تدمير برج لبنان

العدد 1 - تموز 2005 : نزار سلوم
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
ليست كلمة أحداث الواردة أعلاه خطأ مطبعياً، بل عنواناً مقصوداً للتدليل على ما جرى أمام فندق السان جورج في بيروت في 14 شباط 2005 حيث يشير الوصف الأولي المجرد إلى سقوط رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري مع مجموعة من مرافقيه إثر انفجار ضخم أعاد طرق الذاكرة اللبنانية، ولعله اخترقها بطبول الحروب التي شهدها لبنان منذ منتصف السبعينيات، وحتى أوائل التسعينيات من القرن العشرين.
على أن كلمة أحداث هي استعارة مباشرة من العنوان المستمر والرائج والمستخدم دائماً في القاموس السياسي العالمي والذي يوجد في باب أميركا ـ فصل الإرهاب والعنوان هو: أحداث 11/9 أو الحادي عشر من أيلول، أو 11 سبتمبر!! وعلى نحو واضح فإن أحداث 14/2 هي استنساخ ناجح ومثير لأحداث 11/9 في المختبر اللبناني النموذجي لشتى أنواع التجارب المؤكدة استمرار مواصفاته وجاهزيته للارتكاس من حالة الخروج على ماضيه القريب إلى حالة الوقوع مجدداً في هذا الماضي وإن كان بأدوات مختلفة، وبمواقع وتوضعات مختلفة، ومرتسمات سياسية في غاية من الإثارة. بدأت أوصاف أحداث 11/9 تتأسس من تلك اللحظة التي اصطدمت فيها أولى طائرات البوينغ ببرج أو بمركز التجارة العالمي، حيث أحال انهيار البرجين المكان إلى ما تم تسميته لاحقاً المنطقة صفر الخاوية ولكنها شديدة الرمزية ومكثفة بالعناصر التي سيتم الاستناد إليها في استيلاد عقيدة 11/9 وتتابعت هذه الأوصاف متراصفة في القاموس السياسي: الثلاثاء الأسود ـ أميركا قبل 11 أيلول غيرها بعد 11 أيلول ـ إما معنا أو ضدنا ـ كل ذلك وغيره يتم ترداده دائماً وأبداً على إيقاع الكلمة المفتاحية: الإرهاب. على بعد آلاف الأميال من مركز التجارة العالمي في نيويورك تم استنساخ أحداث 11 أيلول بإنتاج أحداث 14/2 أمام فندق السان جورج في بيروت، وهو مكان يحمل من الرمزية ما يؤهله فعلاً ليكون الرحم النموذجي لولادة هذا الحدث. فهو مشمول بتلك الرؤية التي ستجعل من بيروت، وخصوصاً وسطها، مكاناً لابدّ منه لكل من سيتجه إلى الشرق من الغرب أو من الغرب إلى الشرق: اقتصادياً أو سياسياً أو سياحياً أو فنياً أو ثقافياً.. إنه مكان يتجه ليكون فوق الأمكنة!! بالضبط كما يتم النظر فيه إلى نيويورك باعتبارها مكاناً استثنائياً فوق الأمكنة أو خارج علائقها!! أو خارج السوق لا ينافس!! لا يمكن مقارنتها مع غيرها؟ إن مشروع رفيق الحريري في بيروت يكمن في بعده العميق في تلك الرؤية التي كانت تعتبر بيروت مكاناً لا ينافس، مكاناً خاصاً غير متشابه، لا يقارب بآخر.. هي رؤية قد يكون من أسبابها ليس البعد المستقبلي لها فقط والذي كان يتميز به الحريري، بل ربما البعد النستالوجي الذي يعود إلى ذلك الافتراق بينه وبينها أواسط الستينيات، عندما غادرها مهاجراً ليحظى بفرصة عمل عادي في السعودية، بينما كانت بيروت في عزها، بل في ذروة مجدها. بعد، ربع قرن، عاد الحريري إلى بيروت، ليجدها خراباً وشاهداً على الدمار، كانت تئن تحت ركامها متعثرة تكاد تختنق.. كانت أقلّ الأمكنة.. وأفقرها.. بينما أصبح هو أغنى الرجال وأقواهم، كان في أوجه. وهي صحرتها الحروب.. فاستحالت إلى غبار وهياكل خاوية. كانت بيروت مكاناً مستحيلاً بالنسبة لـ رفيق الحريري أواسط الستينيات، كانت في أوجها، وهو في بدايته.. لم تكن مكانه، ولكنها كانت حبه الأول.. ولكنه المستحيل! بعد ربع قرن، عاد الحريري إلى بيروت، محاولاً صياغتها لبنة لبنة، حجراً حجراً، لتكون حبه المستعاد من المستحيل.. بدا الحريري في بيروت في أيامه الخيرة وكأنه ملك متوج على عرش حبه الأول. هكذا ستشكل أحداث 14/2 استكمالاً تراجيدياً لرحلة رفيق الحريري مع بيروت. وهكذا ستكون بيروت مكاناً مناسباً لاستنساخ أحداث 11/9. حيثالطريقة التي تم فيها الاغتيال أشبه باصطدام البوينغ ببرجي مركز التجارة العالمي، فاللغم العملاق سواء كان سيارة مفخخة أو لغماً أرضياً اصطدم بالبرج اللبناني العملاق، إنّ التشابه بين مركز التجارة العالمي في نيويورك ورجل مثل الحريري ليس تشابهاً فنتازياً بل يمكن اكتشاف التشابه القيمي بينهما والذي يحيل إلى ملاحظة القوة الاقتصادية ورمزها، فاستحال المكان إلى دمار هائل، حفرة عميقة، هي بالضبط المنطقة صفر اللبنانية، بينما لا يستوي وصف موت رفيق الحريري بكونه اغتيالاً، كان عملية تدمير كبرى، تُسبب على نحو افتراضي تصور رفيق الحريري ينهار كبرج عملاق على شاطئ المتوسط، لا كرجل تم إسعافه إلى مشفى الجامعة الأمريكية بعد فوات الأوان. منذ تلك اللحظة سيستكمل الاستنساخ أوصافه: لبنان قبل الحريري غير لبنان بعد الحريري ـ الاثنين الأسود ـ إما مع لبنان أو ضده (سيادة استقلال..)، ولكن الكلمة المفتاحية التي تشكل إيقاع هذا الهارموني تبدلت لدواعي السياسة المحلية فاختفت الإرهاب مقابل استحضار المخابرات. وعلى خلاف الإمبراطورية الأميركية التي بدت إدارتها مستهدفة فاستقطبت التعاطف معها، بدت الإدارة اللبنانية متهمة سلفاً فاستبعدت عن المنطقة صفر التي يتم العمل على الانطلاق منها في رسم مستقبل لبنان ـ وهو ما يتم التعبير عنه بأن دماء الحريري لن تذهب هدراً ـ في الوقت الذي نجحت فيه المعارضة ـ التي في أغلبها كانت معارضة للحريري طوال مدة حكمه؟! في التحلق حول المنطقة صفر فاستولت على عرش الإمبراطورية اللبنانية الذي لا يزال مفقوداً منذ وقت طويل، رغم إصرار سعيد عقل على عكس ذلك منذ أكثر من نصف قرن؟! إن اللغة السياسية في لبنان، الآن وخصوصاً منها التي تصدر عن أقطاب المعارضة هي اللغة الإمبراطورية المستعادة، ولذلك هي لغة إطلاقية، وبالنهاية بعيدة عن الخطاب السياسي. إنها لغة لا سياسية!! لبنان الآن دون سياسة. عندما هدأ غضب الناس مساءً، واستراحت العواطف المهتاجة، واستكانت القلوب الكسيرة.. أضيئت الشموع متحلّقة حول رفيق الحريري، وتحوّل قبره إلى مزار أو جامع للناس.. وهنا بدأ افتراق أحداث 14/2 عن أحداث 11/9، إذ بينما العقل الأمريكي يحول أحداثه إلى مكان للفرجة والسياحة، والاستثمار، فإن لبنان يحوّلها إلى مساحة للروح غير أن بعض الساسة يحاولون إنتاجها كبند في أجندة الخصومات المقيتة. في أواسط الستينيات كان بار السان جورج مجاناً يجمع جواسيس الأجهزة الأمنية العالمية من مغرب الأرض إلى مشرقها، وكان رفيق الحريري آنذاك شاباً استحال حب بيروت عليه فابتعد عنها مهاجراً، ثم عاد إلى بيروت، وتمكن من حبها، وتحدث عن مقاهيها الرائعة وجلس فيها متشاوفاً حيث لم تعد مرتعاً للجواسيس.. وحيث أقفل بار السان جورج من زمان. ولكنه وبسقوطه أمام السان جورج، كبرج لبنان، بدا البار مفتوحاً على مصاريعه!! كاتب سوري