إذا كانت النفوس كباراً..

العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجساد ربما يختزل فارس الشعر العربي أبو الطيب المتنبي، الكثير بخصوص الجسد والروح وطبيعة العلاقة بينهما.. فالمرء يتمنّى دائماً أن يكون جسده على مستوى روحه وتطلعاتها، ولنا أن نتصوّر حجم الشقاء الذي يصيب الجسد إذا ما كبر الفارق واتسعت الهوة بينه وبين حالة الحلم. حيث يصبح الخلل عجزاً مدمر يحوّل الحلم إلى مستحيل. ويبلي الجسد بالعجز وعدم الفاعلية.

منذ أحجية الخلود عند جلجامش، والإنسان المتفوّق عند ينتشه، كان التركيز على الجسد تحامل أساسي يتنكبّ مهمة تقريب الواقع إلى الحلم والعكس صحيح، وذلك ضمن معادلة يتحتمّ على المرء فيها أن يحافظ على توازن الطرفين، وهو أمر اختزلته لاحقاً الأمثال الشعبية في مقولة العقل السليم في الجسم السليم. ترى هل يحزن الجسد؟‍ وتضعف بهجته، كلّما عصفت بالروح الكآبة، واسود لون الغيم في سمائها..؟ ‍ يؤكد الجميع على أهمية التوازن بين هذين الطرفين، إلى درجة القول بأن تفوق أحدهما يعني اضمحلال الآخر، فكل توسع عند الجسد لابد أن يكون على حساب الروح فمن الصعب جداً أن نجد ملاكاً يكتب الشعر،أو شاعراً يمارس المصارعة.. ! على ألا يعني ذلك أنه على الشاعر أن يكون نحيلاً وضعيفاًُ بمعنى الهزالة والامحاء، خصوصاً إذا كانت العزائم تأتي على قدر أهل العزم حسب قول الشاعر في معناه المادي.!!.

ففي هذا الوقت، لا يبدو أن معركة الإنسان متوقفة عند حدود الدفاع عن الحلم فقط، بل إنها تطال أيضاَ كيمياء الجسد بكل تفاصيله. بعد أن أصاب التلوث هواءنا ومياهنا وشمسنا التي تحب، ولا ندري إن كنا سنستيقظ في أحد الأيام لنجد أن البشر قد تحوّلوا إلى كائنات مختلفة شبيهة بالديدان الرخوة اللزجة، يتمددون على قارعة المدن المكتظة بالكربون والتلوث والإشعاع. ترى ماذا سيحل بالجمال؟! وبآلاف القصائد والمواعيد والعيون الحور، والحدائق، والأرصفة الطويلة التي تحفظها جيداً أقدام العشاق؟!.

عندما كنت أراقب الأصدقاء وهم يرحلون، كيف كانت تذوي وجوهم، وأصابعهم، وتنوس عيونهم رويداً، مثلما الضوء البعيد كنت أدرك أنهم يدفعون ثمن تمرد أرواحهم، فأفكر في نفسي بعجائبية هذا الجسد وأسرار الحياة فيه..

تذكرت كيف عاد أنكيدو وجلجامش من رحلة البحث عن الخلود دون جدوى، ليوقنا أن الخلود هو في الحياة ذاتها بما يصنعه الإنسان فيها من أعمال تخلده بعد فناء الجسد فتمنيت أن يكفيني زاد الجسد، حتى ترتوي الروح من أيامها كما تشتهي... فمهلاً أيتها الأصابع، ورويداً أيها الوجه والأذرع النحيلةُ.. مازال أمامك الكثير.!..