" حوار فني " ....غسان مسعود بعد " مملكة السماء " : يكفيني ما تلقيته من سهام في ظهري قبل الفيلم

العدد 1 - تموز 2005 : الياس العشي
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 

في خضم الصراعات الدائرة في العالم، و اختلاف المفاهيم و الرؤيا حول صراع الحضارات و تصادمها، تطل علينا هوليوود بفيلم للمخرج (ريدلي سكوت) بعنوان (مملكة السماء) بتكلفة تقدر بحوالي 130 مليون دولار أميركي.

هذا الفيلم يطرح رؤيا موضوعية حول الحملات الصليبية في القرنين الحادي عشر و الثاني عشر و التي جرت أهم أحداثها و المعارك الفاصلة فيها على الأراضي السورية، كما يطرح مفهوم الحوار و مبدأ تحرير الأرض المحتلة من القوى الأجنبية بدون أن يكون هذا التحرير عنفا أو ارهابا بل مواقف بطولية و وقفة عز.

لقد أثار هذا الفيلم مخاوف و انتقادات كثيرة قبل بدء عرضه فتنافست أكبر صحف العالم على تناول موضوعه بين مؤيد و متخوف و معارض، و في وسط هذه العواصف الاعلامية و من خلال هذا الفيلم يتألق الممثل السوري الكبير الأستاذ غسان مسعود في دور القائد صلاح الدين الأيوبي، رافعا راية الممثل السوري و الابداع السوري عاليا في سماء السينما العالمية .

أستاذ المعهد العالي للفنون المسرحية الفنان غسان مسعود، أجرى معنا الحوار التالي، و بصراحته المطلقة المعهودة، متحدثا عن الظروف التي أدت الى اختياره من قبل الشركة المنتجة ، و متحدثا عن وجهة نظره حول الفيلم و نقاط اخرى مختلفة و حتى في بعض الأحيان شائكة:

1.الأستاذ غسان مسعود، خريج المعهد العالي للفنون المسرحية و أستاذ في المعهد لما يزيد عن عشر سنوات، لك أعمال كثيرة في غالبيتها مسرحية أو تلفزيونية مثلا (سكان الكهف - جنكيز خان - الحجاج) لكن أين أنت من السينما السورية المحلية؟

-  أسألهم، أسأل "جماعة السينما الوطنية"، أنا لا أعرف.

2.ألا ترى أن هناك مفارقة بأن تكون أعمالك السنمائية الضخمة هي من انتاج أجنبي، أقصد الفيلم الايراني: المتبقي و الآن دورك الكبير في الفيلم الأميركي: مملكة السماء، ما هو رأيك؟

-  صحيح، هناك مفارقة، و مفارقة محزنة، كان أحب على قلبي و دون مبالغة لو أن هذين الفلمين كانا في سوريا، لكن لله تصاريف للأمور، عندما نعجز فلنقل لله التصاريف و ليست للبشر.

3.هل ترى أنك انتقلت من المسرح الى السينما أو أنك انتقلت من المسرح الى التلفزيون و منه الى السينما؟
-   فكرة الانتقال لا أحبذها، أنا لم أنتقل من المسرح و لن أنتقل الى أي مكان ، و بحكم مهنة الممثل أنه يتواجد في التلفزيون و السينما و الاذاعة فأنا أمثل هناك، لكن المسرح يبقى المسرح بالنسبة لي و لا يجاوره أحد.

4.بالانتقال الى السينما، كيف أختارتك الشركة المنتجة لتقوم بدور صلاح الدين؟

-  عبر الوكيل، السيدة نشوى الرويني، لقد حصل معي ما حصل مع عدد هائل من الممثلين على مستوى سوريا، لقد أجرينا اختبار قصير باللغة الانكليزية أمام الكاميرا، و بعد فترة شهر تقريبا طلب اليّ عبر السيدة نشوى أن أذهب الى اسبانيا لاجراء الاختبار الثاني و هو الأهم و هو عبارة عن مشهد كامل أمام الكاميرا باشراف أحد مساعدي المخرج ريدلي سكوت، و في اليوم الثالث دعيت لمقابلة ريدلي سكوت: تكلمنا عن المسرح مطولا و في السينما قليلا جدا و سألني عن صلاح الدين هل هو رجل حرب أم رجل دولة؟ فأجبت: رجل دولة، و هو كان من هذا الرأي طبعا. في المساء بلغت أنني أنا من سيمثل دور صلاح الدين، كان التبليغ من السيدة نشوى.

5.اختيارك من قبل شركة كبيرة مثل (فوكس)، ألم يلقي على عاتقك مسؤوليات من خلال تمثيل سوريا في هذا العمل؟ و هل انتابك أي شعور بالخوف، أقصد من الحوار، الاخراج، طرح الأفكار و تشويه للشخصيات؟

-  معلوم لدى الجميع أن سمعة (فوكس) ليست سمعة حسنة فيما يخص الاسلام و العرب، هذا بحد ذاته ترك عندي قلقا و بالمقابل حذرا شديدا، ترك ظلاله على كيفية قراءتي للنص و حذري الشديد من كل كلمة واردة في النص، أعطيت النص للسيدة نشوى الرويني لتقرأه كونها أفضل مني بكثير باللغة الانكليزية، كما قرأه أيضا المحامي، و كان تأكيدنا دائما أنه اذا كان هناك أي اساءة للاسلام أو للعرب أو لصلاح الدين فلن نوقع العقد، و بالاضافة الى ذلك و من خلال حواري مع المخرج ريدلي سكوت توفرت لدي ثقة عالية بأن هذا الرجل شريف و نبيل و أنه في اتجاه أن ينصف العدو كما الصديق، مع ذلك و أثناء التصوير لم يغادرني الحذر لدرجة أنني تدخلت في مشهدين أساسيين و قدمت اقتراحات للمخرج بخصوصهما لأن صيغتهما في التصوير كما حدث في المرة الأولى قد تنقل معنى ملتبسا لجهة الفهم مما يوقعنا بما لا تحمد عقباه، فاقترحت عليه صيغة معينة فتبناها مباشرة و شكرني و كانت تلك هي الصيغة التي صوّرت في الفيلم سواء كانت في مشهد الصليب أو مشهد دخول القاعة، لأنه في الصيغة الأولى كان هناك أوراق ترمى و تحرق من قبول جنود صلاح الدين و هذا يذكر ب(هولاكو) و ما فعله، و بالتالي فهذا غير وارد فاقطتعت تلك اللقطة التي أخذت مع الدخول الأول لصلاح الدين، و بدلا من أن يبقى الصليب مرمي على الأرض بشكل غير لائق تم رفعه من قبل صلاح الدين بالطريقة التي شاهدتموها في الفيلم.

6.كيف تعاملت مع باقي الطاقم؟ أي المخرج و الممثلين و كل العاملين و أرجو أن تخبرنا كيف هم تعاملوا معك؟ هل كان هناك صعوبة في التواصل؟

-  في البداية أي في الأيام الأولى كان عندي ما هو موجود عند من هو أضعف أمام من هو أقوى، و كنت قلقا من هذه الناحية أيضا: كيف سينظرون اليّ و أنا الممثل المشرقي و هم جماعة (هوليوود) اللذين لا يعرفون ان كان في المشرق فنا أو ثقافة، لكن هذا الاحساس سرعان ما تلاشى بعد اللقاء الأول مع هؤلاء النجوم الكبار عندما أوصلوا لي لنقل "احساسا نبيلا" للغاية و ترحيبا خاصا جدا و كأننا نعرف بعضنا منذ زمن. خلاصة القول: لقد وفّروا لي دعما معنويا ما كنت أتوقعه أبدا.

7.بالحديث عن الطاقم أود ذكر كاتب السيناريو (وليم مانهان) الذي أثار تعاملك معه عاصفة من الانتقادات كونه يهودي، ما هو رأيك في هذا الموضوع؟

-  رأيي: شاهدوا الفيلم، فهل يتبيّن أن وراء الفلم كاتب يهودي بالمعنى الذي نفهمه عن الصهيونية و ليس عن اليهودية؟ و هناك فرق، و أنا قلت و ما أزال أنني مسؤول عمّا قمت به مع ملاحظة أنني حتى الآن لم أتأكد أنه يهودي! و هذه مفارقة! و عطفا على ذلك أقول: يا سبحان الله، الآن بدأنا نفتش عن دين مبدع ما، و بالأمس القريب كان هناك حوالي 80% من ثقافتنا الأدبية و المسرحية و السياسية ناتجة عن منظّرين و كتاب يهود! مثل ماركس و مارخولد...أسماء كثيرة جدا، و لم أرى أحد يعترض على ذلك (يضحك). يكفيني ما تلقيته من سهام في ظهري قبل الفيلم ممن نظّروا و هاجموا غسان مسعود، لكنهم لو عرفوا غسان مسعود جيّدا لما تجرؤا على التشكيك فيه. على الأقل لست أنا من يأخذ دروسا في الوطنية و في كيفية حماية ثقافته الممتدة لأكثر من 10 آلاف عام و اعتزازه بها.

8.هل الفنان غسان مسعود من المقتنعين بفكرة صدام الحضارات؟

-  لا، غير مقتنع، و أخشى أن تكون واقعا في يوم من الأيام، و الا لماذا أتبنى ما يطرحه الفيلم من رسالة؟

9.هذا الفيلم يعالج فترة في غاية الحساسية بين العرب و الغرب، هل ترى فيه فكرة صدام أم حوار للحضارات؟

-  لقد سعينا ليدعم الفيلم فكرة الحوار و ليس الصدام و الاثبات الكبير هو المشهد الأخير. هل يعتقد أحد أن صلاح الدين لم يكن ليستطيع أن يدمر القدس بمن فيها؟ كان يستطيع ذلك، لكنه جنح الى الحوار، و أيضا رموز الغرب جنحت الى الحوار مثل (باليان) و (بالدون)، لكن الأصوليون موجودون في الجهتين.

10.في النهاية أود أن تعطينا ملخص عن خبرتك في هذا الفيلم.
-  ليست خبرة بقدر ما هي أنني أفهم أن الحدود الجغرافية على سطح هذا الكوكب تحولت الى نقاط جمرك، لكن الفضاء بات مفتوحا دون هذه النقاط الجمركية مما يجعلنا مواطنون في رقعة واحدة و أقرب الى بعضنا مما نتخيّل و بناء على هذا الفهم علينا كعرب أن نثبت حضورنا بشكل أو بآخر بما يحدث، و أن نكون مؤثرين و متأثرين، و متفاعلين و فاعلين أيضا، لا أن نبقى هامشيين حتى لو أريد لنا ذلك.

11.المشاريع المستقبلية لغسان مسعود؟
-  لا أستطيع التحدث عنها الآن، ربما عندما تحدث.

في نهاية هذا اللقاء الصريح، أود أن أشكر الأستاذ غسان مسعود و أود أن أهنئه و من خلاله أن أهنىء الانسان السوري اللّذي ما زال يثبت و في جميع المجالات أنه وريث حضارات فنية و ثقافية و صلت الى جميع أطراف العالم بما فيها من حق و خير و جمال.


خلال اللقاء مع غسان مسعود