لنتوقف قليلاً

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
لنتوقف قليلاً... ننظف عقولنا، نهيئها، لنتوقف قليلاً لنحتفي بموت الموتى، أفكار ومسلّمات، هواء فاسد، برك آسنة... بموت المتأصل بحكم العادة والمألوف المترسخ بفعل الكسل، دون أن نناقشه.. دون معرفة الجدوى الحقيقية منه، وهل هو يلبي الطموح أم أن لدينا آفاقاً أرحب؟ دون ذلك كيف يمكننا أن نتحدث عن الجسد أو غيره من مفردات الحياة؟ كيف يحدث ذلك دون المساس بالثوابت والمفاهيم الاجتماعية التي اكتسبت صفة القداسة، لنحرر عقولنا ولننتهك المسكوت عنه. كل ما تشكل ويتشكل كان المناخ لتشكل العقل السائد الذي في أغلبه يحتاج للاحتفاء بموته، يحتاج إلى أن يعرى وأن يشار إليه لا كمقدس بل كحالة قابلة للإزاحة لإحلال منظومة جديدة أكثر تطوراً منها.

كيف يحدث هذا حين تكون شمس الفكر النقدي مطفأة، ويعج المشهد الثقافي بالمجاملة الزائفة التي لا تؤسس لثقافة أصيلة ذات خصوصية، والمليء بالخوف الأبله من أية محاولة لكسر السقف السائد أو الارتفاع به قليلاً.

إن لم نتعلم النقد وتربيه ذواتنا وعقولنا على الفكر النقدي فلن يكون من نصيبنا المساهمة في إنتاج المعرفة البشرية وسنبقى أمة مستهلكةً وسننجر إلى المزيد من الانغلاق والمزيد من ضيق الأفق.

حتى في التعاطي الأدبي مع موضوع إنساني كموضوع الجسد أجد أن غالبيتهم تعاملوا معه ليس كمعطى يحدد هويتنا بل حادوا عن ذلك وتعاملوا معه كشعار، وهذا ما يحدث في بعض المجموعات الشعرية الحديثة وبعض الروايات، تتردد هذه الكلمة (جسد) دون أن تصبح لهذه المفردة دلالة حقيقية كجزء من الرؤية العامة للنص ودون أن تضيف للجسد بعداً معرفياً أو دلالياً.

أما آن لنا أن نحتمل الضوء، أما آن لنا أن نفتضّ الأختام ونطلع على السر والكتمان، ونسلط كاشفنا الداخلي ونعبث قليلاً بالأراضي المسيّجة بالخوف من الحقيقة، وليصبح حتى صمتنا صمتَ المتسائل والمترّقب لا صمت المقهور.