أخلاقيات الحداثة وما بعدها جدل الانقطاع: الأخلاق في معزلها

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
لأنَّ الأخلاق أول ما يطلبه الإنسان من الأديان السماوية، فقد جاءت التصورات التقليدية لترى إلى الأخلاق باعتبارها مفهوماً دينياً سماوياً، وبالتالي لا يمكن الفصل بين الأخلاق والدين. لكن الحداثة، ونعني الحداثة الغربية على الأخص ستشهد لمفكرِّين سعوا إلى تفكيك الرباط داخل تلك الثنائية. فرويد مثلاً سيجد أنَّ مستقبل الدين وهمٌ من الأوهام، وعليه فلا مناص لإنقاذ الأخلاق من أن تصبح وهماً إلاَّ أن يتم عزلها عن الدين وعن المؤسسة الكنسية. وربما أمكن القول: إنَّ تأسيس النظم الأخلاقية غير الدينية وظهور الأخلاق الدنيوية أو الأرضية، من أهم خصائص العالم الغربي في القرن الثامن عشر فما بعد. فبعض النظم الأخلاقية تتصادم وتتعارض مع الأخلاق الدينية، فضلاً عن كونها نظماً علمانية. ويمكن إعطاء مثال على ذلك من الأخلاق الداروينية فهي أخلاق توصي بسحق الضعيف من قبل القوي ؛ لأنَّ ذلك يتطابق وقوانين الطبيعة الصارمة، فكل التعاليم المتضاربة مع الحركة التكاملية لبقاء الأصلح إنَّما هي تعاليم سلبية. وقد أسهب المتألِّهون في مناقشة القيمة الشرعية المنطقية للأخلاق العلمية، لا سيما الأخلاق الداروينية.

New Page 1

ولبيان جدل الإنقطاع والتحولات التي تقلَّب فيها الغرب سنعرض إلى بعض المذاهب التي تخللت سيرورة العقل الأخلاقي الغربي بعد كانط. وهي على الجملة ذهبت إلى النظر في الأخلاق بوصفها معطىً وضعياً ومجتمعياً. منها على سبيل المثال ما ظهر في القرن الثامن عشر ما سُمِّي المذهب الانفعالي ويمثله الفيلسوف الإنكليزي التجريبي ديفيد هيوم (1711 ـ 1776) وهو يرى إن المعارف الحقيقية هي المعارف التي يكتسبها الإنسان عن طريق الحس، ويترتَّب على هذا المذهب أنَّ القضايا الأخلاقية الحقيقية هي تلك المبرزة للأحاسيس والإنفعالات، لا للحقائق الواقعية، ويخلص إلى " أنَّ الأخلاقيات ترجع بالنهاية إلى الإحساس الأخلاقي لا إلى العقل وإدراكاته. ويعدّ المذهب الإنفعالي واحداً من المذاهب الأخلاقية غير التوصيفية. ويتفق هذا المذهب مع المذهب الأشعري (لدى المسلمين) في أنَّه لا يرى إلى أنَّ للأحكام الأخلاقية منشأً واقعياً. بل يعتقد بأنَّها مجرد بيان كاشف عن أحاسيس وعواطف من يطلقها. ويمكن اعتبار المدرسة الوضعية المنطقية (تأسست في فيينا في العقد الثاني من القرن العشرين بزعامة مورتيس شليك) في بعدها الأخلاقي من أهم فروع هذا المذهب.

ـ المذهب الإجتماعي: مؤسسه إميل دوركهايم ( Emile Durkhiem) 1858 ـ 1919، معتقده الأخلاقي على أربعة أحياز:

أ ـ لا وجود للأخلاق من دون المجتمع.

ب ـ المجتمع يملك شخصية مستقلة عن الأفراد.

ج ـ لا بد من اتباع المجتمع في الأخلاق فهو الذي يحدد معادلة الحسن والقبيح.

د ـ معرفة الأعمال الحسنة والقبيحة تكون بالرجوع إلى أخلاقيات المجتمع وآدابه وتقاليده.(...)

 

ـ مذهب المنفعة: تبنّاه الفيلسوف جرمي بنتام 1848 ـ 1832 ( Jerme Benthams) وجون ستيوارت ميل 1806 ـ 1873(Jhon Stuart Mill)  وليس هذا المذهب سوى نسخة معدَّلة من الأبيقورية " فاللذة عند بنتام هي الخير الوحيد والألم هو الشر الأوحد " ويقول جون ستيوارت مل: " اللذة هي المبتغى الأوحد ". فهما يشتركان مع أبيقور في القول ، بأنَّ السعادة هي الخير بالذات ، والسعادة ليست سوى اللذة. ولقد رأى هذان الفيلسوفان أنَّ المشكلة الأساس في الأبيقورية، هي كوها تهتم بالفرد ومصالحه، وتغفل المنفعة العامة(...) على أنَّ الفيلسوفين يختلفان حول كون المنفعة العامة هدفاً أو وسيلة ، رغم اتفاقهما على كونها مطلوبة، وخيراً أخلاقياً. "بنتام" يعتقد أنَّها وسيلة للوصول إلى السعادة الشخصية. أما ستيوارت مل فيعتقد بكونها هدفاً ومطلوباً أصلياً.(...)

 

ـ المذهب العاطفي: يؤمن العاطفيون عموماً بأنَّ الأفعال التي لها صفة فردية من جميع الجهات (أي نرجع آثارها ونتائجها إلى الشخص الفاعل وحده) لا تقع ضمن دائرة التقييم الأخلاقي(...) من أبرز ممثلي هذا المذهب: آدم سميث ( Adam Smith) (1723 ـ 1790) الاقتصادي وفيلسوف الأخلاق الإنكليزي المعروف ، والألماني آرثر شوبنهاور ( Arthur Senopenhauer) (1788 ـ 1860) والفرنسي أوغست كونت ( Augeste Compt) 1798 ـ 1857.(...)

ـ مذهب القوَّة: يعدّ هذا المذهب ـ الذي دعا إليه الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه (1844 ـ 1900) ـ ردَّة فعل على الأخلاق المسيحية التي تستند إلى المذهب الأخلاقي الرواقي هذا التأثر بالرواقية أدَّى إلى اتجاهات أخلاقية سلبية تدعو الناس إلى الاستسلام للقضاء والقدر، ومن هنا، شعر نيتشه بأنَّ من يتربّى على هذا المذهب، سوف يكون إنساناً خاملاً مستعداً لتحمل الظلم، فانبرى لمواجهة هذا المذهب الأخلاقي ، وثار في وجه الأخلاقيات المسيحية:" اعتراض نيتشه على المسيحية، هو أنها تدعو إلى روحية العبودية في نفوس أتباعها" وتربِّي إنساناً خاملاً وذليلاً، وهذه الأخلاقيات غير مقبولة ، وعلى المذهب الأخلاقي أن يربِّي إنساناً فاعلاً ومؤثِّراً . وهو يقول عن المسيحية:" أنا أدين المسيحية وأحكم عليها بأقسى حكم أصدره مدَّعٍ حتى الآن، وأرى فيها أبشع صور التدمير أذمُّها وأعدُّها لعنة عظيمة، فهي ليست سوى ذل البشرية الخالدة".

 يرى نيتشه أنَّ " القوّة" و "السلطة" أساس الأخلاق الفاضلة كلّها. وفي شرحه لنظريته الأخلاقية يرى أنَّ كل موجود حي يحب حياته، ويريد المحافظة عليها، وهذا الأمر يحتاج إلى القوة. لذا فإنَّ الإنسان الضعيف محكوم بالهزيمة والفناء.(...)

 وأحسن خلاصة لمذهب نيتشه الأخلاقي، ما يذكره هو بنفسه حين يسأل ثم يجيب:" ما هو الخير . هو الذي ينمّي حس السلطة. ما هو الشر ؟ هو ما يولد من الضعف. ما هي السعادة ؟ هي إحساس ازدياد السلطة، والانتصار على العوائق لا القناعة، بل المزيد من السلطة، ليس السلام بل الحرب، لا الفضيلة بل الذكاء. العاجزون والمرضى ينبغي إعدامهم، وهذا هو الأصل والقاعدة الأولى لحقوق الإنسان ، فما هو الأكثر ضرراً من الفساد ؟ هو العطف على المرضى؛ أي المسيحية".

لكن الفيلسوف الألماني الوجود مارتن هايدغر (Martin Heidegger) سوف يتجاوز القراءة المدرسية التقليدية لنتشيه حين يرى إليه أنَّه آخر الميتافيزيقيين في العالم الغربي. إذ يتكثَّف في فكره السؤال الميتافيزيقي وينجز فيه. وجواب نيتشه عن هذا السؤال هو التالي: إنَّ إرادة الاقتدار هي الطابع الأساسي لكل " كائن " بينما يشكل "العود الأبدي لذات النفس" التعيُّن الأعلى للكينونة.

ويوضح هايدغر أنَّ ما يقصده نيتشه بـ"إرادة الاقتدار" أنَّها ليست إلاَّ تفسيراً لكلمة الإرادة التي تتضمَّن الحركة نحو... التوجه نحو شيء ما... الإرادة هي سلوك يتجه نحو... إنَّ ذلك كله ـ يضيف هايدغر ـ ليس بعد إرادة ولكنه متضمن فيها. فالإرادة هي أن تكون سيداً على ذاتك، إنَّها الخضوع لقيادتنا الخاصة، وهي القرار بأن نخضع لأحكامنا أو التي هي بذاتها تنفيذ(...). على أنَّ التعريف الجوهري للإرادة بحسب تأويلية هايدغر لنيتشه ـ هو أنَّها " ماهية الكائن " وهي وهي تطلُّع نحو اقتدار أكثر ، نحو التعزيز والسمو:" الإرادة هي أن تكون أقوى" وهي تتميز بكونها خلاَّقة كما يكتب نيتشه. والاقتدار هو معنى آخر لـ"الإرادة". ويماثل نيتشه غالباً بين "الاقتدار" و"القوة" دون أن يعطي لهذا المفهوم الأخير أي تحديد. أما لماذا حكم هايدغر على نيتشه بأنَّه آخر ميتافيزيقيي الحداثة الغربية. فإننا نجد جوابه عندما يمضي في قراءة المفاهيم الأساسية التي وضعها نيتشه، وخصوصاً "إرادة الاقتدار" بوصفها فناً من ناحية، وبوصفها معرفة من ناحية ثانية. يرى هايدغر أنَّ كلمة "الاقتدار" تتضمَّن المعاني الثابتة لـ"القوة" كما ظهرت في اليونان القديمة. ويقارن بين مفهوم " الاقتدار" والمفهوم الأرسطي لـ"Actus" والـ"Potentia" ، لا كما وصل من خلال العصر الوسيط، ولكن كما يظهر في كتاب " الميتافيزيقا" لأرسطو. ويبيِّن هايدغر، أنَّ ثمة علاقة

تربط بين "الكينونة بالقوة" و"الكينونة بالفعل" الأرسطيتين، ومفهوم الكينونة عند نيتشه. ذلك رغم أنَّ نيتشه لم يكن يعي هذه الصلة. وهذا الفهم للإقتدار يضع " الإرادة الاقتدار" في المسار الأساسي للفكر الفلسفي الغربي ، وبالتالي فإنَّ عمل نيتشه ، على قلب القيم من خلالها . يندرج ضمن هذه الميتافيزيقا.

هذا المعنى الميتافيزيقي لـ" فيلسوف العدم" سوف يعيده إلى فضاء الوجود عبر ما يسمِّيه بـ" الإنسان الأعلى" الذي يولد من "العود الأبدي لذات النفس". والمعروف أنَّ هذه الأخيرة هي إحدى الأطروحات المركزية التي تشكِّل أساس فلسفة نيتشه، والتي تمنح الكائن كينونته الخُلُقية من حيث كونها القبول الأعلى للحياة وللكائن.

المفارقة أنَّ قراءة هايدغر لنيتشه بوصفه فيلسوفاً ميتافيزيقياً ظلَّت في حجرة ضيِّقة بينما سادت القراءة التقليدية التي اختزلت الفيلسوف بوصفه ـ وحسب ـ عدواً للأخلاق والدين.

ـ مذهب العقلانية المنفتحة: مع الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (1902 ـ 1994) الذي احتلَّ موقعاً مميزاً في ثقافة القرن العشرين ويعدّ واحداً من أبرز فلاسفة العقلانية المنفتحة وفلسفة العلوم، ستنتقل العقلانية الغربية إلى طور جديد كل الجدّة. وسيكون للأخلاق معنىً آخر خارج الدائرة المثالية للأفلاطونية المحدثة وكذلك خارج دائرة الديالكتيك الهيغلي. يتخذ بوبر من المجتمعات القائمة في الغرب الأوروبي والأميركي نموذجاً لمفهوم المجتمع المنفتح جاعلاً من الديمقراطية الليبرالية المثال الأعلى للنظم الاجتماعية. وبذلك يكون الوسط العلمي ما يُرجع إليه كونه نموذج النقاش العقلاني القابل لكل النظريات والاقتراحات شرط أن يتم مناقشتها وتقييمها حسب المعايير الموضوعية للمنهج العلمي(...) كذلك يرى بوبر في حرية التعبير وتنوع الأفكار والاتجاهات في الديمقراطية الليبرالية شبهاً لعملية الجدال النقدي بين التفسيرات والفرضيات المختلفة في الفيزياء. وتجري عملية تحقيق الأصلح والأفضل في المجتمع بطريقة شبيهة بتلك التي يجري فيها التقرُّب في الحقيقة في العلم. فكما إننا لا نملك ـ حسب بوبر ـ أي وسيلة مباشرة للإقتراب من الحقيقة العلمية، حيث يتم ذلك عن طريق كشف الخطأ ودحضه في التجارب، كذلك لا يملك المجتمع من وسيلة لتحسين حياة أفراده إلاَّ بواسطة تخفيف آلامهم وتسهيل الصعوبات التي تواجههم. وعنده إنَّ تحقيق السعادة ليس أمراً ممكناً، بل الممكن هو كشف مصادر الآلام والمآسي ومحاربتها قدر الإمكان إذ " بدلاً من طلب السعادة القصوى لأكبر عدد من الأفراد يتعيَّن علينا، بتواضع أكثر، أن نطلب للجميع أقل قدر ممكن من العذاب، وأن يُتحمَّل العذاب الذي لا يمكن تجنبُّه ـ كالمجاعة في حال نقصان المواد الغذائية ـ بالتساوي. وفي هذا شبه بالنظرة إلى المنهج العلمي التي عرضتها في " منطق الاكتشاف العلمي". إنَّ المسألة الأخلاقية تصبح أكثر جلاءً إذا ما وضعنا مطالبنا سلباً، أي إذا طلبنا القضاء على العذاب بدلاً من توفير السعادة".

عند هذه النقطة من تعيين بوبر للأخلاق الواقعية سوف تنطلق العقلانية النقدية إلى أبعد مدى لها. وستمارس نقداً صارماً للأفلاطونية مروراً بالكانطية والهيغلية والماركسية ساعية إلى تأسيس عقلانية عملية لا تكون فيها الأخلاق إلاَّ عضواً في منظومة مجتمعية ينتظمها العالم المفتوح على كل ما هو جدير بالبقاء والديمومة. يقول بوبر عن أفلاطون إنّه في تصوره للدولة لا يرى مكاناً للعدالة إلاَّ في مجتمع تراتبي صارم يحدد لكلِّ فرد موقعه الواضح في البنية الهرمية. فيكون الحفاظ على العدالة وبالتالي على السلم الاجتماعي قد تحقق بواسطة نظام حديدي قائم على الطاعة المطلقة، اختار أفلاطون الدولة التوتاليتارية الجذرية على حساب الروح الفردية والديمقراطية وهو الخيار الذي أودى بأستاذه الكبير سقراط إلى الموت.

بعد قرون فلسفية طويلة ستعود الأطروحة الأفلاطونية عبر هيغل، الذي وجد فيه بوبر تضحية متجددة بكيان الأفراد وخياراتهم الذاتية على مذبح الكليات التاريخية والحتمية الموضوعية. إذ ينطلق الفيلسوف الألماني من مبدأ المساواة بين ما هو عقلاني وبين ما هو قائم تاريخياً، وتصبح الأشكال المجتمعية تجليات ضرورية ذات نسب متفاوتة في النضج، لتحقيق العقل الكلي لدن ذاته. وتصبح آلام الأفراد وعذابات البشر الثمن الذي لا بد من دفعه لكي تحقِّق الفكرة المطلقة ذاتها عبر الصراعات المجتمعية والقومية، وهذا هو جوهر الديالكتيك الهيغلي(...). على هذا النحو لا يحجم بوبر عن ربط فلسفة الهوية الهيغلية بالملكية المطلقة لفريدريك وليام، حاكم بروسيا والمعارض لكل تقنين دستوري لسلطته: وخلف هذا الإدغام الظاهري ، تتربَّص مصالح الملكية المطلقة لفريدريك وليام. إنَّ فلسفة الهوية تفيد في تبرير النظام القائم. ونتيجتها هي وضعية أخلاقية وقانونية ، أي العقيدة القائلة بأنَّ ما هو قائم هو صالح، لأنه لا توجد معايير إلاَّ المعايير السائدة، إنَّها عقيدة "السلطة دائماً على حق"... إنَّ توتاليتارية هيغل الجذرية تعتمد على أفلاطون بقدر اعتمادها على فريدريك وليام الثالث، ملك بروسيا في الحقبة المهمة خلال الثورة الفرنسية وبعدها. ومضمونها أنَّ الدولة هي كل شيء والفرد لا شيء ؛ فهو مدين للدولة بكل شيء، في وجوده المادي كما الروحي. يكتب هيغل: " إنَّ الكلي موجود في الدولة. والدولة هي الفكرة الإلهية كما هي متحققة على الأرض... علينا إذن أن نعبد الدولة كتجل للإله على الأرض، وأن نعتبر أنَّه إذا كان فقه الطبيعة صعباً، فإنَّ فقه جوهر الدولة أكثر صعوبة بدرجة لا متناهية... إنَّ الدولة هي مسيرة الله في العالم... يجب فهم الدولة ككائن حي... والدولة الكاملة تتمتع، في جوهرها، بالوعي والفكر. الدولة تعي ما تريد ... الدولة متحققة ؛ والواقع المتحقق هو حتمي. ما هو متحقق هو حتمي أبداً... الدولة قائمة لذاتها... إنَّ الدولة هي الحياة الأخلاقية القائمة، المتحققة فعلاً". هذه المقاطع كافية لتبيان أفلاطونية هيغل وإصراره على المرجعية الأخلاقية المطلقة للدولة، وهو يضرب عرض الحائط بكل أخلاق فردية وكل ضمير شخصي".

تقوم مقولة المجتمع المنفتح البوبرية على رفض مفهوم التغيير الجذري كما فهمه أفلاطون وماركس، أي التغيير المطلق من الصفر حيث يعاد بناء المجتمع على أسس جديدة مختلفة كلياً عما سبق. إنَّ التقاليد والمؤسسات السائدة ذات قيمة حياتية براغماتية لأنَّه من دونها لا يستطيع الأفراد أن يقوموا بأدوارهم الاجتماعية المتوقعة منهم، وبالتالي ينهار صرح النشاط الإجتماعي كله. فمهما بلغت مساوئ النظام القائم فهو لا ينفك عن أن يكون نظاماً، تندرج الحياة الإجتماعية تحت لوائه منذ مئات السنين، وذلك على النقيض من الحلول الثورية الطوباوية التي تغامر بنشر الفوضى والدمار مستخدمة مفاهيم أخلاقية مجردة كالعدالة (أفلاطون) والمساواة (الماركسية).

سوف تمتد "البوبرية" إلى نسيج "العقل الأخلاقي الغربي" بظواهره وأحيازه الأوروبية والأميركية. وفي خلال المرحلة المعرفية الفلسفية التي وصفت بـ" ما بعد الحداثة" أو "الحداثة البَعْدية" سوف يتبيَّن لنا كم للتنظير البوبري من مفعولية ثقافية وأيديولوجية على صعيد ممارسة وتشكيل أنظمة القيم الجديدة في العقل الغربي. ولو نحن قسنا القضية الما بعد حداثية، وفق المعيار البوبري لمفهوم المجتمع المنفتح لوجدنا أنه يحوي عناصر نظرية وأخلاقية براغماتية تركّبت على نحو شد الصرامة. لذا فإنَّ تجربة بوبر في فقه الظاهرات الاجتماعية إنَّما تنطلق من موقف سياسي وأخلاقي واضح في دفاعه عن الديمقراطية الليبرالية واعتصامه ضمن دائرة القيم الفردية، ومع ذلك فهو بمجرد أن يمضي في مواجهة محيطات الواقع التاريخي حتى يعود إلى الاعتراف بالدور الحاسم للمؤسسة الاجتماعية الحاكمة، وتحديداً بدور وهمة الدولة في ضبط الروح العام للمجتمع المنفتح. وهو في ذلك ما يوحي بشيء من التناقض والتباين في موقفه الفلسفي. الأمر الذي سوف نقع على تمثُّلاته الجلية فيما بعد. أي في الكيفية التي اتبعها العقل الغربي، والعقل الأميركي على وجه الخصوص في ما يمكن وصفه بأخلاقيات الهيمنة.

 

ـ المذهب الحَفْري (الأركيولوجي): في مرحلة متأخرة من رحلة العقل الفلسفي الغربي سيكون لتأويل الأخلاق بعدٌ مختلف. علماً أنَّ عمليات التأويل التي سنأتي عليها بعد قليل لم تغادر مؤثِّرات ما سبقها. إحدى أبرز محطات هذه الرحلة كانت مع الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو.

ولعلَّ كتابه "تاريخ الجنسانية" المؤلَّف من ثلاثة أطوار، سيعدُّه النقَّاد ، الوعاء الذي يحوي في طيَّاته فلسفته الأخلاقية. والسؤال الذي نواجهه هنا هو التالي: أيّة أخلاق تلك التي تقرّب إليها فوكو في "تاريخ الجنسانية"؟

هناك مَن قدَّم الإجابة تبعاً لقراءته للقصد "الفوكوي" فوجد أولاً أنَّ الأخلاق ضمن هذا الحقل تريد أن تتجاوز كل الأدبيات الفلسفية التي تُطرح عادة تحت هذا العنوان. وأول ما يفعله فوكو هو تأكيد الفصل بين الأخلاق ( La Morale) وبين الإتيكا (L’éthique). وهذا الفصل يميِّز بين الأخلاق باعتبارها منظومة القيم والأوامر والنواهي التي تنتصب في مستوى الشخصية القمعية للمجتمع، وبين سلوك الأفراد الذي لا يمكن اعتباره مقدماً أنه مندمج في الأخلاق أو خارجي عنها. إذ يبقى السلوك هو أقرب إلى أصحابه ومنفذيه، من كل ما يمكن أن يضاف إليه قسراً أو طوعاً من الأوامر والنواهي. فالأركيولوجي لا يهمه منظومة الأخلاق من حيث هي مؤسسة اجتماعية أو دينية أو تاريخية، ولكنه يتوجه إلى سلوك الأفراد الفعلي تجاه ذواتهم أولاً. وهو ما يسميه فوكو بتقنيات ممارسة الذات، يجعلها تكون بالنسبة للخارج كثنية موجة في خضم العالم، كما يقول /دولوز/، بحيث تكون هي الداخل في الخارج، وهي الخارج في الداخل.

وسيبدو تأويل فوكو لافتاً لتلك " الممارسة الذاتية ، غذ سيظهر لنا أنَّ نظريته تلك ناتجة عن اختبار ومعاينة أكثر مما هي معرفة ذهنية مجرَّدة.

فحين سُئل فوكو من قبل شارحيه الأميركيين عن فلسفته، /دريفوس/ و/رابينوف/، ماذا سيكتب بعد الانتهاء من شرح تاريخ الجنسانية، أجاب الفيلسوف فوراً: سأهتم بذاتي.. وبالطبع فليس معنى ذلك أنَّ فوكو أجَّل الاهتمام بذاته إلى ما بعد الانتهاء من مشاريعه الفلسفية الكبرى، كما أجَّل الكتابة في إتيكا الذات. فلقد كان الانشغال الذاتي ـ بالذات هو عنوان الهمّ الفوكوي الفلسفي ، والفردي الخاص به في آن، منذ البداية. وهو منذ "تاريخ الجنون" و"مولد العيادة" وصولاً إلى "الكلمات والأشياء" و"المراقبة والمعاقبة" كان محور تفكيره هو التحفير العميق الشامل عمّا يقع على الذات من تقنيات الخارج الذي يمنع ولوج الذات كداخل إليه، وصولاً في النتيجة إلى اكتشاف النقلة المختلفة التي تشكلها الذات إزاء ذاتها، ليس بمعزل عن هذا الخارج نفسه، ولكن في صميمه، وفي طريقة اختراقه، وجعله يقبل كذلك بخارجيتها المختلفة وسط خضمه.

في مناقشته لحداثة التنوير التي جرت تحت السؤال نفسه الذي طرحه كانط " ما الأنوار؟" بعود فوكو ليمارس عملية أركيولوجية هي موجودة أصلاً في قلب الإشكال الكانطي. كما لو أنَّه يريد أن يعمِّـقه أو يؤوِّله على طريقته. وها هو يقول : يبدو لي أننا لم نعرف قبل اليوم فيلسوفاً مثل كانط في نصِّه هذا (المقصود نص كانط في "الأنوار") حيث ربط بإحكام ومن الداخل معنى تأليفه بالمعرفة، وجمع التفكير حول التاريخ بتحليل خصوصي للخطة الفريدة التي يكتب فيها وعنها: يبدو لي التفكير بالراهن ـ والكلام لفوكو ـ بوصفه اختلافاً في التاريخ وسبباً لمهمة فلسفية خصوصية، بمثابة العامل الجديد في هذا النص. وضمن هذا المنظور يرى فوكو أنَّه وجد نقطة انطلاق نحو ما يسميه موقف الحداثة. ويتساءل فوكو بالاستناد إلى نص كانط عمَّا إذا كان ممكناً تصور الحداثة على أنها موقف أكثر من كونها مرحلة من التاريخ(...) ويقول: إننا نتحدث غالباً عن الحداثة بوصفها سمة عهد، أو مجموعة من الصفات المميَّزة لعهد ما ونثبتها على هذه الصورة في روزنامة تكون فيها مسبوقة بما قبل الحداثة، شبه الساذجة أو البدائية، ومتبوعة بـ" ما بعد حداثة مريبة وملتبسة.. وأعرف إننا نتساءل عندها إذا كانت الحداثة تشكِّل تتمة "الأنوار" أو تطورها، أو أنها قطيعة أو انحراف بالنسبة إلى المبادئ الأساسية للقرن الثامن عشر.

غير أنَّ الاستفهام الأكثر مرارة لدى فوكو هو ذاك الذي لاحظناه في نهاية مقالته حين يصرِّح:" لا أعرف إذا كنّا سنصبح راشدين ذات يوم. أشياء عدّة في تجربتنا تؤكِّد لنا أن حدث "الأنوار" التاريخي لم يجعل منّا راشدين، وإننا لم نصبح كذلك بعد ؟!

هل نقدر أن نرى إلى مرارة الإستفهام الفوكوي هذا، على أنَّه ضرب من مقاربة أخلاقية لتهافت الحداثة الغربية بعد نحو ثلاثة قرون على "الأنوار" ؟

غالب الظن أنَّ المسألة بالنسبة إلى فوكو مضت في مسارها الحفري / المعرفي على نحو لا ينأى عن سؤال الأخلاق بوصفه سؤالاً فلسفياً بامتياز.