يبدو لي التفكير بالراهن ـ والكلام لفوكو ـ بوصفه اختلافاً

في التاريخ وسبباً لمهمة فلسفية خصوصية، بمثابة العامل الجديد في

هذا النص. وضمن هذا المنظور يرى فوكو أنَّه وجد نقطة انطلاق نحو ما

يسميه موقف الحداثة. ويتساءل فوكو بالاستناد إلى نص كانط عمَّا إذا

كان ممكناً تصور الحداثة على أنها موقف أكثر من كونها مرحلة من

التاريخ(...) ويقول: إننا نتحدث غالباً عن الحداثة بوصفها سمة

عهد، أو مجموعة من الصفات المميَّزة لعهد ما ونثبتها على هذه

الصورة في روزنامة تكون فيها مسبوقة بما قبل الحداثة، شبه

الساذجة أو البدائية، ومتبوعة بـ" ما بعد حداثة مريبة

وملتبسة.. وأعرف إننا نتساءل عندها إذا كانت الحداثة تشكِّل تتمة

"الأنوار" أو تطورها، أو أنها قطيعة أو انحراف بالنسبة إلى المبادئ

الأساسية للقرن الثامن عشر.

غير أنَّ الاستفهام الأكثر مرارة لدى فوكو هو ذاك الذي

لاحظناه في نهاية مقالته حين يصرِّح:" لا أعرف إذا كنّا سنصبح راشدين

ذات يوم. أشياء عدّة في تجربتنا تؤكِّد لنا أن حدث "الأنوار"

التاريخي لم يجعل منّا راشدين، وإننا لم نصبح كذلك بعد ؟!(20)

هل نقدر أن نرى إلى مرارة الإستفهام الفوكوي هذا، على

أنَّه ضرب من مقاربة أخلاقية لتهافت الحداثة الغربية بعد نحو ثلاثة

قرون على "الأنوار" ؟

غالب الظن أنَّ المسألة بالنسبة إلى فوكو مضت في مسارها

الحفري / المعرفي على نحو لا ينأى عن سؤال الأخلاق بوصفه سؤالاً فلسفياً

بامتياز.

جداليات الأخلاق التواصلية

تميَّز السجال الفلسفي في الغرب ابتداءً من النصف الثاني

للقرن العشرين بإعادة الاعتبار لسؤال الأخلاق كأحد أهم الأسئلة

الأنطولوجية. فلقد صار من المؤكَّد بالنسبة للنخب ومؤسسات الفكر

والمجتمع المدني أنَّ مجتمعاً لا يستطيع أن يرضي رغبة الفضيلة في

الطبيعة البشرية، ليس مجتمعاً عقلانياً. إنَّه فقط أحد الأنظمة

المتحيِّزة بحسب توصيف أرسطو، والذي يمكن أن يسقط ، عاجلاً أم آجلاً،

عندما تجد الفئة المظلومة الفرصة المناسبة لذلك.

جرى هذا القول مجرى نقد الحداثة التي اتخذت من العقلانية

المجردة سبيلاً أوحد لها لتثبِّت أقدامها وتسود. وسيأتي في الغرب من

يستعيد ثالوث الإستفهام الكانطي ويؤوِّله على طريقته بوصفه

ثالوثاً لا يخص عقلانية الغرب وحسب، بل يمتد إلى العقل الإنساني في

شموله الكوني: ماذا يمكن لنا أن نعرف ؟ وماذا نعمل كي نحقِّق

المعرفة، أي كيف نعرف ؟ وما الذي يمكننا أن نرجوه كي نعرف ؟ ...

وهنا تتواصل الحلقات الثلاث في السعي نحو أي مشروع يرنو لتأسيس

عقلاني تواصلي: النظري، والعملي، والعملي النظري؛ فننتقل بذلك

من حيِّز الفهم والتحليل الواصف، إلى البحث في ذات الحدث المعرفي، أي

تفكيك العقل من الداخل.

على هذا الوجه سنرى كيف أنَّ الفيلسوف الألماني يورغن

هابرماس(21) ركَّز ضمن طموحه في تأسيس نظرية معيارية للحداثة،

على أربعة أسس نظرية لبلورة تصوره النقدي للمعرفة وللمجتمع

وهي: نظرية العقلنة، ونظرية النشاط التواصلي، وجدل العقلنة

الإجتماعي، ونظرية المجتمع التي تجمع بين الإهتمام بقضايا الممارسة

وباعتبارات النظام. ومن أجل صياغة كل هذه المفاصل النظرية عمل

هابرماس على التقاط مختلف الانفتاحات النظرية والفكرية التي سمحت

له ببلورة أسئلته وبتعميق تحليلاته للكشف عن الآليات المختلفة

المنتجة للظواهر المَرَضية للحداثة. فنقد الاستلاب والتشيؤ كما عند

أدورنو ولوكاش من خلال نقد العقلانية الأداتية أدَّى إلى ملامسة ما

اسماه بـ" الإستعمار الداخلي " للعالم المعيش الذي تفرضه عمليات

العقلنة على العلاقات وأشكال التبادل(22) وبالرغم من كلِّ ذلك

فإنَّ هابرماس لم يُرد أن يتخذ من سلبيات العقلانية الأداتية ذريعة

لترك مشروع الحداثة، بل إنَّه يلح على موضعة فكره في سياق تطورها

وتحوُّلها، ولكن بشرط الانتقال من المجال المعرفي لفلسفة الوعي إلى بنية

الفلسفة التواصلية دون القفز إلى مرحلة ما يُسمَّى بما بعد الحداثة،

أو التشبث بالمواقف المضادة للحداثة. لأنَّ همَّه المركزي تمثَّل في إعادة

تنشيط الطاقة النقدية للعقل الأنواري، من خلال إبراز المضمون

المعياري لفكرة التفاهم الموجودة في مختلف اللغات، وأشكال

التواصل.

كيف صيغت الأخلاق التواصلية بالترابط الحميم مع العقلانية

لكي تتم إعادة تشكيل الحداثة بعيداً عن التشيؤ والاستلاب ؟

سنلاحظ بداية أن احتمال الهيمنة داخل مجتمع معقلن يمكن

تجنبه، في نظر هابرماس، وذلك باحترام معايير محددة تسترشد بما يسمّيه

بـ"أخلاق التواصل" لأنَّها تقدِّم وجهة نظر نقدية لمختلف وجهات النظر

المعرفية للسياسة(...) ففي هذه الحالة تتدخَّل أخلاق التواصل

لتأسيس وجهة نظر نقدية لا تعطي الأهمية، فقط، للمنطلقات المنهجية

أو للمنطق المحرِّك للموقف المعرفي، بل تهتم كذلك بالصيرورة

الإيديولوجية. أي إنَّ هذه الأخلاق تعترف لكل مجال بقدرته

على التبرير والتفسير داخل حدود مجاله الخاص ، بدون أن تسمح له

بادّعاء التعميم انطلاقاً من المقدِّمات والنتائج والأحكام التي

تنتجها ممارسته المعرفية على موضوعاته الخاصة(...) فالأخلاق

التواصلية ، عند هابرماس، هي التي تخلق إطاراً عقلانياً للتفاهم بين

مختلف مجالات المعرفة، وللتفاوض بين المصالح المتعددة، وذلك كله

بالتأكيد على العلاقة الضرورية بين العقلانية السياسية والشرعية

الديمقراطية، والتساؤل الدائم عن شروط الاتفاق بين ما هو ضروري

عملياً وما هو ممكن موضوعياً.(22)

إنَّ ما يمكن النظر إليه بوصفه استراتيجيا أخلاقية هو لأجل

إعادة تصويب حركية العقل، حيث ظهرت هذه الحركية في المراحل

المتقدِّمة لصعود الحداثة كما لو أنَّها سخِّرت للاستلاب المحض. ربما بدا

المجهود النظري الذي بذله هابرماس منذ النصف الثاني للقرن

العشرين وكأنه محاولة فلسفية تتوخَّى إقامة الحد على ظاهرة اختزال

العقل التي امتلأت بها الأحياز المختلفة للحداثة الغربية. إنَّ محاولة

هابرماس وسواها من المحاولات المتأخرة في الفلسفة الغربية سعت إلى

الكشف عن العقل المرتبط والملازم للممارسة التواصلية اليومية، وفي

إعادة بناء مفهوم غير اختزالي للعقل. وذلك اعتماداً على قاعدة صلاحية الخطاب. لا سيما وإنَّ العقلانية الغربية تعطي أولوية استثنائية للعقل الغائي وللممارسات التي تستهدف تحقيق مصالح وغايات معينة. ولأجل ذلك فهي تدمج أكثر من وساطة، وعلى رأسها المال والسلطة لضمان التوازن الاجتماعي الذي يسمح بمبادرات تدخل في سياق النشاط الأداتي أو الاستراتيجي. في هذا المدلول يبدو العقل التواصلي ضرباً من كانطية متجددة ولكن بلغة ما بعد حداثية. فالعقل التواصلي هو روح العقل العملي لجهة تلازمه التكويني مع الأخلاق. ذلك أنَّ الفلسفة الألمانية في ما بعد الحداثة انبرت إلى توكيد العقل التواصلي " كصيغة تركيبية لقضية الحداثة الغربية والعقلانية، سواء في تعبيرها الأنواري أو في تمظهراتها النقدية. صحيح إنَّ فكر الأنوار يؤكِّد على عنصر النقد في دعوته العقلانية، لكن تطورات المجتمعات الصناعية وتطبيقات العقلانية، التي لا تكف عن التجدد والتبدل، جعل الفكر الأنواري يستنفد طاقاته المفاهيمية من جهة، فيما تحول بشكل من الأشكال إلى خطاب يضفي المشروعية على المجتمع الحديث من جهة أخرى.(23) إنَّ العقلانية التواصلية التي ستجد في القيمة الأخلاقية أساساً لها، هي المقابل الفلسفي للعقلانية الأداتية، مع أنَّ الأخيرة ستفلح بالسيطرة على عالم ما بعد الحداثة في الغرب. لكن العقلانية الأداتية التي أنتجت عالماً موجهاً من طرف إدارة صارمة إلى درجة الرعب كما يقول أدورنو، ستكون موضع نقد لا هوادة فيه فيما كان العالم يتجه بخطى حثيثة نحو نهاية القرن العشرين.

العقل الأخلاقي الغربي منقوداً سوف تنمو لدى الأنتلجنسيا الفكرية والفلسفية في الغرب الراهن ما يمكن اعتباره فلسفة أخلاقية نقدية. من مبادئها أنَّ الفلسفة وهي تقترح قواعد عامة للسلوك ، أو تقدم نظريات عن العالم، فلا بد من أن يكون لها وجهة دينية. فيحتاج الدين لعقلانية الفلسفة. ومن جهتها لا تتجاهل الفلسفة مشكلات الدين. ولقد كانت اهتمامات كانط التأسيسية في السؤالين الأشهرين ماذا أعرف ؟ وماذا عليَّ أن أسلك ، ذات قيمة دينية لا تقل عن قيمتها الفلسفية. فتسأل عن كيف يرتبط الإنسان بحاجاته، وعن الذي يوجد في الأشياء ويتحقَّق في أفكارنا. لكن الأخلاقية الحقيقية بحسب المفكر الأميركي جون بانيس هي أكثر من قواعد للسلوك في مجتمع ما. لأنَّ هذه القواعد يمكن أن تختلف كلياً باختلاف الجماعات. فالأخلاقية تقضي باحترام نظام الكون الذي فرضه "اللوغوس"، الفيض المقدس الذي يحافظ على بنيان الكون ونظامه. وبما أنَّه ما من شيء يمكن أن يوجد خارج "اللوغوس" فنحن أيضاً جزء منه، حتى أنه يجب أن نحترم دستوره الذي هو واحد لكافة اشكال الحياة وحتى للأشياء غير الحيّة.(24) منذ كانط إلى الكلام اللاحق على الحداثة البعدية، أو ما سمِّي " ما بعد الحداثة " مرَّت ثلاثة قرون أو نحوها. في هذه الأثناء لم ينفك سؤال الإنسان عن كونه السؤال الفلسفي الذي تدور حوله أسئلة الوجود كلها. لكن هذا السؤال سوف يستدعي سؤال الأخلاق كسؤال متعلِّق به تعلُّقاً سنخياً. بل هو عين الأول، وتجلٍّ له. تماماً كما هو شأن العقل كمائز للإنسان، وإن ذهب فلاسفة محدثون إلى تقديم العقل على الأخلاق تقديماً لم يدركوا أنهم بهذا إنما ينزعون من الكائن البشري ما هو من تكوين ذاته وطبيعته. لقد بدا واضحاً في الرؤيات الجديدة لسؤال العقل / الأخلاق في الغرب أن مقولة " كل ما هو عقلي هو واقعي" ليست إلاَّ واحدة من القواعد التي أسَّست للاستلاب. وهي بهذا جعلت الإنسان حيواناً سياسياً بامتياز، إذ دفعت به إلى الحد الذي لا يرى نفسه إلاَّ في مرآة سلطانها. والذين وضعوا هذه المقولة في سياق الزمان الواقعي كانوا على يقين بأنَّهم إنما فعلوا ذلك ليبيِّنوا أنَّ الأطروحة الأخلاقية التي حملتها الفلسفة الألمانية على أجنحة اللاّهوت الديني إنْ هي إلاَّ سراب لا يلوي على شيء. كان التنظير الذي أراد أن يُسقط الأخلاق من عليائها الأرضي ، يستهدف أصلاً كل ما له صلة بالدين والميتافيزيقا . قالوا إنَّ الأخلاق والدين هما شكل من أشكال الإيديولوجيا الهائمة خارج دائرة الواقع. وإنَّ الكائن هو نتاج التاريخ، وإنْ انتظم الأمر في نطاق الديالكتيك الذي يبيِّن أنَّ الوعي ليس فليس الوعي هو الذي يحدِّد الحياة، بل الحياة هي التي تحدِّد الوعي".. هذا هو الأمر الذي جعل الكلاسيكيات الفلسفية للماركسية تصب نقداً لا هوادة فيه على الفلسفة الألمانية. فلم ترَ فيها إلاَّ إيديولوجيا واغتراب كونها خاضعة من حيث تكوينها وتطورها لهيمنة التصورات التي وفَّرها لها اللاّهوت الديني. لقد أرادت المادية الديالكتية أت تدفع عن الإنسان الاستلاب الذي أطلقته حركة الحداثة وتقنياتها، فإذا بها تدفعه نحو استلاب

من نوع آخر منذ تلك اللحظة التي أمسكت فيها بناصية الحركة

التاريخية بدءًا من نهاية القرن التاسع عشر وعلى امتداد القرن

العشرين بأكمله.

ولم يكن افتتاح الألفية الثالثة ليجيء بما يبدِّل من روح التساوي

الحاد في مقولة العقلي / الواقعي. فلقد أظهر المشهد العام كل ما

يمت بصلة إلى النهايات والبدايات في آن. كان ثمة نهاية مدوِّية

للسجال الإيديولوجي في حداثة الغرب المتأخرة. ليبتدئ ضرب جديد من

"المواج الإيديولوجي" تولَّت الليبرالية المابعد حداثية رسم أحداثه

وأجناسه وفصوله عبر الآليات الهائلة لثورة الاتصال وما توصَّل إليه

الذكاء الخارق للزمن التكنوـ إلكتروني المعولم.

لقد أخذ السجال في العقلاني والأخلاقي مناحي أوثق تواصلية مما سبق.

فالنظام الإجمالي للقيم (القوانين ـ الدولة ـ مبدأ السيادة ـ

المجتمع المدني ـ الفرد الخ) هو الذي سيعيِّن اتجاهات السلوك العام.

وهبطت مقولتا الخير والشر من عليائها النظري البحت إلى حقل

الاختبار الإنساني الحي والسيَّال. وهكذا فبإزاء الاجتياح الهائل

للعقلانية الصارمة، كان ثمة ما يُظهر الحاجة إلى أخلاقية حقَّانية

وعقلانية في آن ، تعيد التوازن إلى النظام المهزوز في الاجتماع

البشري. لقد كانت روح كانط حاضرة في السجال المتأخر خصوصاً لجهة

إحياء البعد الأخلاقي لعالم الحداثة البَعْدية وبث الروح فيها. كان

الحضور واجباً وبديهياً أيضاً حين بلغت العقلانية وهي تقود مجتمعاتها،

ذروة الشغف اللاّهث نحو السيطرة. وكذلك حين تركت الإنسان هائماً على

وجهه في صحراء الغربة والسأم. فعلى هذا النحو لم يكن إعلان موت

الإنسان إلاَّ المنجز المأساوي الأشد استغراقاً في التشاؤم والعدمية.

في كتابه " سؤال الأخلاق " ـ والذي يعد بحق علامة فارقة

سيشار إليها في فلسفة الأخلاق ـ ينقد الفيلسوف المغربي طه عبد

الرحمن الحداثة الغربية ويبيِّن نقطة إشكالية مهمة في الحدود

الفاصلة والجامعة بين العقل والأخلاق وأيهما أخص بالنسبة للإنسان.

يبدأ بالرد على القائلين بأنَّ " ميزة العقل الإنساني أنه لا يملك

اليقين بنفع لا ضرر فيه، ولا بصواب لا خطأ معه" فيرى أنَّ هذه الدعوة

" لا تصدق إلاَّ على القوة العقلية من قوى الإنسان التي هي من جنس

قوة الإدراك التي تتمتَّع بها البهيمة. فمعلوم ـ كما يقول ـ أنَّ

البهيمة لا تهتدي إلى أغراضها إلاَّ بعد محاولات متتالية تخطئ فيها

أكثر مما تصيب. وحتى إذا أصابت، فلا تضمن لنفسها أنها لا تعود إلى

الخطأ مرة ثانية. وكذلك الإنسان في ممارسته لعقله على مقتضى

التصور المذكور؛ بل ما المانع من أن نسمِّي القوة الإدراكية الخاصة

بالبهائم هي الأخرى عقلاً ! فإنها ليست تختلف عن قوة الإدراك عند

الإنسان إلاَّ في الدرجة ؛ وإذا كان الأمر كذلك ، لزم أن لا تكون

العقلانية ـ كما هي في تصور هذا البعض ـ هي الصفة التي يتفرَّد بها

الإنسان وتُميِّزه عن البهيمة؛ فكلا الإنسان والحيوان لا يقين له فيما

أصاب فيه، بل تكون، على العكس من ذلك، هي الصفة التي تجمع

بينهما؛ وبهذا، يقع هؤلاء هم أنفسهم في الخطأ من حيث أرادوا

الصواب، آتين مرة أخرى على غفلة منهم بنقيض مقصودهم، فقد

أرادوا أن يرفعوا رتبة الإنسان، فإذا بهم يُنزلونه رتبةٌ دونها.

وإذا بطل أن تكون العقلانية هي الحد الفاصل بين الإنسانية

والبهيمة، وجب أن يوجد هذا الحد الفاصل في شيء لا ينقلب بالضرر

على الإنسان من حيث أراد الصلاح والفلاح في الملآل، ولا يقع الشك في

نفعه متى تقرر الأخذ به ولا في حصول الضَّرر متى تقرَّر تركه؛ وليس هذا

الشيء إلاَّ مبدأ طلب الصلاح نفسه، وهو الذي نسميِّه باسم

"الأخلاقية"؛ فالأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلاً عن

أفق البهيمة؛ فلا مراء في أنَّ البهيمة لا تسعى إلى الصلاح في سلوكها

كما تسعى إلى رزقها مستعملة في ذلك عقلها؛ فالأخلاقية هي الأصل

الذي تتفرِّع عليه كل صفات الإنسان من حيث هو كذلك، والعقلانية

التي تستحق أن تُنسب إليه ينبغي أن تكون تابعة لهذا الأصل الأخلاقي.

ويمضي طه عبد الرحمن في الشطر الأول من رحلته النقدية في

كتاب سؤال الأخلاق، مظهراً الالتباسات التي غشيت أعمال دعاة

العقلانية والمحدثين. حيث ظنَّ هؤلاء أن العقلانية واحدة لا ثانية لها

وإنَّ الإنسان يختص بها بوجه لا يشاركه فيه غيره. وعبد الرحمن يخالف

أصحاب هذا الظن بملاحظة أنَّ العقلانية تقوم على قسمين كبيرين: فهناك

العقلانية المجرَّدة من "الأخلاقية"، وهذه يشترك فيها الإنسان مع

البهيمة، وهناك العقلانية المسدَّدة بالأخلاقية، وهي التي يختص بها من

دون سواه؛ وخطأ المحدثين أنَّهم حملوا العقلانية على المعنى الأول وخصّوا

بها الإنسان ؛ ولا يصح أن يُستدرك علينا، فيقال بأنَّ العقلانية التي

يختص بها الإنسان على نوعين: " العقلانية النظرية " التي لا أخلاق

فيها و" العقلانية العملية " التي تنبني على الأخلاق ؛ ذلك لأنَّ الأولى

ـ أي العقلانية النظرية ـ إنْ أمكن وجودها، فلا يمكن أن يتفرَّد بها

الإنسان ككما تبين ؛ أما الثانية ـ أي العقلانية العملية ـ ،

فإنَّه، إنْ جاز أن يتفرَّد بها الإنسان ، فلا يجوز أن تكون الأولى أصلاً

لها ولا حتى أن تكون في رتبتها كما يُظَن ؛ والصواب أنَّ الأخلاقية هي

ما به يكون الإنسان إنساناً، وليست العقلانية كما انغرس في النفوس

منذ قرون بعيدة ؛ لذا، ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من

الأفعال التي يأتيها الإنسان، مهما كان متغلغلاً في التجريد، بل

تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية، حتى إنَّه لا

فرق في ذلك بين فعل تأمُّلي مجرَّد وفعل سلوكي مجسَّد.(25)

المابعد: اللاّديني لا أخلاقي

لم يغادر النقاش الفلسفي الذي شهدته الحداثة الغربية

المتأخرة ثالوث العقل ـ الدين ـ الأخلاق. ذلك على الرغم ممّا ألقت

به الثورة التكنو ـ الكترونية من حُجُب لا حصر لها على فضاءات

النقاش. قد يكون العكس تماماً هو الذي حدث بالفعل. أي أنَّ هذه

الثورة بتظاهراتها المختلفة شديدة التنوّع، وصولاً إلى الثورة

الرقمية والمعلوماتية كتجلٍّ أخير لها، سوف تضاعف من الحاجة لاستحضار

سؤال الأخلاق والدين ناهيك عن سؤال العقل. وإذا كان لنا أن نلاحظ

مناحي واتجاهات حركة التفلسف في الغرب الآن ، فسنجد إلى أي مدى

يظهر الديني كعامل مؤثِّر في الظواهر ذات المنشأ الفلسفي. كان

العالم الروسي نيقولا برديائيف يقول " إنَّ لليقظات الفلسفية

دائماً مصدراً دينياً، وظلَّ يميل إلى الاعتقاد، حتى في ذروة شيوع

النزعات الفلسفية الإلحادية، أنَّ الفلسفة الحديثة عامة، والفلسفة

الألمانية خاصة هي أشد مسيحية في جوهرها من فلسفة العصر الوسيط ،

وذلك بسبب موضوعاتها الرئيسية وطبيعة تفكيرها.فلقد نفذت المسيحية

ـ بحسب برديائيف ـ إلى ماهية الفكر نفسه من فجر العصور الحديثة.(26

لا بل حتى أولئك الذين يوصفون بالتيار الفلسفي المادي

أكَّدوا على ضرورة الدين باعتباره وظيفة أبدية للروح الإنساني،

وإنَّه يجب على الفلسفة نفسها أن تدخل حظيرة الدين وأن تجعله محوراً

لها.

الأهم من ذلك أنَّ الاستعادة، الحداثية لمفهوم الأخلاق بما هو

نأي عن الشر ونزوع إلى الخير، بل للأخلاق الكانطية المسيحية تعييناً،

إنَّما هي استعادة من باب الوجوب. ثمة في الغرب اليوم، بل ومنذ

بضعة عقود إرهاصات ذات حرارة مرتفعة تدعو إلى مراجعة شاملة

للعقلانية كمفهوم وكنمط حياة في آن.

في رؤياه النقدية لأخلاق الحداثة الغربية سيلاحظ طه عبد

الرحمن ـ في كتابه الذي أتينا عليه قبل قليل ـ مَدَيات التهافت

التي عصفت بالحداثة فوجد أنَّ الحضارة الغربية الحديثة التي هي حضارة

" اللوغوس" أو حضارة العقل، هي حضارة ذات وجهين: عقلي وقولي

وذات شقَّين: معرفي وتقني، وكيف أنَّ هذين الوجهين وذينك الشقَّين، وإن

قصدا تلبية حاجات الإنسان المختلفة والمتزايدة، فإنهما يضران

بأخلاقيته بقدر يهدِّدا إنسانيته ؛ فالوجه العقلي من هذه الحضارة

يقطع عنه اسباب الترقي في مراتب الأخلاق، والوجه القولي يضيِّق

نطاقها ويجمِّد حركتها ويُنقِّص من شأنها، والشق المعرفي يخرجها من

الممارسة العلمية ويَفصلها عن المعاني الروحية، والشق التقني يعمل

على استبعادها والاستحواذ عليها كما يحرص على أن يستبدل بها غيرها

؛ وما ذاك إلاَّ لأنَّ هذه الحضارة حضارة ناقصة عقلاً وظالمة قولاً

ومتأزمة معرفة ومتسلِّطة تقنية. وفي السياق نفسه يستطرد عبد

الرحمن ليظهر أنَّ حاجة المفكِّر المسلم إلى أن يتأمَّل في الممارسة

الأخلاقية لهي أشد منها في أي وقت مضى، وهو يضع لهذه الحاجة

اعتبارات ثلاثة:

أحدها، أنَّ الآفات التي تحملها حضارة "اللوغوس" إلى

الإنسان، وهي، كما ذُكِر، أربعة أساسية: "النقص" و"الظلم "

و"التأزم" و "التسلط"، والتي تُؤذي الإنسان في صميم وجوده الأخلاقي

بما ييأس معه من الصلاح في حاله والفلاح في مآله، لا يمكن أن يخرج

منها أهلها بمجرد تصحيحات وتعديلات يُدخلونها على هذا الجانب أو

ذاك من هذه الحضارة المتكاثرة، نظراً لأنَّ هذه التقويمات المحدودة

ليست في قوة هذه الآفات الشاملة، حتى تقدر على محو آثارها وسوءاتها

الأخلاقية ؛ ولا أدل على ذلك من أنهم لا يكادون يَفرغون من إجراء

هذه الإصلاحات أو تلك حتى تظهر لهم من تحتها إفسادات أتوها من حيث

لا يشعرون، فيقومون إلى إصلاحها، فيجدون مرة أخرى من الإفساد ما

وجدوا من ذي قبل، وهكذا من غير انقطاع؛ وهذا يعني أنَّ أخلاق السطح

لا تنفع في الخروج من آفات العمق، بل لا بد في ذلك من طلب أخلاق

العمق ،وهذه، على خلاف الأخرى، تدعونا إلى الشروع في بناء حضارة

جديدة لا يكون السلطان فيها لـ" اللوغوس"، وإنَّما يكون فيها لـ"

الإيتوس " (أي الخُلُق)، بحيث تتحدَّد فيها حقيقة الإنسان ، لا بعقله

أو بقوله، وإنَّما بخُلُقه أو فعله؛ فلا مناص إذن من أن نهيئ الإنسان

لحضارة "الإيتوس"، متى أردنا أن يَصلُح في العاجل ويُفلِح في الآجل.

والاعتبار الثاني، أنَّ العالَم، بلا شك ، مقبل على تحوُّل

أخلاقي عميق في ظل ما يشهده من تحولات متلاحقة في جميع مناحي الفردية

وميادين الحياة المجتمعية ؛ وإذا كان لا بد لهذه التحولات المختلفة

من أن تُفرِز قيماً ومبادئ ومعايير أخلاقية جديدة، فلا يبعد أن يلجأ

سادة هذا العالم إلى وضع نظام أخلاقي عالمي جديد كما هو شأنهم مع

النظام التجاري العالمي، وإن كان هذا النظام الأخلاقي الجديد قد لا

يرى النور إلاَّ بعد الفراغ من وضع سلسلة من أنظمة عالمية متعددة

أخرى: اقتصادية وسياسية وعسكرية وإعلامية وثقافية؛ ومرد هذا

التأخير إلى سيادة تصور للأخلاق يجعلها تابعة ولاحقة لهذه الأنظمة

الأخرى، لا متبوعة وسابقة عليها.

والاعتبار الثالث، أنَّ هناك غياباً كلياً للمساعي التي

تعمل على تجديد النظر في الأخلاق الإسلامية بما يجعل هذا النظر يضاهي

الفلسفات الأخلاقية الغربية الحديثة، ولا بالأولى يجعله يواجه التحدي

الأخلاقي المقبل ؛ وهذا الغياب المؤسف لن يزيد المسلمين إلاَّ تضعضعاً في

مركزهم، ولا سيما أنهم لا يملكون ، على ما يبدو في الأفق القريب، إلاَّ

ما انطوى عليه الإسلام من القيم الأخلاقية والمعاني الروحية لتثبيت

وجودهم وقول كلمتهم في الحضارة العالمية المنتظرة.(27)

ما لا يُشك فيه أنَّ الاعتبارات التي وضعها طه عبد الرحمن

وهو يتقصَّى مسار التحولات في العقل الأخلاقي الغربي تفضي إلى ضرب من

التواصل والتأثير على البنية الأخلاقية للمجتمعات العربية

والإسلامية وتلك مسألة سيكون لها مجال مخصوص من النقاش. مع هذا فإنَّ

ما يتولاّه بحثنا هذا في تحولات الفكر الأخلاقي الغربي قد يؤدي مساحة

لا بأس بها من المهمة اللاحقة.

عقلانية التنوير: أثر بعد عين

لقد مضى زمن مديد بدا إنَّ اللحظة لم تَحِنْ لكي يختلي العقل

الغربي بنفسه ويتأمَّل. ثمة مَن يزعم، وفي زعمه اقتراب من حقيقة

المشهد في الغرب، إنَّ الحداثة وهي تنجز آخر تقنياتها لا تنفك تستغرق

في غفلتها التي أدَّت بها إليها عقلانيتها ذات البعد الواحد. لم تعد

العقلانية ـ كما حملت في نصوص التنوير الغربي ـ صالحة على ما يظهر

ـ للإحاطة بما صار يعرف اليوم بـ"ما بعد الحداثة . كذلك فإنَّ

العقلانية التي نذرت نفسها لاستنقاذ التاريخ من بدائيته،

وأوهامه، وفوضاه، دخلت في ما ينافي قيمتها الأصلية. حتى السؤال

الذي أنتجته ليعثر لها عن طريقة فضلى لسيادة العقل، ما فتئ أن

انقلب عليها. صار سؤالاً استجوابياً في ما يقدمه المشهد العالمي من

تغييب لأحكام العقل وقوانينه. كأنَّما انقلبت هي أيضاً، على

نفسها، فاستحالت "طوطماً" للخداع والإيهام، بعدما كانت أنجزت

فلسفتها "العظمى" في " تأليه " الإنسان.

استهلَّت العقلانية بيانها في ما أملته عليها حاجتها إلى

الوثوب والترقّي. فكان عليها أن تتوسل الحداثة والديمقراطية وحقوق

الإنسان وأن تؤكِّد وجوب أن يغادر العالم فضاء الوعي الإيديولوجي

بما هو ـ على ما رَوَتْ ـ فضاء مكتظ بالأوهام، إلى رحاب الوعي

العقلاني. غير أنَّ السيرورة التي حكمت العالم على امتداد ثلاثة قرون

انتهت إلى منعطفات تراجيدية، وكانت الحربان العالميتان الأولى

والثانية في النصف الأول من القرن العشرين والحروب المتفرِّقة الكبرى

والصغرى في نصفه الثاني، بمثابة علامات حاسمة في التحول النهائي في

اتجاه اللاّعقلانية الجائرة.

أما علامة التحوُّل الكبرى فهي تلك التي انتهت إليها

العقود الخمسة من الحرب الباردة. ما رتبت انهيار منظومة تاريخية

كاملة من ثوابت الفهم، وأنظمة القيم، وعلاقات القوة، في العالم

كله. ربما كانت الحرب الباردة تحصيل هادئ للعقلانية، عندما أرادت

أن تستريح من تمجيدها للعنف. إلاَّ أنَّها ما كانت لتجنح إلى مثل هذه

المسالَمَة الماكرة، لولا أن انضبط العالم بتوازن مثير للهلع.. وإلاَّ

لكان استأنف الغرب السياسي هذيانه العنيف، ومشى بخيلاء نادر خلف

العقل الهيغلي، مطمئناً لفلسفة القوة، بوصفها علَّة التاريخ، وسبب

اشتغال العقل وسلواه. سنلاحظ أنَّ هذه الفلسفة (فلسفة هيغل) "

تميل إلى تشبيه مدار التاريخ، أي مدار الروح، بمدار الشمس. كانت

تقول بأنَّه إذا كان نور الشمس يسير من الشرق إلى الغرب ، فإنَّ ضوء العقل يتحرك في الوجهة نفسها، ذلك أنَّ آسيا هي بداية مسار

العقل، أي البداية المطلقة للتاريخ، وأوروبا هي الغرب الفاصل

أو نهاية التاريخ".

جرى هذا التنظير الفلسفي مجرى اليقين في غريزة الغرب

السياسي. أسس "روحياً" لحملات القوة، وسوَّغ لمقولة استعمار الشرق،

فجعلها تاريخاً ممتدّاً لم تنته أحقابه بعد. لقد اعتبرت عقلانية

التنوير أنها هي نفسها التاريخ، وهي نفسها البديل للزمان

اللاّعقلاني الذي استولد جهالة القرون الوسطى تحت تأثير المؤسسة

المسيحية. ومعها أصبح زمن الإنسان أدنى إلى صحراء تيه لجهة كونه

مجرد ما يدوِّنه الإنسان عن تفوّقه وقسوته وفعاليته وجبروته. أي كل

ما يكتبه ، أو يروي تقدمه. ولذلك فليس من قبيل التجريد أن

يستنتج ايديولوجيو العقلانية الغربية ـ الأميركية ـ تعييناً، "أنَّ

فن تكوين الحقائق أهم من امتلاك الحقائق". لقد انبرى هؤلاء إلى

استدعاء هذه المقولة ورفعها إلى مستوى متعالٍ فكان من نتيجة ذلك

أن آلت بهم إلى ذروة اللاّعقلانية، بينما هم يدخلون الألف الثالث

على حصان التهديد النووي واحتكار السيطرة المطلقة على العالم.

إنَّ الخط الذي انتهت إليه العقلانية الحديثة من خلال ـ مطابقة

العقل الكوني الإنساني بين الواقع والمعقول، أي إضفاء العقلانية

على المعقول بدلاً من عقلنته ـ قد دفعت به إلى أن يقبل كشيء معقول

عدداً من مظاهر الاستلاب الإنساني ، لم يعد العقل مجسداً في الأفعال

والأنظمة والعلاقات البشرية، أو أن يسعى إلى البحث عمّا يحرِّر من

الاستلاب، بل أصبح يبرِّر أنواع الاستلاب الموجود. وبدا بوضوح أنَّ ضغط

الواقع القائم في المجتمع الإنساني المعاصر قد دفع إلى أن يتراجع

خطوات إلى الوراء عمّا كان قد أعلن عنه كغاية له في لحظة انبثاقه،

وفي مراحل تطوره الأساسية. لم تعد غاية العقل هي الكشف عن جوانب

اللاّمعقول في الواقع، بل غدت هي البحث عن الصيغة التي يمكن بفضلها

اعتبار ذلك الواقع مطابقاً للمعقول. لم تعد الغاية هي التجاوز

والتنوير والتغيير، بل أصبحت هي التبرير بعينه. وبدل أن يكون

العقل الإنساني موجِّهاً للواقع المعاصر له، أصبح خاضعاً لهذا

الواقع...".(28)

" عقلنـة " لا عقلانيـة الهيمنـة

تعبِّر اللاّعقلانية عن نفسها، دائماً، بوسائل عقلانية. ذلك

إنَّ عقلنة ما هو غير معقول، أي منح المشروعية لسطوة رأس المال

والشركات وامتداداتها يستلزم تأليف لغة ذرائعية قصدها إضفاء

رداء المعقولية على الذي يحدث. لقد اتخذت العقلانية هنا صفة جديدة

كل الجدَّة. أصبحت بمثابة ايديولوجية تسوِّغ الربط بين الإجراءات

والوسائل المتوفرة وبين ما هو مرسوم من أهداف واستراتيجيات. لعلَّ

دولة ما بعد الحداثة ( تحتل أميركا نموذجها الصارخ اليوم) هي أكثر

النماذج اهتداءً إلى هذا التحويل الإيديولوجي للعقلانية. عند

انتهاء الحرب الباردة أخذت الليبرالية قسطها الوفير من الراحة

لكي تؤدلج انتصارها. زعم منظِّروها أنها نهاية التاريخ وخاتمته

السعيدة.ولقد تسنَّى لهم بوساطة شبكة هائلة من الإتصالات البصرية

والسمعية ـ أن ينتجوا المقدمات الأولى لمعارف ما بعد الحداثة.

استطاعت "العقلانية الأميركية" أن "تفلسف" اللاّمعقول الدولي، و

"تمفهم" لا توازنيته. وتؤدلج الاستهلاك فتمنحه صفة النظام المقتدر،

الآيل إلى إنتاج حقائق معرفية تؤسِّس للديمقراطية الجديدة وحقوق

الإنسان. كان على " عقلانية " ما بعد الحرب الباردة أن تقطع

صلتها بالموروث المفاهيمي لحداثة التنوير. لقد حسمت مقالتها

المدعاة بتقريرها إن تداعيات المشهد العالمي " لا يعكس فقط نهاية

الحرب الباردة، أو نهاية حقيقة خاصة بعد الحرب، بل نهاية للتاريخ

بالذات: أي نهاية التطور الإيديولوجي للبشرية كلها، وتعميم

الديمقراطية الليبرالية الغربية كشكل نهائي للسلطة على البشرية

جمعاء. وفي ما يوحي إظهار عقلانيتها اعترفت الليبرالية بأنَّ

انتصارها جرى في مجال الأفكار وهو لمّا يزل بمعظمه هناك، فلم يكتمل في العالم الواقعي.

كأنَّما تريد بهذا أن تؤسِّس لـ" الما بعد " ولـ" ما ينبغي " أن

تكون برامجها الميدانية في العالم. لكي تسود الليبرالية سيادة

كاملة، مطلقة، تملك خلالها الزمان والكينونة معاً وبلا منازع.(29)

هل تشعر الليبرالية ، في زمن "الما بعد العالمي"، أنها

بلغت حدود "الجنو%3