في " يغني بوْحاً للشاعر نعيم تلحوق **صلوات التمرد على سجّاد من مسك الغبار

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
من مناقب المشهد الثقافي العربيّ المعاصر أو من مثالبه ان تقمع فيه كتابات الابداع او تظل هامسة في السرّ الهامشي في حين يتسع مداه لاحتضان السائد المجهور الى حدّ المجّ بأبواق السلطان وشاشات القمار فتغلب شظية الاسم اللامع شظية الاسم المغمور او المهمش او الملتزم فتلهينا او توهمنا بأنها عنوان التحديث بما توفر لها من امكانات قد تملأ الدنيا وتشغل الناس.

صفحة جديدة 1

 

نعيم تلحوق شاعر كغيره من شعراء عرب كادت ان تمنعني حواجز الاشهار والتشهير المضروبة على بيوتنا من قضاء العمر دون التعرف على تجربته الفاتنة في كتابة القصيدة الحديثة لولا الفرص النادرة التي يصنعها الاصدقاء القلائل ممن راهنوا على جنون الابداع وارتضوه سبيلاً لوجودهم بالالتزام ورغم عناء التجديف ضد التيار وتضحياته المريرة فلم يعدّلوا ساعاتهم على مزاج طمس الغير ليظفروا بنصيب الاسد من نرجسية التفرد بالظهور. نعيم تلحوق دون سابق معرفة شخصية به أكرمني في بيتي بما أهداه اليّ من انتاجه الشعري "سبع مجموعات" تغري الاطلالة السريعة عليها بقراءتها كتابة واعادة كتابة أعد نفسي التواقة اليها بمجالسة كل قصيدة منها مجالسة القراءة العاشقة الكاتبة، التي لا تفتن بمفاتن العين والجيد والنهد والخصر فحسب وانما كل جزء منها بدءاً من الحرف فالكلمة فالمقطع فالقصيدة او حتى فراغها. ولا يعنيها الا النص بقطع النظر عن صاحبه وان كره الناشرون. العنوان "يغني بوحا" جملة فعلية تضارع الغناء بالفعل والتمييز فتخبر عن اسم العلم القائم في يمين الغلاف "نعيم تلحوق" مبتدأ فاذا العنوان جملة

اسمية تستمد الحيادية او الحكائية من اسناد الغيبة "نعيم تلحوق يغني بوحا".الأنا "نعيم تلحوق" زمن كتابة الشعر يكتب "نعيم تلحوق" في زمن المضارع المطلق زمن الشعر أيضاً بضمير هو، مسنداً إليه فعل مضارع "يغني" فيصير الأنا فاعلاً ومفعولاً به في نفس الوقت والحدث غناء والغناء صوت الذات بل صوت الحياة لكن البوح هنا يتميز وفي لفظة البوح شحنة مكر المألوف الخارق والخرق في دقائق المعاني الحافة للبوح إلا وهو بوح الذات الذي يجعل الشاعر مختلفاً في بوحه دون أن يصرح بما ينتاب الشعراء من نرجسية التعريض بمنافسيهم في أساليب البوح الشعري.

الطريف في كتابة تلحوق عامة وفي " يغني بوحاً " خاصة انها بوح ينضح نقداً في تخوم قصيدة التصرف العربي تعلق مناقير طيور تناور على ابتهالات جبران لتشرب من مناهل القصيدة العربية الحديثة وإيقاعاتها المتناصة.

والخطاب مناجاة بل صلاة من صلوات الشاعر يهدي مجموعته الى الله الحلاجي العاقل الخارج من جبّة صاحبه إلى من خرج من جبة الحلاج ليلتقـي بـي فــي الظــــــــــل ادعـــى انـــــــه فـــهمنـــــي إلــــــى مـــن يـغنـي بــوحــاً وتمـــانعـــــــه الأشيــــــــــاء إلــــى الله فـي أعلى النهــــار الاهداء كالكلمة التي تتأتى أليف مكر اذ الالفة في الانشداد الى "الله" و"الحلاج" و"الجبة" وهي علامات لغوية تمكنت كغيرها لتشد الشعر الى مروحته اللغوية المركوزة في طبيعة التصوف العربي الاسلامي والمكر في اجراء النظم الشعري على غير المنتظر فيغدو الله ومن ساوقه من الفاظ عوالم شعرية ممكنة خارقة شبيه برقعة السحاق او الحكاك النصي الممسوخ بالدارس الاستعاري منابت تدفق طيناً وناراً ثفالها الارض.

والله أنثى يبتهل لها الأنا في لوحتين واحدة اختزان لذاكرة التراب وأخرى أوراق مكشوفة السمعة. وفي كل لوحة تسود لوافت عناوين ورسوم. وامرأة الرغبات كرعشة وذنوب الرغيف واحتفال الجنون بل كرنفال ظلاله مراث ومغازل وتأملات وأحلام تختزلنا شظايا تكبت بنا "بلمبسيست Palimpsestes " تعلق رقعة أو جلد خروف متماحقة متساحقة أو متدارسة لتنبت كلمات تغني في عشق الأطياف : كـــأنـــــه المـــاضــي، يـعيــد دورة العيـــــن وأنـــا أدلــل على يقين يكسر اسراري المتعبة كـــــم ســـأبقــى لاراه يــغنـــي بــــــوحــــــا عشـق الاطيــــــــاف! رقعة القفا هذه تكتنز شعراً، تجربة الذات ابداعاً، ونقد تأمل تبوح بها ارهاصات اناشيد الابتهال المتمرد الناضح من رحم القصيدة العربية الحديثة الحرة الموقعة في تناص ماكر، ايقاع السيّاب وغيره من كتّاب التحديث المتمرد وعلى رأسهم جبران الا تهفو بنا قصيدة :

"تعلمت علم الأزمان" بابتهالات جبران في اختلاف الرؤيا : تعلمت الطريق الى جسدك صار يصعب ان اقف على منعطفات الاخريات وازقة الحالمات بالعبور الى الكوثر وهنّ كثيرات تعلمت بنهديك تفجر الينابيع وبشعرك دفق شلال البراكين ...وبعينيك سحر مجد الآلهة والشياطين.

الطرافة في الجمع بين الامر وضدّه بين سحر الآلهة والشياطين،والمعلم مفتن انثى كثيراً ما حمّله شعراء الغزل المتعاقبون على السحر وفي هذا تناص في مفهوم التحدي والتجاوز، تجاوز الرومانسية المثالية التي لا يزال البعض يعتبرها قمة ما وصل اليه الابداع في الشعر العربي الحديث.

الشعر في علبة تلحوق العجيبة مناصف عاصف يتمسرح في هيكل القصيدة العربية الحرة بتوثب مخترقاً حواجزها المفهومية لتمتسخ الاغراض ومعانيها شتات اكوان اخرى رافلة بالدهشة والانحراف :

استغفرنــي يــــــا أنــــــأي فالاصدقاء بــاغتهم الــوقت ... كسروا الخمرة بالاحزان ...والظـــــل التعب الهجـــــــر، استنزفها صوت الــــرحمان (ص 26)

كم هي مشوقة هذه الكلمات نازفة بالمختلف والنازف صوت الرحمان لا الرحمان والصوت لغة وهل ينزف الرحمان بغير الصائت به والرحمان معتقد صنيعة اللغة والكلام لحسن عجمي صنيعة.

والمرثية قد تصير احتفال الجنون :لـــم يكـــن مهرجــــانا او صولجانــا ولا رقصـــــــة للغجـــــــــــــــــــــــر.

... جئنــــــــا ضيــــــاعــــــــــــــــــا وعــــــدنــــــــا ضيــــــاعــــــــــــــــا والذي حمل وجــــه القصيدة قد توارى فرشح مــــــن حبرهــــــا صبر العذارىوالليل استمات في الرقص على الينبوع عــــلّـــــــه يـغـــــــــــدو البحـــــــــــارا (ص 28)

المقطع الشعري في "يغني بوحاً" رواية الإنسان الأنا المتحدي اللافظ اعترافه المتمرد اللذيذ بما اقترف من ذنوب غير نادم ولا متبجح وإنما هو عازم مصرّ على ما لم يعودنا عليه شعر الابتهال والعود على بدء؛ اقترفت مع التاريخ معصية وجودي ومـــع الخـالــــق إثم إيمـــــــانــــتي ومــــع الحياة لحظــــة مـــوتـــــــي لكني لم أزل على الخطايا العاريات (ص 28)

ومهما حاولت قارئاً ناشداً اختزال القصائد في ألفاظ بعقال النقد المتعارف في الشعر الحديث ما استطعت الى ذلك سبيلا، اذ لا تكفي وقفات سريعة على فواتن الكلام فواتح اقفال لتلملم هذا الشعر الجديد في فقرات تقرير لذا أراني مشدوداً إلى ان اكتب بكل ما خطّ على فضاء الورق في "يغني بوحا" من شعر ورسوم وفراغات وتنقيط مثير إثارة الإبداع والامثلة لا تحصى وها هي امرأة الرغبات تتشكل فاتنة في مقاطع ولوحة هي اصوات مكتوبة بريشة اللون ابيض واسود وانتظام الحروف للتلاشي والتحرير.

لــــــــم تــــــكــــــــــــن ريحــــــــاً كــــــــان غيماً بـــــــارد الاهــــواء تجرّعت الــــــــروح مسك سمائهـــا فــــذابت مــــــن عطرهــــا الاحشاء لــــــــم تــــــــكـــــــــن روحــــــاً كأن نسيم الضحى يطفو على خدّيها كلمعـــــــة البـــــرق اصطفـــــاهـــا فعــــــاد الـى خدره يـومىء لخديـــه ويــــــدلل عينيه ويـــروض جفنيـــه كــــــــــــي يــــــراهــــــــــــــــــــا ... (ص 34)

طاحونة الكلام عند نعيم تلحوق تطحن حبّات اللفظ لتزقّ من سماده صوراً ومشاهد غير منتظرة لكنـــه عنـــد غـــــرّة المــــوج انتبه إن علمه أبصر حلمه فانشرح... استفاق على الوقت يكنّس عمره فعـــاد إلى لحظـــــة المغيب فانشده... (ص 34)

سمفونية العاطفة خالبة اقاح العقل مخلّفة طيف جدل لقاحه خيال أو افتراض يرقى بتجربة الشعر العربي من تنضيد البدائي الى افتضاض الحضري أنثى. تقدمت بـــالــــرحمة إليه كـــي يتعشق جنون لظاها تـــــلبدّت بلحظهــــا إليـــه. وخرجت مــــن غمرها إليه تعيد الرونق لمقلتيه او مداها... وتشرب مــــــــــاء ضفتيـــه كــــــي يستريــــــح هواهــا... سلمت عنقهــــــــا للـــــوجد فاختارهـــــــا كفرشة الطيب استحم عليلهــا بشهد النحـــل ورضــــــاب الـحـــــــبيـــب ولمــــــا استشفَ عطرهـــــا استرقت وصارت بين شفاهــــه لوزاً وعــنقــــــــود زبيب ....(ص 34 و ص 35)

"يغني بوحاً" لوحتان من هشيم الذات مترقّية بريشة التناص أطياف مراسم تنزّ من رحم القصيدة العربية أطياف نسيب ورثاء فمتوجعات هموم الذات الثقافية في راهنية التأثر والتأثير لفقدان الأحبة والعمر والوطن والأطفال في تمسرح اللوحات حواراً شعرياً بين الشاعر والله.

رخّــص الله لمحمـد بأربع نساء وتـــركني علــى مقهــى المدينة أقول ما لست أقوله في الريف (...)أمــــا آن الحـــال كي انتظر حبيبي واسرق فــــــاطمـــة مـــن عــلــي ... أمرني الله لا تجلس علــــى كــــــــرسي المقهى كي لا تضطر لفتح "اباجور" دماغك سألته بتقية؛ لا اعلـــــم لماذا النوم الهــــــــــادىء صفــــة البطـــــــل الغـــــــــــــائب .. ! قال بهمس؛ سجـــــــل علـــــــــــــى الــــــــورق " لــــــــن اعــــــــــود اليـــــــــــــك" طاردني الحبر وبقي.. ـن أعـــــــــود ..." (ص 45)

هذا الحوار أليف بمرسم قصّه لاغز بانختال لفظه بامكانات الخط الشعري على الورق، بجمالية الفراغات والتنقيط، جدلية الآمر والمأمور المتمكنة بجدلية أخرى منفتحة بالزيادة والنقصان ليتشعب بتأويل التأويل.

وتظل مروحة العدول مصفاة كلام سواء في قوله "أحتكمت لرشاش القلب" (ص 45) أو في قوله "أفيق كل يوم على وجه صريع" (ص53) وفي قوله قال صاحبي هذا الصبر لي قلت خذ الصبر ودع "لي" (ص 68)

وأنا أغامر في البحث عن أجوبة ناقصة .. (ص 81)

كل شيء يلهم بالتحديث المختلف فحتى قصيدة طفل الخيل المهداة إلى أمثال محمد الدرّة الكثير. كسرت عمري برمشيك لما سألت العمر حالك فقالوا لا مكان في بالنا لاشتعالك بقيت وحيداً أحمل ليلي واغني أيامي أصوت على مجموعي واعصر كلي لأعلن إني الدمعة على وجنتيك (ص 59)

فاتنة هذه القفلة هذه الصلوات المتمردة على ذاتها بما يشبه طقوسها وتضرعها في غير  خنوع المؤمنين واستسلامهم البدائي.

 نعيم تلحوق "يغني بوحاً" اتحاد الكتاب اللبنانيين الطبعة الأولى بيروت / لبنان 2005.