الجسد يخرّب انتباه الذهن

العدد 1 - تموز 2005
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
وُضعت دراسات كثيرة عن آلية الإبداع، و إنتاج الفكرة الخلاقة، بغية فهم تلك العملية الراقية التي يقوم بها أناس محددون في ميادين مختلفة. تتصل بالعلم والأدب وكتابة الشعر، وفي بعض الأحيان أشار الدارسون والكتاب بإصبع الاتهام إلى الجسد عندما كانوا يحللون مشكلة التركيز التي يحاول الذهن القيام بها أثناء استيلاد الفكرة المبدعة التي ستبعث السعادة في أرجاء الجسد المشاكس.!!.

فقال البعض إن هناك نزوعاً عند الجسد لتخريب انتباه الذهن أثناء العمل، وكأن الجسد يغار من سيطرة الذهن المطلقة في تلك الحالة، فيحاول اختراع أي طارئ كي يبدّد حالة الانتباه الشديد التي يمارسها الذهن حول مسألة معينة، الأمر الذي يضطر الذهن لاتباع طقس أو تقليد معين بغية إلهاء الجسد من أجل الانصراف الهادئ إلى التركيز المحكم طوال الموضوع.

فحالات الغرابة والشذوذ التي تحكى عن الشعراء والكتاب، ليست إلاّ آليات وطقوس يخترعونها كي يركّزوا، عبر إلهاء الجسد بها ليس إلاّ وعلى ذلك يمكن أن نفهم لماذا كان الشاعر شيلر يحب رائحة التفاح المهترىء الموضوع تحت مقعده أي تحت أنفه تماماً. عندما كان ينظم الشعر. أو والتر دولامير الذي يدخن كثيراً عندما يكتب، في حين كان أودين يشرب أكواباً لا حصر لها من الشاي. يذكر ستيفن سبندر في إحدى مقالاته حول هذا الموضوع أن تلك الطقوس جزء من التركيز وليست سبباً من أسبابه. فالرغبة بالتدخين أثناء الكتابة تأتي من حاجة وليس من باعث، وذلك كي يقوم الكاتب بالتوجيه ضمن قناة محدودة ما يتسرب من انتاجه بعيداً عن كتابته وباتجاه اللهو الموجود دائماً في محيطه إذ قد يبدد تركيز الشاعر شخص يعبر الشارع صافراً أو صوت تكتكة الساعة.

والمسألة تتمحور هنا في السيطرة على رغبة الجسد في تخريب انتباه الذهن، عبر اختراع قناة واحدة يلهو عبرها الجسد وتبقى تحت السيطرة دائماً كرائحة التفاح المهترىء أو التدخين أو شرب أكواب الشاي.

إضافة إلى ذلك لاحظ البعض أنّ شدة النشاط الذهني والروحي تجعل المرء ينسى كلياً في اللحظة الحاضرة أنّ له جسداً فينتج عن ذلك اختلال في التوازن بين الجسم العقل ولهذا السبب يحتاج المرء لنوع من المرساة الخاصة تربطه بالعالم المادي تتمثل بتلك الطقوس والعادات المعروفة عند الكتاب والشعراء.

واستناداً إلى طبيعة التعامل مع نزوع الجسد لتشتيت التركيز، يمكننا أن نحلل طبيعة العملية الإبداعية عند الكثير من الكتاب حيث تختلف آلياتها حسب نوع التركيز المتبع عند الشخص، فبعض الشعراء ينظمون قصائدهم على مراحل متنقلين من مسودة إلى أخرى، في حين ينظم آخرون قصائدهم مباشرة ودفعة واحدة دون أن تحتاج إلى تنقيح هذا الأمر دعا للحديث عند نوعين من الابداع وهما النوع الموزارتي نسبة إلى موزارت والبيتهوفني نسبة إلى بيتهوفن، فموزارت كان يتخيل السمفونية ومشاهد أدائها ومنظر الموسيقيين ثم ينقلها بعد ذلك كاملة إلى الورق، أما بيتهوف فكان يضع ملاحظات في دفتر مسوداته تتراكم مع الأيام لتخرج السيمفونية لاحقاً بعد عمليات من التطوير والعمل، وعندما نظر الباحثون إلى دفتره ذاك استغربوا كيف كان يصنع من تلك الرموز الغريبة سيمفونيات رائعة.!.

في كل الحالات، لم تكن المسألة إلا أسلوباً في التعامل مع الجسد أو بالأحرى طبيعة التوازن التي تحكم العلاقة الجسد والذهن أثناء أداء العمل الإبداعي وبالتالي القبض على الفكرة السعيدة، وهو أسلوب يؤكد الكتاب دأبهم باستمرار على تطويره وتنميته مع تقدم الزمن تبعاً للتغيرات التي تطرأ على طبيعة الجسد وقدرة الذهن على التركيز.