بين عولمة الفوضى والمقاومة: رأيٌ وموقفٌ

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
عولمتان: الفوضى والمقاومة هو عنوان كتاب الأمين سركيس أبو زيد يتناول فيه مشكلات العالم في ظل الصراعات الدولية القائمة، العلنية منها والمخفية، والتي تتمظهر أشكالاً مختلفة من حروبٍ أهلية إلى احتلالات واضطرابات داخل حدود الدول، وعلى مستويات إقليمية عدة من أفريقيا إلى الشرق الأوسط، إلى أنحاء مختلفة من العالم النامي. يتمحور الكتاب حول بعدين للاستقطاب الكوني الحالي: ـ البعد الأول: عولمة الفوضى وتأتي في سياق المشروع الإمبراطوري الأميركي على نحوٍ خاص وامتداداته وتقاطعاته وتأثيراته المباشرة وغير المباشرة على مستقبل شعوب العالم قاطبة في الشرق والغرب. ـ البعد الثاني: أي البعد الآخر المتمثِّل في مشروع المواجهة لـ عولمة الفوضى، وهو المشروع الذي يطلق عليه تسمية عولمة المقاومة، وهذا المشروع وإن لم تتوضح حقيقته بعد، إلا أن معالمه بدأت تتبدى في الواقع العالمي على شكل إرهاصات ونتوءات تمثلها مقاومات شعوب تتوزع على خريطة هذا العالم من أميركا اللاتينية، إلى أمريكا الجنوبية، من كوبا إلى فنزويلا إلى البرازيل، إلى كوريا الشمالية إلى الصين إلى روسيا مروراً بالقارة الأوروبية، وصولاً إلى إيران والعراق والشام ولبنان وفلسطين.

يعرض أبو زيد في كتابه على نحوٍ معمق للإيديولوجيا الفكرية التي تحكم العقل السياسي الأميركي في نزعته إلى الهيمنة على مقدرات العالم وثرواته وخيراته، وتزاوج هذا العقل الإمبراطوري التوسعي مع مفردات الفكر الصهيوني العالمي بأبعاده الميتافيزيقية وما أنتجه من اتجاه فكري (بين هلالين) سياسي ـ اقتصادي ـ ثقافي يمثِله في الولايات المتحدة الأمريكية المسيحيون الجدد أو بعبارة أدق المتصهينون الجدد، وهو اتجاه فاعل ويتحكم بمفاصل الإدارة الأمريكية ويوجّه السياسات الاستراتيجية للبيت الأبيض على مدى العالم وبإرادة أو مشيئة إلهية مفترضة.
ويتناول أبو زيد في بحثه هذا الاتجاه لـالعولمة على الطريقة الأميركية والذي يعتمد آليات مختلفة تهدف إلى تعميم البلبلة والاضطرابات والقلاقل في أنحاء واسعة من العالم وفق ما اتفق على تسميته بـالفوضى الخلاقة أو الفوضى المبدعة أو الفوضى البناءة، وهي كلّها تسميات تختصر تكتيكات التوسعية القومية الأميركية عبر العالم.
ويشير أبو زيد إلى أن التأسيس الفكري لهذه السياسة الإمبراطورية الأميركية الجديدة ساهم ـ على نحوٍ أساسي ـ في صياغته اثنان:
فرانسيس فوكوياما من خلال نهاية التاريخ والإنسان الأخير وصموئيل هنتنغتون من خلال صراع الحضارات.
فنهاية التاريخ بالنسبة لفوكوياما هي الحد الذي ينتصر فيه النموذج الأميركي لعالم جديد صاغته العبقرية الأميركية الديمقراطية ـ بين هلالين أيضاً ـ أي ديمقراطية ممسوخة صاغتها العسكريتاريا الأميركية من خلال غزواتها وحملاتها الحربية من أفغانستان إلى العراق.
وصراع الحضارات عند هنتنغتون يمثّل الآلية أو الأسلوب أو الطريقة المجسَدة في نزاعات وصراعات واضطرابات تأخذ منحى الصراع الحضاري بين العالم الغربي المسيحي المُهيمن عليه أميركياً واستطراداً صهيونياً وبين عالم إسلامي متخلّف بالمعنى الأميركي وقاصر عن مواكبة الركب الحضاري العالمي، والنهاية التي يريدها هنتنغتون لهذا الصراع هي ما تنبأ به زميله فوكوياما في الانتصار الكبير الفاصل لـالحضارة الأميركية الغربية ذات البعد الديمقراطي بالطبع حسب رأي هنتنغتون.
القيمة الحقيقية لهذا الكتاب، وفي هذه اللحظة التاريخية بالذات، هي في هذا التكثيف الذهني والفكري الذي يضيء على جوانب أساسية من حركة الصراع والمقاومة في أمتنا والعالم، ويسلِط النور على التطورات الدولية المتلاحقة بعد أحداث 11 أيلول المشؤومة التي أعطت الدفع والزخم لانطلاق المشروع الأميركي الصهيوني الإمبراطوري بما قدمته من ذرائع للسياسة الأميركية المندفعة في اتجاه ما بات يعرف بـ مكافحة الإرهاب ـ حسب التعريف الأميركي المجتزأ طبعاً.
هذه الانطلاقة التي بدأت في أفغانستان وقد لا تنتهي بغزو العراق.
ملاحظة وحيدة لا بد من الإشارة إليها هي في افتقار هذه القراءة التاريخية المعمّقة إلى خلاصة صلبة وقوية هي تأكيد حقيقة تاريخية مفادها أن الإمبراطوريات التي تعتمد على القوة العسكرية على نحوٍ أساسي للبقاء والتفوق هي إمبراطوريات في طور الأفول ولو بعد حين وبالتالي فالمسار الأميركي الحالي في صياغة العالم ومكوناته ومحاولات تشكيل خريطته السياسية الجديدة وفق الرؤية الأميركية، هذا المسار ليس قدراً ولن يكون، وديناميات المقاومة لدى الشعوب والأمم المقهورة والمظلومة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، ستلعب الدور الحاسم في تغيير المسار الكوني لتاريخ العالم.
لذلك حبذا لو كان عنوان هذا البحث: عولمتان: الفوضى (أو) المقاومة بدل (و)، وهذه الـأو ستفعل فعلها في تحديد صورة العالم الجديد.