الصهيونية مساوية للعنصرية-العدد7-كانون الثاني 2006

د. جهاد العقل
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

منذ ثلاثين عاماً، وفي 8 ت2 1975، أصدرت الجمعية العامة للأمم

المتحدة، قراراً رقمه 3379 يعتبر «أن الصهيونية شكل من أشكال

العنصرية والتمييز العنصري».

طبعاً، استند القرار المذكور في أساسه الحقوقي، إلى «الإعلان العالمي

لحقوق الإنسان» الذي أقرته الأمم المتحدة في 10 كانون الأول 1948،

وإلى سلسلة من القرارات اللاحقة والأخرى المبنية عليه، أبرزها:

ـ القرار رقم 1904، تاريخ 20 تشرين الثاني 1963، ومضمونه

«إعلان الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري».

ـ القرار 1351، تاريخ 14 كانون الأول 1973، ومضمونه «إزالة

التحالف الآثم بين العنصرية بأفريقيا الجنوبية والعنصرية»

ـ إعلان المكسيك في تموز 1975، وما ورد في مضمونه" «إن التعاون

والسلم الدوليين يتطلبان تحقيق التحرر والاستقلال القوميين وإزالة

الاستعمار والاستعمار الجديد والاحتلال الأجنبي والصهيونية والفصل

العنصري والتمييز العنصري..».

ـ إعلان كمبالا في أول آب 1975، ونصه:

«إن النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين

الحاكمين زيمبابوي وأفريقيا الجنوبية ترجع إلى أصل استعماري مشترك

وتشكل كياناً كلياً، ولها هيكل عنصري واحد وترتبط ارتباطاً عضوياً

في سياساتها الرامية إلى إهدار كرامة الإنسان وحرمته».

ـ إعلان ليما في 30 آب 1975، الذي نص على «إدانة الصهيونية

بأقصى شدة بوصفها تهديداً للسلم والأمن العالميين.. والطلب إلى جميع

البلدان مقاومة هذه الأيديولوجية العنصرية الإمبريالية».

أقدمت «الجمعية العامة للأمم المتحدة» في 16 كانون الأول 1991، على

إلغاء قرارها القاضي باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال

العنصرية».

إن إلغاء القرار المذكور، يطرح مجموعة من الأسئلة:

أولاً: لقد بررت الأمم المتحدة اتخاذ قرارها رقم 3379 بالإعلان

العالمي لحقوق الإنسان، وبإعلانات أخرى سبق الإشارة إليها، فبماذا

تبرر هذه الجمعية إلغاء هذا القرار؟

بالطبع لم تجد الأمم المتحدة تبريراً منطقياً لهذا الإلغاء فأصدرت

قرارها هذا بسطر واحد، انه مخالف لأبسط الحقوق القانونية، التي

قامت عليها «الأمم المتحدة»، لذلك فهو قرار لا حقوقي، قرار

إجرامي باطل بحق الإنسانية جمعاء، يضاف إلى قرارات سايكس ـ بيكو،

ووعد بلفور، وقيام «دولة إسرائيل».. فعلى محكمة العدل الدولية

أن تعيد النظر به، وتبت في عدم قانونيته وشرعيته وعلى علماء

الحقوق في العالم العربي أن يتصدوا بجدية لهذا الخرق الفاضح

«للشرعية الدولية».

ثانياً: سؤال في جوهر العقيدة «اليهودية ـ الصهيونية»، هو، هل

تخلت هذه العقيدة عن أبسط المبادئ العنصرية التي تسمح بإلغاء

القرار 3379، المساوي الصهيونية بالعنصرية؟

1ـ لا، لم يتخل اليهود ولا الصهاينة عن اعتقادهم، الخديعة، بأنهم

«شعب الله المختار» أمة متميزة، متفوقة في عرقها، وبأن باقي خلق

الله عجماوات أي حيوانات، خلقوا على شكل الإنسان، فقط ليتمكنوا

من خدمة اليهودي «الذي يعتبر عند الله أكثر من الملائكة، وهو جزء

من الله»، كما جاء في تلمودهم، حتى أن إلههم هو خاص بهم، إله قبلي

عنصري حاقد «يفني في لحظة غير اليهود».

2ـ لم ينزع اليهود من شريعتهم، الخديعة فكرة إلغاء الغير وأفنائه

للحلول مكانه، فهم ما زالوا يعتقدون بأسطورة «أرض الميعاد»

الممتدة من النيل إلى الفرات، والمطهرة من كل رجس عليها، ضاربين

عرض الحائط بسنن تطور الحياة، ونشوء الأمم، وسير التاريخ.

3ـ لم يقتنع اليهود بعد، بأي من العقائد التي تقوم على أساس

انصهار الجماعات، ومساواتها في الحقوق والواجبات، فيحذر اليهودي

بني قومه، قائلاً: «... لا تصغوا للمتنورين بيننا الذين يؤمنون

بالاندماج»، ويصف اليهودي ماكس نورداو دم اليهودي المندمج بآخر

على أنه ليس دماً بل غسالة.

4ـ لم يقبل اليهود أبداً بالفصل بين اليهودية كدين «والصهيونية

كمؤسسة سياسية عنصرية، ويبدو تلاعب مفكري اليهود بهذا الموضوع

واضحاً:

أـ عندما أسس هرتزل الصهيونية في نهاية القرن الماضي، عرفها:

«بأنها العودة إلى الحظيرة اليهودية»، وقد ساقت الصهيونية إلى هذه

الحظيرة غالبية يهود العالم.

ومن هاجم من اليهود الصهيونية، فئة موجهة لخداع الشعوب وصرفهم

عن أعمال الإرهاب والعنف والإجرام التي كان يرتكبها الصهاينة،

وفئة أخرى، مثلت دور النعامة فادعت محاولة انتقاد الصهيونية،

دون جدوى، أمثال مورغنتو الذي اعتبر «إن الصهيونية أعظم تضليل

ظهر في التاريخ»، ويهوذا ماغنس، الذي حمّل اليهود مسؤولية

الإرهاب الصهيوني، وقال: «من السهل أن يبتدئ كل يهودي من

الصهيونية عند اللزوم، ولكن كل يهودي في الواقع يعتبر مسؤولاً عن

وجود الصهيونية نفسها»؟.

في فترة العمليات الإجرامية المنظمة، التي قام بها اليهود ضد الغير،

وحتى ضد اليهود أنفسهم، خصوصاً بين عامي 1897ـ 1975 حاول قادة

اليهود الفصل بين اليهودية والصهيونية، لتغطية هذه العمليات،

وتجنيب اليهود ردات فعل الشعوب التي لحقت بها تلك الأعمال الإجرامية

العنصرية، فسخروا لذلك مجموعة من الكتاب الأميركانيين والأوروبيين،

وقد برز في مقدمتهم في نهاية الستينيات المربرغر ومكسيم رودنسون،

إضافة إلى جان بول سارتر الذي سخرته اليهودية، فنشر كتابه

الشهير: «تأملات في المسألة اليهودية». «Reflexions sur la question Juive

الذي ضمنه تشويهاً لواقع انتماء الشعوب وولائها القومي، ودفاعاً

عن المجازر التي ارتكبها اليهود في العالم الغربي، وتبريرها بأنها

ردة فعل على خديعة «اللا سامية» التي أطلقها اليهود أنفسهم،

وكانوا في طليعة «اللا ساميين»، إذ كيف نفسر المجازر التي ارتكبها

اليهود ضد اليهود، لاسيما في ألمانيا أيام هتلر؟

ألم يفجر عملاء الوكالة اليهودية الكنيس اليهودي في بغداد عام 1951

؟ كما أقدموا على تفجير الباخرتين اليهوديتين: «باتريا وستروما».

يقول برميا هوفيل: «يخيل إلي أنه لا يوجد هناك معادون للسامية

أكثر من اليهود أنفسهم». ويقول روجيه ديلوم، في كتابه إني أتهم:

«لقد رأينا كيف أسهم الصهاينة خلال حقب التاريخ مرات عدة في

الحملة اللا سامية وفي اضطهاد اليهود، وحتى في تذبيح اليهود سعياً

وراء تعزيز الوجدان اليهودي

وإذكاء شعور اليهود بهويتهم».

ب ـ عند صدور القرار 3379 القاضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية،

وليس اليهودية بالعنصرية، قادة اليهود وليس الصهاينة، من أقام

الدنيا، ولم يقعدها، حتى إلغاء القرار المذكور؟

في اليوم التالي لصدور القرار 3379 أي في 11/11/1975، بثت الإذاعة

الإسرائيلية بياناً لناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي

يصف فيه القرار بأنه «لا أخلاقي» ويضيف «إن من واجب الشعب

اليهودي أن يتحرك بصورة حازمة ضد هذا القرار».

وصدرت النيويورك تايمز صباح 3/12/1975، وقد غطى إحدى صفحاتها

إعلان نشره المؤتمر اليهودي الأميركي تضمن عبارة رئيسة، وهي: «نحن

فخورون بأننا يهود. نحن فخورون بأننا صهيونيون».

وفي المؤتمر الذي عقده «قادة اليهود في العالم» في القدس يوم 3/12/1975

، أعلن رئيس الدولة افرايم كاتسير «إن المؤتمر يشكل رمز الوحدة

لإسرائيل واليهود والصهيونية».

هكذا أسقط القرار 3379 القناع، وكشف الخديعة اليهودية على

حقيقتها: مساواة اليهودية ـ الإسرائيلية ـ الصهيونية بالعنصرية

ومن فم اليهود تدان اليهودية.

ثالثاً: هل احترم اليهود قرار الأمم المتحدة القرار 3379، وكيف

تعاملوا مع إلغائه؟

بالطبع، لم يحترم اليهود القرار، وأقدم رئيس دولة العدو حاييم

هرتزوغ، على تمزيق القرار ورميه في وجه العالم من على منبر «الأمم

المتحدة» ذاتها، التي اتخذت القرار.

لقد وصف هرتزوغ ورئيس وزرائه شامير القرار على أنه: «ظلم

تاريخي»، و«لطخة شائنة في جلد الأمم المتحدة، وبأنه خطأ تاريخي»

و«قذارة» ولم يهدأ اليهود طيلة 16 سنة حتى تمكنوا من إلغاء

القرار، ولم يلغوا ما بنفوسهم، واعتبروا ذلك «تعويضاً عن الخطأ

التاريخي» و«مفاجأة سعيدة».

رابعاً: كيف تطبق العنصرية، حالياً، في الأرض المحتلة؟.

نظرياً، من الممكن أن ينخدع «بعض العالم» بارتداد اليهودية ـ

الصهيونية عن العنصرية، ولكن عملياً ارتباطهما تكشفه «القوانين»

و«الممارسات الإدارية» التي تعتبر العمود الفقري في بناء دولة

إسرائيل العنصرية.

يرتكز بناء الدولة الصهيونية ـ اليهودية على مثلث عنصري

متكامل: الاستيلاء اليهودي على الأرض، تفريغ هذه الأرض من أصحابها

الحقيقيين، توطين اليهود على الأرض دون غيرهم.

وعلى هذا الأساس، وضعت «إسرائيل» قوانينها العدوانية بين عام 1949

ـ 1950، وأهمها: قوانين «الدفاع العام» و«مناطق الأمن»

و«المصادرة للمنفعة العامة» و«أملاك الغائبين»، ونوجز مضمون هذه

القوانين: بانتزاع الأرض من مالكيها الحقيقيين، ومنحها لليهود

وحدهم، وهذا هو الفصل الأهم في العنصرية اليهودية ـ الصهيونية.

يلي هذه «القوانين» مجموعة أخرى من التشريعات الباطلة، التي تثبت

عنصرية العنصر اليهودي، أبرزها:

قانون العودة (1950) ونص في مادته الأولى: «كل مهاجر يهودي يصبح

مواطناً إسرائيلياً».

قانون الجنسية (1952) الذي يمنح الجنسية لكل يهودي مهاجر، وبعد

العام 1971 صارت تمنح الجنسية لكل يهودي قبل الهجرة.

يلي ذلك مجموعة من «القوانين» التي تؤكد بوضوح التمييز العنصري

اليهودي ـ الصهيوني، ومنها:

قانون تنظيم المحاكم الحاخامية (1953) الذي يمنع الزواج المختلط بين

اليهود وغيرهم.

قوانين الدفاع، التي تعطي الحاكم العسكري اليهودي حق السيطرة على

المواطنين غير اليهود فيستعبدهم، ويسلب حقوقهم، تحت شعار ضرورات

الأمن، فيفرض المناطق المغلقة، وله حق الرقابة على الأشخاص

وتوفيفهم واعتقالهم ونفيهم دون محاكمة، وله حق فرض منع التجول.

قوانين الطوارئ، وتبدأ من تقييد الأنشطة الفكرية والسياسية

وتنتهي بهدم البيوت وطرد السكان.

وتتوج هذه «القوانين العنصرية» بالعقاب الجماعي، وبنسف المنازل

وتدميرها، وبإحراق القرى، وبعمليات الإرهاب الجماعي، وبإطلاق

المهووسين بالعنصرية للتعدّي على المقامات الروحية المسيحية

والإسلامية، ألم يحرق اليهود كنيسة القيامة والمسجد الأقصى والمكتبة

المعمدانية ودير المسكوبية، ويرتكبوا مجزرة الجامع الإبراهيمي؟؟

ولا ننسى أخيراً، سياسة المجازر المنظمة التي نفذها اليهود، ويفتخرون

بها، لقد قال بيغن عن مذبحة دير ياسين: «لولا انتصار دير ياسين لما

كان هناك مجال لوجود إسرائيل». نعم، إن إسرائيل قامت على الدم

والدمار والدموع والإجرام، وهذه ليست صفات بشرية، حضارية،

سماوية، إنها صفات حيوانية بدوية، جهنمية، ترفضها الأديان

السماوية وفي مقدمتها المسيحية والمحمدية.

إن «الشخصية اليهودية» تصاغ بالقوانين العنصرية، التي ذكرناها،

فينشأ اليهودي بطبيعته يهوى العدوان، والتعصب، والإرهاب،

والانغلاق..

إن العنصرية اليهودية الصهيونية:

ـ خطر على القيم الإنسانية، وخصوصاً على مبدأ الخير العام، الذي

عرفته الحضارات البشرية، وأقرته الديانات السماوية وفي مقدمتها

المسيحية والمحمدية، وأكدته القوانين الوضعية.

ـ وهي تهديد فعلي لمبادئ الأمن والسلام العالميين فهي تنذر بتفجير

الحروب العرقية والعنصرية والطائفية التي لن يسلم شعب من ويلاتها.

إن خطر العنصرية اليهودية الصهيونية على قيمنا ومجتمعنا

ومستقبلنا، خطر حقيقي يرتكز على خطة عدائية نظامية تهدف إلى

إلغاء حضارتنا، وإفنائنا، وإحلال اليهود في أرضنا، وهذه الخطة لا

تواجه إلا بخطة أدق منها تنظيماً. وهذه الخطة أوجدها الحزب السوري

القومي الاجتماعي، والخطتان في صراع وجود مرير حتى ينتصر الحق

ويزهق الباطل.

وأمتنا، أمة الحضارة والأديان والخير والسلام، أمة دائماً على حق،

وإنها لأمة منتصرة حتماً.