منقذ سعيد: حياتي كانت وما زالت على خط الخطر-المعتصم حاتم خربيط

العدد7-كانون الثاني 2006
السبت 18 آذار (مارس) 2006.
 

اختزنت ذاكرته آلاف الصور لكنها لم تعشق أكثر من لونين، الأبيض

والأسود.

بضجيج النحاس وشقاوة الصلصال يوصل صورا عن بلادة الصحراء وصوت

الفقر وصمت الغربة.

الذئاب وشرطة الحدود و"الصوبية"

أول من استخدم كلمة الغربة جان جاك روسو (الغربة في

الوطن). منذ أن كنت صغيرا لم أشعر أني قادر على العيش ضمن محيط

واحد فكنت دائما أفكر بالتحليق.. بأن أخرج، حتى عندما خرجت من

العراق كنت صغيرا عمري سبعة عشر عاما ونصف فلم يسمحوا لي على

الحدود أن أخرج بدون موافقة الأهل. شعرت بأني مكسور لأني لم أستطع

الخروج، وجلست في مقهى شاردا طوال الوقت أفكر كيف أخرج من هذا

البلد، كان ذلك عام 1978. كان أحد الجالسين يراقبني وأنا شارد

وأفكر فاقترب مني وقال: "أنت تريد الخروج من العراق"، فقلت: "لا.

لا، سأرجع إلى بغداد"، لم يصدق كان يعلم أني أريد فعل شيء. فقال:

"سوف أدلك كيف تخرج من العراق.. خذ الطريق الصحراوي وإذا أظلمت

الدنيا ستهتدي بنجمة ضعها أمامك وسر باتجاهها أحذرك من شيئين هما

الذئاب وشرطة الحدود، ستصل إلى حفرة صغيرة يمكنك أن تمشيها مشيا،

تلك هي الحدود، وإذا خرجت منها صرت بأمان، صرت في سوريا. ثم ابحث

عن أول ضوء تراه، ذلك هو المخفر السوري".

أعطيته حقيبة الملابس وأخذت حقيبة صغيرة، كنا في كانون الأول

وكان البرد الصحراوي قاتلا، فلبست بنطالين وبلوزتين ومعطف

واتجهت...

لم أكن أعترف بالزمن، ولكن في ذلك الوقت بدأت أشعر به، كانت

أول صدمة لي هي "الزمن". دخلت الصحراء بين ركض ومشي ثم شعرت بأن

حتى حقيبتي الصغيرة أصبحت ثقيلة علي وبدأت أرمي الأغراض التي بها، في

ذلك السن كانت القصص البوليسية التي أقرأها كآرسين لوبين تحكي عن

الكلاب البوليسية فعدت إلى أغراضي المرمية ورحت أدفنها في الرمل

وأسير حتى وصلت إلى الحدود السورية. وصلت للمخفر وقلت لمن فيه أني

قادم من العراق، ولكن الذي فاجأني هو جهاز رأيت الشباب يجلسون

حوله ولم أره في حياتي وفيه أنابيب ممتدة في كل الغرفة فسألتهم:

"ما هذا؟" فقالوا (يضحك): "صوبية".

ثم ذهبت إلى دمشق وأكملت دراستي، كانت تلك الخطوة الأولى نحو

الباب الوحيد للحياة بالنسبة لي والحرية التي كنت أطمح لها، لم أكن

أعرف أحدا عندما اشتغلت عاملا في البداية ثم درست في كلية الفنون

الجميلة، لم أكن أملك حتى "الفرنك" وهو أجرة الباص في ذلك الزمن،

استأجرت مع صديقي منزلا بخمسين ليرة كنا نوفر لشراء الورق وأدوات

الجامعة، ونعود إلى البيت ليلا وليس لدينا إلا رغيفا واحدا نقسمه

قسمين ونأكله مع الشاي، ولا زال شعاري: (لا تعش طول الحياة ولكن

عش عرضها)، في الثالثة والعشرين تركت الجامعة وذهبت متطوعا إلى

حصار بيروت. وبعد تخرجي بدأت أدرّس في جامعات اليمن ثم سافرت إلى

جيبوتي والصومال وأثيوبيا وبعدها عدت إلى سوريا كنت أؤمن بأن

طاقاتنا يجب أن تبقى في بلداننا العربية.

بإحدى المرات كنت أسير في شوارع دمشق وجدت ورقة روزنامة صغيرة

مكتوب عليها أبيات لشاعر أجهله يقول:

بلاد ألفناها...

وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن...

وتستعذب الأرض التي لا هوى فيها

ولا ماؤها عذب.

لكنه الوطن..

بعد أن سقطت الجنسية العراقية عني لأسباب سياسية قضيت حياتي

بدون هوية أو جواز سفر كنت أعيش بجواز سفر مزور إلى أن سافرت إلى

إيطاليا ثم هولندا لإتمام دراساتي العليا.

حياتي كاملة كانت على حدود الخطر وما زلت أعيش على خط

الخطر وأعتقد أن المبدع يجب أن يكون كذلك. خط الخطر لا يقتصر على

الحالة السياسية والإنسانية بل حتى في مواضيع المنحوتات التي تصنع

صدمة للناس، أنا لا أخاف ولست "محافظا" بمعنى الخائف، لدي أفكار

أطرحها وما سيحدث فليحدث هذا هو خط الخطر.

"Dynamics" تعني (الحركية هي الزمن)

أشعر وكأن الشخصية العربية خائفة دائما، نحن نعتمد على

أمثال غير طموحة وبمنتهى الكسل، ما معنى "مد رجليك على قد

غطائك"؟ لا والله.. سأطول اللحاف وأنام براحتي. الكثير من أمثالنا

تشعرك بالكسل وقلة الطموح وعندما أزور البلدان العربية أجد

فنانين جيدين، ولكن الآخرين منشغلين بحضارات وميثيولوجيات أكل

عليها الدهر وشرب. لم لا تصنع أنت ميثيولوجيا جديدة لحياتك تكون

قاعدة لآخرين؟. أحد النقاد الأمريكيين قال لي: "الشيء الجميل الذي

رأيته عندك هو أنك أكملت حيث انتهى جاكوميتي"، بالفعل أنا

متأثر بـالنحات السويسري جاكوميتي وبأفكاره، كنت سعيدا بما قاله

الناقد لأنه أول شخص يفهم أني أريد أن أبني حضارة وأن أبدأ حيث

انتهى من سبقني. أفكر دائما بالحاضر والمستقبل أما الماضي فانتهى

ولا يمكن العودة إليه أقرأه كأي قصة أو رواية، قد تسألني أين

حضارة الرافدين بعملك؟... بالفعل هي حضارة ولكن لماذا نعود

ونلتجئ لها؟ لم لا نبني حضارة جديدة؟ عندما أفكر بالماضي فأنا فاشل

لأنني أهرب من الحاضر والمستقبل وأعود كي أختبئ خلف الماضي أي أنني

لا أملك شيئا أقدمه للزمن. وفي معرض (انعكاس المحيط) قدمت

"سيزيفا" حديثا وعوضا عن الصخرة وضعت تلك الكرة اللامعة من أجل

أن تعكس كل المحيط عليها.

أردت من سيزيف أن لا يحمل مجرد صخرة بل أن يحمل ثقل المحيط كاملا،

أنا مشغول بالمثيولوجيا الحديثة وهي الزمن، أو ما يسمى بالـ "

Dynamics

التي تعني (الحركية هي الزمن). أفكر بالزمن أكثر مما أفكر

بالمكان لأن الإنسان موجود على الكرة الأرضية وهو زائر لها

بالنتيجة فالمكان موجود لكن العمر ينتهي وذلك هو الزمن. قد

تستغرق رحلة الطائرة أربع ساعات من دمشق إلى باريس ولكن اللغة

والحياة والوجوه والأشكال والثقافة مختلفة تماما هناك وهذا هو

الزمن أيضا، حتى القنبلة الذرية مبنية على الزمن (الكتلة في

مربع سرعة الضوء) وأي حجر صغير تضربه بمربع سرعة الضوء يسبب

انفجارا هائلا. كل هذا شيء من نظرية (الحركية هي الزمن). لذلك

أنا دائما أفكر بديناميكية الزمن.

وفكرة التوازن هي فكرة الزمن عن الحركية التي أبحث بها، ليس

هناك شيء ثابت. هناك نقطة توازن مهمة للثبات، فالإنسان بتكوينه

الجسدي وأخلاقياته يتغير، كل شيء قابل للتغيير مع الزمن. في الفترة

الأخيرة كثرت الزلازل والأعاصير لأن الإنسان تدخل في شؤون الأرض

والطبيعة، بدأ يفرغ النفط من باطن الأرض ويحرقه ويحول مصبات

الأنهار إلى أماكن أخرى ويقطع أشجارا هنا ويزرع هناك، وكان

احتجاج الأرض على عدم التوازن بالزلازل والأعاصير، يجب أن يكون

هنالك عملية توازن في الحياة.

نهر دجلة واللعب بالطين

جسم الإنسان به من الدهشة الشيء الرهيب، بقياساته وشكله

وانحناءاته، الإنسان هو أجمل شيء بالحياة، والنحت مثل المرض، منذ ن

كنت صغيرا لم أتخيل نفسي إلا فنانا، كان لجدي بيت على نهر دجلة وكان

النهر يفيض فيغمر الأراضي كلها وبعدما تنسحب المياه كانت تترك

طينا نقيا جدا، كان اللعب بالطين يستهويني كثيرا رغم عقاب أمي

لأني أوسخ يداي وملابسي، إلا أنني كنت مصرا على تشييد إماراتي

وأشخاصي ثم تطور كل شيء، حتى اللون لم أر إلا الظل والنور. كنت في

الرابعة من العمر عندما ذهبت مع الروضة إلى بابل فرأيت (الثور

المجنح) وكانت أول مرة بحياتي أشعر أنني صرت قزما نظرت إليه وسألت

نفسي: "هذا.. كيف صنعوه؟" وعندما كبرت أصبحت مهنتي اللعب بالطين.