الفساد مرض ام معادلة في النظام اللبناني

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
جواد نديم عدرة مقتطفات من محاضرة ألقاها جواد عدرة، رئيس الدولية للمعلومات في مكتب الدراسات العلمية ?قاعة منصور عازار- بيت الشعار المتن الشمالي 7 تشرين الأول 2005 "الدولية للمعلومات" "Information International" كثر الكلام خلال هذه الفترة عن الفساد والهدر. وبرزت مداخلات عدّة واتهامات ومحاولات لتحديد أرقام ومبالغ. وهي ليست المرة الأولى التي تتعالى فيها وتيرة الكتابات والخطابات عن "الفساد"، ولا عن ضرورات "الإصلاح". وقد شهد لبنان إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية كلاماً مماثلاً من طالبي الاستقلال ومؤيّديه ومن بريطانيا وفرنسا كقوتين منتصرتين. وقيل آنذاك الكثير عن "الفساد" في الإدارة العثمانية، عدا كونها قوة محتلّة، وعن سوء المتعاونين معها. وإذا أفل نجم بعض البارزين وبرزت وجوه جديدة، بقي العامل الغالب ثبات معظم الوجوه التي انقلبت وبسرعة على تركيا الضعيفة لتحمل لواء القوتين الجديدتين. ولعلّ المهمّ هنا ثبات ما رمزت إليه تلك الوجوه من انتماءات طائفية وعشائرية ومالية أكثر من الوجوه أو الأسماء ذاتها.

واليوم، بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، نرى كيف يعيد التاريخ ذاته فينقلب حاملو راية "المسار والمصير"، باستثناء عدد محدود جداً، ليحملوا راية فرنسا والولايات المتحدة الأميركية، وليبشّروا بفجر جديد، لا أملاً بالإصلاح بل سعياً للبقاء في السلطة، أو ما يبدو أنها سلطة.

وفي نهاية كل عهد أو حقبة من الزمن، يتكرّر الكلام ذاته. وتفيض البيانات الوزارية جميعها تقريباً، ومنذ عهد الاستقلال، بوعود "محاربة الفساد" و"إصلاح الإدارة". وعند نهاية كل عهد يتمّ لعن صاحبه وتحميله كامل المسؤولية.

والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم، هل تصف كلمة "فساد" "الحالة" التي كنا ولا نزال نعانيها؟ ولماذا يعانيها لبنان منذ نشوء الحياة السياسية فيه؟ إذا كان حالة مَرَضية فلماذا لم تُعالج؟ وإذا كان حالة مُرضية فلماذا التذمر؟

الحالة ليست جديدة ولا طارئة، كما أنها لم تفرض علينا لا من "العثمانيين" (كما درج كتاب التاريخ على ذكره)، ولا من "السوريين" كما هو شائع اليوم، ولا هي نتيجة "فساد" السياسيين أو خلل في مجتمعنا فقط بل هي أعمق من ذلك وأبعد منه بكثير. إنها طريقة حياة اخترناها عجزاً، أو فرضاً، أو رغبة، أومزيجاً من هذا كله.

أما بالنسبة للتاريخ الحديث، قامت جمهورية الطائف، التي ولدت على أنقاض ميثاق 1943 بعد حرب مدمّرة، بإنجازات عديدة على الصعد الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكن سمتها الغالبة كانت سعي أركانها إلى تقاسم الدولة ومواردها غنائم وحصصاً بترف وتبذير كاملين، في وقت يتمّ فيه التقطير وبشحّ شديد على المسائل والفئات المهمّشة، مثل حماية البيئة والاهتمام بالأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين، والهدر بسخاء على مسائل أخرى مثل دعم الزراعات غير المجدية، ومهجّرين لم يهجّروا ولم يعودوا إلا صفة صارخة لهذه المرحلة.

يمكن تلخيص الحالة، واختصار ما نرى الآن وما مرّ على لبنان في الحقبات الماضية، بالثوابت التالية:

 1- استبقاء النظام ورموزه المعنوية عبر حقبات طويلة.

2- الاستفادة من هذا النظام، إن محاصصة أو تقطيراً، كل حسب دوره في اللعبة أو على المسرح.

3- اعتبار الدولة أو السلطة خارج المجتمع مما يساهم في تغييب الخطط والمساءلة.

4- تسليم الدولة والسلطة، إدارياً لجهات احترافية في الداخل، وسياسياً لجهات أجنبية في الخارج، وتداخل العاملين حين تقع الأزمات.

5- الاعتقاد بأن اللاعبين محصّنين ولن يصيبهم أذى سواء نتيجة الأزمات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية.

6- الاعتقاد بأن اللاعبين غير مسؤولين عما يجري حولهم، فالمواطن يوجّه إصبع الاتهام إلى "الطبقة السياسية" و"الإدارة العامة" و"الطبقة السياسية" إلى "المواطن" و"الإدارة العامة" التي بدورها توجه اللوم إلى "الطبقة السياسية"، و"رجال الأعمال" إلى "القطاع العام"، وهكذا دواليك.

7- سيادة منطق شراء الوقت بغض النظر عن الكلفة، مما يؤجّل عملية فهم الذات ووضع الحلول ويبقي على الثوابت المذكورة أعلاه.

والنتيجة بعد خمسة عشر عاماً على الطائف، عرف اللبنانيون خلالها رئيسين للجمهورية وأربعة رؤساء للحكومة و10 حكومات ضمّت 264 وزيراً، تراجع البلد إلى مستويات معيشية متدنّية، بالرغم من بعض مظاهر البحبوحة والرفاهية التي ينعم بها بضعة عشرات الآلاف من اللبنانيين. فالبطالة التي لم تهتمّ الحكومات المتعاقبة بمعرفة نسبتها مرتفعة جداً، والهجرة أصبحت طموح اللبنانيين، والدين العام تجاوز الـ40 مليار دولار، والمؤسّسات الإنتاجية في حالة شلل وانهيار تصل معها قيمة وارداتنا إلى نحو عشرة  ليارات دولار مقابل صادرات  تتجاوز المليار دولار بقليل، والكهرباء شبه غائبة، ومصادر مياه الشرب ملوّثة بمعظمها، والطرقات ومعظم خدمات البنى التحتية ورشات عمل قائمة ومستمرّة لإصلاح وترميم ما لم يمضِ على إنشائه سوى أشهر أو سنوات معدودة، والتعليم والاستشفاء الحكوميان دون المستوى المطلوب بالرغم من الأموال الطائلة التي أنفقت عليهما. ويمكن تلخيص النتائج كالتالي:

1- أزمات سياسية متواصلة ومسلسل عنف بين فترة وأخرى، كلفت لبنان غلياً. فالحرب الأهلية (1975-1990) مثلاً أودت بحياة 170-200 ألف لبناني، جرح نحو 300 ألف، وتهجير نحو مليون مواطن، إضافة إلى انهيار العملة، والأضرار التي لحقت بالأملاك العامة والخاصة والتي قدرت كلفتها بأكثر من 30 مليار دولار.

2- كلفة مالية باهظة: بلغ إجمالي ما أنفق من العام 1993 وحتى العام 2004 نحو 90251 مليار ليرة مقابل واردات بلغت قيمتها 47904 مليار ليرة، أي بعجز مقداره 42347 مليار ليرة. يشكّل هذا الفارق

بين النفقات والواردات، البالغ 42347 مليار ليرة، القسم الأكبر من الدين العام القائم الذي بلغ مع نهاية العام 2004 نحو 54122 مليار ليرة. كما بلغ الدين العام الإجمالي 68231 مليار ليرة (مع احتساب القروض التي حصل عليها لبنان البالغة 6300 مليون دولار، إضافة إلى المستحقات المتراكمة على الدولة لمختلف الإدارات والمؤسسات وبدلات الاستملاكات والتي احتسبتها الحكومة حتى نهاية 31-12-2004 والبالغة حوالي 4659 مليار ليرة). ارتفاع الإنفاق على القطاعين العام والخاص بشكل قياسي، فبلغ الإنفاق العام والخاص على قطاع التعليم نحو 1.6 مليار دولار، فيما بلغ الإنفاق على قطاع الصحة 1.5 مليار دولار (أي بنسبة 12% من الدخل القومي)، وهي نسب مرتفعة جداً مقارنة مع البلدان الشبيهة بلبنان. ?

3- هجرة متواصلة، اختلفت تقديراتها، إلا أن دراسة للدولية للمعلومات أظهرت أنها بلغت نحو 200 ألف مهاجر بين الأعوام 1991- 2001.

4- تدهور بيئي كلف لبنان بين 500 و560 مليون دولار سنوياً بحسب تقديرات البنك الدولي

5- غياب وتراجع مستوى الخدمات المقدمة للفئات المهمشة، مما يدفعها إلى اللجوء إلى طوائفها للحصول على هذه الخدمات الممولة من الدولة، ويعزز انتمائها إلى الطائفة بدل من الوطن.??? ويبدو أن اللبنانيين يعتقدون أن "الحالة" هي أفضل الممكن في نظام إرتضوه، بل ربما هي النظام. ولا بدّ من استذكار ما ذكره رياض الصلح حول مسائل الفساد التي طرحت في العهد الأول من الاستقلال، إذ لقّبها "بمستلزمات الاستقلال"، ليكرّر رفيق الحريري الكلام ذاته بعد أكثر من نصف قرن معتبراً أن ما جرى في التسعينات كان أيضاً من "مستلزمات" إنهاء الحرب الأهلية، وأن الطبقة السياسية تسيطر على الإدارة العامة!

إن الحوار الحقيقي مطلوب بين مختلف فئات المجتمع، لنعي أن "مستلزمات" النظام الاجتماعي السياسي القائم تقتضي استنزاف المقدّرات من أجل الإبقاء على رموز المجتمع السياسية حيناً والرموز المعنوية دائماً. إن الكلام عن "الفساد"، وكأنه حالة مَرَضية تعالَج بجرعات دواء معينة من "الإصلاح"، يشتمل على تبسيط كبير للمشكلة.

والكلام عن معاقبة المرتكبين كحلّ ناجع هو ابتسار للحلّ. المشكلة هي في طريقة الحياة التي اقتضيناها أو اقتضتها الظروف التي نعيشها وتحيط بنا، ومدى استعدادنا جميعاً لإعادة النظر فيها جذرياً.

إن لبناء الدولة مستوجبات اجتماعية واقتصادية وسياسية لم تقتنع غالبية اللبنانيين (بمن فيهم السياسيين) بجدوى اضطلاعهم بها، لأنهم يرون أن فوائدها المستقبلية غير مضمونة وغير ملموسة، ولا تستحقّ بالتالي التنازل عن المكتسبات الحالية الملموسة والمحقّقة.