عن آخر موتٍ لحليبٍ فاغر إلـى الدكتـور فضـل مـطربعد عامٍ كامل على الغياب

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
الى الدكتور فضل مطر بعد عام كامل على الغياب فاغرٌ فمُ حليبكَ يا هذا.. ولا حاجة لك بنا.. عرفناك حين كنّا آخر القلوب المؤلفة، ننزلق وجوهاً إسفلتية الملامح، ولا حصى في غمرة بهجتنا، غير انسراب الماء حتى آخر التبلل.. عرفناك واقفاً على حدِّ اجتناب الرضى، ترفل بحديقةٍ خلفيةٍ ناصعة الضحك غادرها أخٌ لخمسة فصول، ولمّا يعد حتى هذا الخنصر المعدودللمرة الألف جيئة وذهاباً.. عربون فقدك يا هذا خريطة بحوافٍ حادة وخلجانٌ مردومة وماءٌ مندحر أمام زحف الزيت.. قطعةٌ من سماءٍ مهربة وممنوعة كعبوات اليورانيوم.. ألوانٌ أكثرُ نصوعاً من الرماد والغشاوةُ نافذةمسمرة بزجاجٍ مكسور نتلصص منها على خسارتنا وخسارتنا الرابحةإيّانا لا تلوي على شيء. الآن.. سأدخل عليك ولأول مرة عريانَ من قصائدي.. موقناً أن الكلام حيلة العاجز.. . والرثاء خيانة أخرى للموت تتم ما بدأناه من خياناتنا المديدة للحياة.. سأدخل عليك لتتفحص تضاريس فقدي..سترى جيداً أقنعة الوحشة المقطرة في مسامي.. ستراني عبوراً طازجاًللخطيئة.. واهناً كغابةٍ محترقة.. مسدلاً أجفاني على فوضاي.. حالماً بعقابك الجميل.. بسوناتا نومك المباغت على الطاولة.. وإغماض عين توازن عدسة القلب المفتوحة حتى آخرها..
New Page 1

الآن يا هذا سأحمل السجائر التي اشتهي.. وسألبس ما تمليه عليَّ تفاهتي.. سأسمع ما يصمّ آذان المستنقع.. وسأركل حنظلة على قفاه حتى يغيب في ثقب اللوحة الأسود.. وسأضع إكليل الشوك على رأس ناجي العلي.. وسأقول له: مت الآن يا هذا.. مت واسعد بموتك فأبو كندا لم يعد بيننا..

ولن أتوب.. فحليبك فاغرٌ.. ولا حاجة لك بنا نادمٌ على قلبي.. بدّل أزهاره بشوكك.. أو شوكه بأزهارك..وأتساءل.. مَنْ سيحصي خيولك الزرقاء.. ومن سيهندس متاريس الضحك المبحوح لنا.. من سيسألني عن بيسان.. وسيرنو إلى غبشي بكامل وضوحه.. ومن سيؤنبنا على أخطاء الحب.. وسيضع السيف في موضع  الندى دون ضرر.

الآن يا صديقي أشتاقُ وجهك المعضوض بالغبار.. أشتاق إلى هفواتي تنتظرُ أنفاسك لتصحح.. أشتاقك يا أسود الجلد ناصعاً تضيءُ حلكة جلودنا.. أشتاقك بكاءً على مقام الهزام.. وغناءً طازجاً كقبلة..

رحلت..

فكافأناك بتمسيد ضرع مآقينا القاحل..

كافأناك بنشازات غنائنا المرتل على قبرك

بضوء ممدود وطويلٍ كطعنة..

بكؤوس مرفوعةٍ كقاع هاوية شربنا نخبك وأنت ميت حين عجزنا كأموات أن نشربه وأنت حي..

ستهوي الصخرة الآن ولا حامل لها..

وسننهب نعاسنا وسنمشي على ماس ذبولنا وحيدين، ستتهرأ القصائد في أيدينا ولا من مرمّم لها.. والقلوب المعصوبة أبداً بفقد الفقد..

المعصوبة المدن والأحلام والأصدقاء.. لن تكون كذلك بعد الآن.. وسعداء نحن..

كيف لا وقد زالت الطمأنينة.. وغدونا نقف على رجلينا بعد أن كنّا نقف على رجلٍ واحدة كذكر الحمام المستوحش..

فيا أصابع الغيم.. ويا أول الريح، ويا شجراً يتأرجح في عزة الاحتضار.. ويا أول المدارس.. ويا ظلال الأشياء الطويلة.. ويامساء الخميس الذي كنت أهوى.. ليس لي فيكم بعد الآن من قيلولةمرخية الشعر.. مرخية التذكر.. مرخية الوهن..

فقد مات صديقي أنكيدو

الآن..

وعلى مسافة غيمتين من قبرك.. وعلى مسافة ربعٍ خالٍ وانسكاب قحط من قبورنا جميعاً.. سنقفُ ملوّحين بمناديلنا المبللة بصخبك الأزرق.. المبللة بحضور غيابك..

المبللة بحلم إيابك إلى شجرتك.. حلم إيابنا إلى أشجارنا.. تلك الأشجار التي حلمت منذ تأتآت ارتباكك على مقاعد وكالات الغوث أن جمعها كلها.. سيصنعُ غابة.. تلك الغابةالتي ستصنعُ وطناً..

أيها الفاغر الحليب.. لم أجد لازمةً لأغنيتي غيرها فاحتملني قليلاً.. أنت الذي احتملتني فيما مضى كثيراً.. بحطامي المدوزن غبشاً.. بخطاياي علقتها أمانة في عنقك.. بجنة خمري الحامضة الشوك.. بأيامي المالحة كدموع الجندي..

كنا نقول ذات كأس إن ليس بوسعنا أن نكون أشقياء وأنبياء في ذات الآن.. شعراء بلا فضاءٍ أزرق ومواعيد معقودة مع العدم.. مغتبطين خلف متراسٍ من اللزوجة..

ضحكت منا بملء حلمك وكنت ذلك جميعاً.. وما عرفناك إلا فقداً.. ولم نراك إلا غياباً.. عطراً لوردةٍ مقتولة في كأس.. وآخر نعية لتفتح آخر بنفسج في آخر ربيعٍ في وطن ليس من آخرٍ لهُ..

أبا كندة..

سلامٌ عليك.. ولن تضيق قبورٌ حوت فضاء أحلامك النبيلة..

*عبد الله ونوس سلمية