الجسد الأول.. الأم الأولى

العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
يتفق المؤرخون على أن المجتمع الذكوري وشكل العائلة الحالي ليس أقدم ما عرفه الاجتماع البشري حيث قضى الإنسان بدايته الأولى في كنف المجتمع الأمومي وسيطرة المرأة التي سلّمها الرجل زمام القيادة لا لتفوقها الجسدي، بل بعامل الانبهار والتقدير لخصائصها الجسدية التي أدهشته حيث بدا الجسد الأنوثي مرتبطاً بالقدرة الإلهية بما يمتلك من عجائب وظواهر راح الإنسان الأول يربطها بالطبيعة والقمر والأرض فأخذت المرأة تتبوأ مكانها المتقدم فكانت الطبيبة الأولى والنساجة الأولى ومكتشفة النار والزراعة وصناعة الأدوات الفخارية، بينما كان الرجل يمارس دوره التقليدي في البحث عن الطرائد والصيد.

عجائب الجسد الأنوثي تلك جعلته أول عمل فني تشكيلي يصنعه الإنسان منذ أن انتصب على قائمتيه مغادراً مرحلة التياندارتالية ذات القامة المنحنية، فكانت عشتار الأم الأولى والآلهة الأولى والجسد الأول الذي نحته الإنسان منذ آلاف السنين بشكل يبرز دهشته وحيرته من ظواهره وشكله المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالخصوبة والعطاء تطوّر إلى مرحلة متقدمة من التقديس والسموّ.

حملت تماثيل الأم الكبرى في ثقافة تلك المرحلة ميزات متشابهة، فالرأس كتلة غير واضحة يرتكز على الجذع مباشرة، أو يكون متصلاً برقبة قصيرة، والكتفان والذراعان نحيلتان تنحدران على الصدر أو البطن بشكل لا يوحي بالقوة بمعناها الذكري، والساقان من الأسفل ضعيفتان، أما المنطقة التي اعتنى بها النحات فهي منطقة الثديين والحوض والبطن الذي غالباً ما يظهر منتفخاً وكأنه في حمل أبدي، إضافة في تضخيم تلك الرموز الأنثوية وأحياناً جعلها ملتصقة في بؤرة واحدة هي مستودع الخلق وشمولية الزمان والمكان.

وخلال العصور اللاحقة، تطور الحس التجريدي عن الفنان السوري فيما يخص التعبير عن الأم الكبرى فاستخدم رمز الصليب المعكوف والصليب العادي اللذين بقيا مقوسين في الديانات العشتارية الذكرية على حدّ سواء وصولاً إلى السيد المسيح وأمه مريم آخر أم كبرى حسب تعبير فراس سواح. إلى جانب الرموز التجريدية ارتبط جسد الأم الكبرى برموز حيوانية أهمها الحمامة والأفعى والثور، لتنتقل لاحقاً عبادة الأم إلى الثقافات الأخرى في كريت وميسينا والجزر البريطانية وجنوباً على طوال الشاطئ الأفريقي.

ومنذ أن تعلم الإنسان صناعة الجرار الفخارية، صنع الجرة على شكل الجسد الأنثوي السحري، الذي يدفق الحليب ويحفظ في ظلماته المجهولة بذور الحياة التي تنطلق من بوابة الرحم، وأصبح هناك ما يعرف بالجرة المقدسة ذات العنق القصير والأثداء المتقابلة التي يكثر عددها أحياناً فتصبح بالعشرات تغطي الجسد كلّه، أمّا السرّة فلها قيمة رمزية كبيرة لأنّ سرّة عشتار هي مركز الكون ومعبدها هو سرة الأرض.

هكذا تلمّس الفنان الأول أبجديات الجسد في باكورة أعماله الفنية في التاريخ، لتنمو وتتطور ثقافة الأم الأولى عشتار قبل أن تنتشر وتتفرع عنها مختلف الديانات.