تجدّد الديمقراطية التشاركية

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
بحث لجاك تيستار JACQUES TESTART اختصاصي في علم بيولوجيا الإنسال ، مدير البحوث في المعهد القومي للصحة والبحث الطبي في فرنسا. (إينسيرم Inserm). ترجمة وإعداد: الدكتورة ماري شهرستان إن استمرار التفاوت بين التطلعات الشعبية والخيارات الحاكمة ليس شأناً حتمياً ولا قضاءً وقدراً، إذ إن اجتماعات المواطنين السياسية والمتدربة على المسائل العصيبة التي تتطلب قراراً حاسماً، كخيار الطاقة مثلاً، تفتح آفاقاً لطرق ديمقراطية جديدة. في فرنسا اليوم، بطلان في الألعاب الرياضية، ومطربان للمنوعات، وممثلان في السينما .. إنها الشخصيات العشر المفضلة في البلاد، لكننا لا نجد بينها سياسياً ولا نقابياً ولا كاتباً، ولا حتى باحثاً أو مفكراً أو حاملاً لمشروع! كل واحد فينا يعرف هذه الفضيحة المتكررة في استطلاعات الرأي، لكن لا أحد يجرؤ على أخذها بعين الاعتبار لتقييم الديمقراطية. ويبدو لنا أن (أسوأ الأنظمة جميعاً دون غيره) هو ذلك النظام الذي يكرِّس الارتهان أو التخيلات الخادعة لعدد كبير من الناس.

مع أن الحكام يتجنبون تماماً اقتراح خيارات هامة، عندما يتبيّن لهم من الاستطلاعات أن النتائج ستكون سيئة وغير مقبولة بالنسبة إلى الرأي العام أو بالنسبة إلى جماعات الضغط الاقتصادية (أجسام معدَّلة جينيّاً). فتستند السلطة إلى نظام سياسي تستمد منه شرعيتها، وتحصر الممارسة في اللعبة السياسية.

إن التطورات السريعة للتقنية العلمية والتي هي غالباً غير ردودة، تضع أصحاب القرار أمام خيارات عصيبة حاسمة تؤثر في الأجيال القادمة.

إن المُنتَخَبين يخضعون لضغط السوق، لكنهم في أغلب الأحيان لا يمتلكون الكفاءات الضرورية ليتصدوا لها عندما يتعلق الأمر بقرار نشر التقنيات الحديثة. ويكون أحياناً مواطنون عاديون من نشطاء الجمعيات الأهلية اكثر تأهيلاً وعلماً من المسؤولين السياسيين. إن خبرة المواطنين المناضلين ينبغي أن تبقى في مكانها، متناظرة مع خبرة الخبراء الرسميين، حتى لو كان هؤلاء دوماً في صراع مصالح مع عالم الصناعة. ويستحسن أيضاً تجنب الاعتقاد بالخبرة والكفاءة اللتين لهما مهمة إبعاد تطلعات المواطنين إلى تقييم بعضهم (...) الآتين من الوسط الاجتماعي نفسه، والذين هم زملاء دون أن يكونوا مسؤولين تجاه شعبهم .

لقد حان الوقت إذاً لاختراع ممارسات جديدة لمحاولة معالجة قصور الديمقراطية التمثيلية بأشكال أكثر تشاركيةً. وقد بدأنا نرى أمثلة عدةً منها.

فمثلاً، يمكن لسكان منطقة ما أن يعبِّروا أكثر فأكثر عن احتياجاتهم الجماعية، عند إجراء الاستقصاءات العامة، عبر اللجان المحلية للإعلام أو الاستشارية منها. أما بالنسبة إلى الرهانات القومية، فتتم على الأغلب، استشارة مجموعات من الخبراء (لجان تدعى الحكماء)، والعودة إلى عيّنات من المواطنين معنيّة مباشرة بالموضوعات (مجموعات للمناقشة)، أو حتى غير معنيّة (اجتماعات المواطنين). ينبغي لهذه

التجارب أن تؤدي إلى إنتاج سياسات عامة بوساطة الآراء التي تسمح بجمعها، حتى لا تُتَّهم بالانتهازية. لكن ذلك لا يحصل دوماً، وأسوأ مثال على ذلك: المزروعات المعدَّلة جيناتها (PGM).

إن زراعة الـPGM أي النباتات المعدلة جيناتها، في طول الحقل وعرضه، أي في وسط غير محصور، قد أُدينَ في فرنسا في اجتماع المواطنين السياسي عام 1998، ومن قِبَل لجنة الحكماء الأربعة (2002)، ولجان استشارية عامة 2003 ـ 2004 وفي العديد من استطلاعات الرأي. الرسائل الإلكترونية ـ وهي آلية قابلة للنقاش ديمقراطياً ـ وقد استرعت اهتمام وزراء الزراعة والبيئة والبحوث، وكانت في أكثر من 90 % منها ضد تجارب التعديل الجيني PGM في الوسط غير المحصور.

غير أن منظمي هذه المسرحية استنتجوا ... أنه ينبغي متابعة هذه التجارب!

قامت اللجنة الأوروبية في 19 أيار 2004، برفع قرار تأجيل دفع الديون المستحقة على استيرادات الـPGM رغم النتائج المتكررة لاستطلاعات الرأي!

(أكثر من 70 % معارضون لهذه المزروعات في أوروبا)!. لقد أُجريت منذ عشرين عاماً في أوروبا تجارب أدت إلى الخروج باقتراحات لإزالة الشكوك الشائعة حول التقنيات الحديثة (PGM، خيارات الطاقة، والإنسال..)، لكن تقديم الاقتراحات واتخاذ القرارات، وإطلاق أحكام مستنيرة، هي أمور تستوجب إعداداً مسبقاً للكفاءة، إذ إن الديمقراطية المسماة تشاركية لا يمكن لها أن تهيئ مجموع المواطنين. ففي شكل من أشكال الديمقراطية الحوارية نجد:

ـ اجتماع المواطنين السياسي ـ وهو شكل واعد أكثر من غيره، ومؤلف من مجموعة يبلغ عددها حوالي خمسة عشر شخصاً، ورغم صغر هذا العدد لكنه يمكن أن يمثل تنوع الشعب: إذ إن هناك حصصاً حسب الفئات (السن، الجنس، المهنة، الخيار السياسي، والمنطقة) تُطبَّقُ على عيّنة أكثر اتساعاً مؤلفة من بضع عشرات من الأشخاص المتطوعين الذين يتم استمزاجهم مصادفةً.

ـ هدف هذه الآلية ـ هو الحصول على رأي يُحسَب أنه رأي المجموع الشعبي إذا أُعطيَ مسبقاً الوسائل اللازمة كي يتمكن من الحكم بطريقة مستنيرة، الأمر العسير تطبيقه مادياً.

ليس الموضوع إجراء تحقيق في ملف تقني فقط، بل هو وضع شريحة من المواطنين في ظرفٍ يتمكنون فيه من الفهم وتبادل الآراء والتصرّف بمسؤولية. ويبدو التنافس واضحاً، كما أشار إلى ذلك المراقبون بعد اجتماع الختام حول استعمال العضويات المعدّلة جينياً (OMG)، حيث سلمت هيئة التحقيق استنتاجاتها إلى الصحافة:

إن الكفاءة الرزينة الهادئة التي نجح بها كل واحد في مواجهة المسائل، خلقت مناخاً من الاعتزاز المتواضع والصدق المتبادل الذي شعر به كثير من المشاركين، بمن فيهم الصحفيون، وبإحساس حقيقي .

هذا النمودج من تحقيق عيّنة من المواطنين، يجب أن يوجَّه إلى هدف محدد: فينبغي أن يتلقى كل المعلومات المفيدة لحكمه، دون إخفاء الشكوك ولا النظريات المتناقضة.

كما ينبغي أن يتم عمله بمساعدة اختصاصي في علم النفس الاجتماعي، بعيداً عن التلاعب والمناورات المحتملة (لذلك تبقى أسماء المشاركين طي الكتمان إلى نهاية المهمة)، ثم تُحَّل هذه المجموعة تجنباً لتشكل جسم من الخبراء الجهلة.

تشكل طبيعة المعلومات المقدمة للمواطنين في هذه التجربة إحدى النقاط الهامة.

ولكفالة الموضوعية، تبدو الصيغة المثلى في تكوين لجنة إرشاد تضم بالإضافة إلى الإداريين الذين يتقنون تماماً آلية سير العمل، خبراء لهم آراء متنوعة وحتى متناقضة. تبني هذه اللجنة بالتوافق، برنامج إعداد (المواضيع المعالجة، الملفات المقترحة، وهوية المثقفِّين). فالحركة الترابطية تجد مكانها وسط لجنة الإرشاد كما فيما بين المثقِّفين، مقدمة خبرة ـ معاكسة تكون غالباً معارضة لغالبية الخبراء المؤسساتيين.

فمن جهة، أظهرت هذه التجارب أن كل مواطن رضيَ المشاركة تبيّن أنه كفؤ، بما أنه قادر على الفهم والتعلم والتحليل وصياغة حكم معلَّل؛ ومن جهة ثانية، هناك أقلية فقط بين الأشخاص المنجذبين (حوالي واحد من ثلاثة) تقبل الأسر القسري، وهو تخصيص عدة إجازات نهاية الأسبوع للاستعلام، والمناقشة، والاستجواب، وإبداء الرأي بشكلٍ مُغفل ومجاني.

لنفترض أن هذه المشاهدات تسمح بتصوّر آلية ديمقراطية أصيلة.

 لماذا لا نعترف بأن الديمقراطية هي نظام يوفِّق بين السياسة وبين خيارات أغلبية المواطنين الذين وافقوا أن يتعلموا ويفهموا، بما أن الآلية مفتوحة للجميع؟

 ينبغي أن ننتهي من الاعتقاد السحري عن الديمقراطية الذي يجعلنا نصدِّق أن أي إنسان قادر أن ُيكوِّن رأياً ملائماً حول موضوعٍ معقد دون أن يكون قد حصل مسبقاً على الوسائل اللازمة التي يستند إليها لبنائه.

فعندما ينص إعلان حقوق الإنسان والمواطن على أن القانون هو التعبير عن الإرادة العامّة فهو يفترض بأن هذه التعبير قد نتج عن بناء إرادي انطلاقاً من عملٍ سياسي قد حققه المواطنون.

توشك هذه الاقتراحات أن تُتَّهم بالنخبوية، بحجة أن الشعب مؤلف من مجموع المواطنين، ولا يمكن استثناء قسم منه... هذا الأمر واضح وجلي، لكن الامتناع المتفاقم أثناء الاستشارات الانتخابية ألا يدلّ على الإقصاء الذي يبلغ 30 % إلى 50 % وما فوق لأشخاص مدعوين إلى الانتخاب، ونزعم أنه إقصاء طوعي؟

المهم في الموضوع هو ألا نعيّن ونثبِّت إلى الأبد جزءاً من الشعب على هامش المجتمع، وجزءاً آخر مكلفاً بالمجتمع.

كما أن جميع المواطنين مدعوون إلى صناديق الاقتراع، فإن الجميع أيضاً يمكن أن يُعيَّنوا بطريقة صدفوية، ليناقشوا ويبدوا آراءهم في اجتماع المواطنين السياسي.

فإذا بسبب ضغوط كبيرة على هذه الآلية كانت نسبة الذين يستعفون تتناسب مع نسبة الذين يمتنعون عن التصويت أثناء الانتخابات، فقد يصبح شبه المؤكد أن هؤلاء الممتنعين لديهم دافع أقوى ليشاركوا في مثل هذه التجربة من أن يذهبوا إلى صناديق الاقتراع.

إن الديمقراطية الاستشارية التداولية قوامها ليس في تنظيم مجابهة بين برلمان المنتخَبين وبرلمانٍ آخر مؤلف من مواطنين قد تم انتقاؤهم بالقرعة؛ أولاً: لأن اجتماع المواطنين السياسي يُحَّل ويختفي حالما يعطي

رأيه حول المسألة التي استدعت إنشاءه، ولأن مواطنين آخرين يعطون رأيهم حول مسائل أخرى (أو يعطونه حول المسألة نفسها إذا تتطلب الأمر ذلك). ثانياً، لا أحد يتصوَّر أو يفكر أن تتم كتابة القانون من قِبَل أشخاص مُغفلين لا يمتلكون توكيلاً انتخابياً. لكن هذا لا يعني الإشادة بالوظيفة البرلمانية، مفترضين أنها تؤدي حتماً إلى الخير العام، بل لنرسِ وضعاً يقضي بأنه: ينبغي على كل التزام سياسي أن يحصل على توقيع، وفي هذه الحالة، توقيع التمثيل القومي.

ينبغي أن تتضمن النصوص التشريعية إلزامَ المُنتَخبين بأن يُمسكوا بلوائح طلباتهم والنتائج التي وصلوا إليها، وأن يجعلوا متابعاتهم وما يحصلون عليه لاحقاً، شأناً عاماً.

كما في ممارسات التمثيل النيابي، يمكن للتمثيل التشاركي أن يمتد إلى أبعد من الإقليم أو من البلد، وصولاً إلى كامل الكرة الأرضية. هذا معناه أن تقييم المخاطر الكونية مثل (التغيير المناخي، والمخاطر البيئية، وأخلاق البشر) ليست حصراً من اختصاص الخبراء، وأن هناك منظمات دولية يمكن أن تحيط بها وتسدّد الآليات الديمقراطية التداولية الاستشارية المعولمة.

هذه الميادين التي لا تزال في مرحلة تجريبيّة، هي ثورية لأنها ترسم ملامح ديمقراطية أخرى قد تعترف بشرعية تحقيق شعبي مسؤول وحكمه المستنير وبعدالة الإجراءات الحوارية. لأن القرار العادل هو قرار تمَّ اتخاذه باتبّاع إجراءات ترسِّخ اعتقاد زعماء القضايا بعدالتها . هذه الإجراءات هي ضرورية لإدارة رهانات التقنيات الحديثة المعقدة ، كما أنها قد تقدم الشيء الكثير لحل صراعات سياسية أو أدبية.

لنأخذ مثال إلغاء حكم الإعدام في فرنسا عام 1981. لقد التزم وزير العدل آنذاك السيّد روبير بادينتير Robert Badinter بوضع حد لهذه البربرية، لكن هذا الالتزام يشكل حالة من الديمقراطية التمثيلية التعسفية: إنه قرار هام قد اتُخِذَ دون توكيل نوعي خاص. فاللجوء إلى ديمقراطية تشاركية تعسفية بوساطة استفتاء الأمة محتمل أن يؤدي إلى نتيجة معاكسة، وإلى خيار تحريضي، أكثر منه قراراً متعقلاً ومتبصراً بعمق. بالمقابل، جميع الذين حضروا اجتماعات المواطنين السياسية يعلمون جيداً أن مثل تلك الخطوة المطبقة على حكم الإعدام كانت سوف تؤدي إلى موقف وزير العدل نفسه. إن مسؤولية الأشخاص المشتركين (مواطنين متفوقين ومتطوعين) والظروف التي تمت فيها مداخلاتهم (العلنية، ومناقشة الموضوع بعمق، وتبادل الحجج، والمنافسة) تبرِز عند الغالبية تلك المزايا الإنسانية الجوهرية التي هي الذكاء، والضمير الأخلاقي والإيثارية.