الجسد ليس آلة ثانوية

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
تعلمنا العادات والممارسات الشرقية والتقنيات النفسية ـ الجسدية الحديثة أن الجسد ليس آليةً ثانويةً، وأنه علينا أن ندعه يعيش وجوده بملئه، ويعرف كيف يخفي أوامر العقل المفروضة عليه. لنصغِ إلى أحاسيسنا حقق الجسد عودة جديّة إلى الثقافة الغربية، بعد غياب ٍ طال فيه هجره. ويشهد على ذلك تطوّر المعالجات النفسية ـ الجسدية، وشغف الناس بالتقنيات الشرقية مثل الـتيه ـ شي والـ كي ـ غونغ أو الـ يوغا؛ لكن المفارقة تكمن في الإخراج الفني أو الإعلامي حيث نجد حضوراً للجسد قد ثَبت بشكل ٍ مثير ومبالغ فيه.

وبرأي المحلل النفسي سيرج تيسّيرون لا يمكن أن تكون الأجساد الموشومة، أو مفرطة الجنسوية، كما نراها في الشارع أو في الدعايات أو في الموضة، قد تحوَّلت إلى مجرد عملية تجارية، بل هي تنذِر بعودة الجسد بقوة إلى ثقافتنا بعد أن اُبعِدَ عنها لفترة طويلة. واليوم، ولأول مرة في الثقافة الغربية، باتوا ينظرون إلى عمل العقل على أنه امتداد للجسد.

هناك مشروع لإعادة تكيّفه وتقويّمه بغية قلب المفهوم التقليدي الذي ساد حتى الآن.

حيث كان قد وضعه التحليل النفسي جانباً، وأحَطَّه الطب التقليدي إلى مرتبة الآلة، وتم اعتباره أداة ينبغي صيانتها لتستجيب للنظم الاجتماعية والجمالية السائدة، لكن بمعالجة عنيفة وكأنه آلة ينبغي السيطرة عليها بعيداً عن باقي أجزاء الكائن. وفي سبيل ترويض هذا الجسد العاق أو ما سُمي بتلك المسوّدة التي ينبغي تصحيحها على حد تعبير دافيد لو بروتون الاختصاصي في علم الاجتماع، تم إخضاعه للحميات الغذائية لتجويعه، ولساعات من الرياضة المضنية.

هل الجسد عدّو ينبغي إخضاعه؟ برأي الاختصاصي الحركي ـ النفسي بيير دالارون أنه قد شاع في يومنا هذا مفهوم يجعلنا نعتقد أن الجسد هو آلة يمكننا ان نفعل بها ما نشاء، وأن نكيّفها على مزاجنا ما يؤدي إلى جسد ممزق جداً يستوجب منا أخذه إلى ورشة إصلاح لتغيير القطعة التالفة فيه.

فعندما نحاول تحجيمه إلى ما يأمر به رأسه ، نجعل منه جسداً غريباً عنا، وبذلك يصبح جسدنا غريماً نبحث عن طريقة لإخضاعه أو نسيانه، ولن يكون بأي حال من الأحوال حليفاً لنا.

ويشرح الاختصاصي بالمعالجة النفسية ـ الجسدية إيريك ديتريش موضحاً أن الجسد المدان والمروَّض أو المهمل يكون دوماً قد أسيئت معاملته لأنه لم يتم الإحساس به، فإذا لم نعشه من الداخل فلن نتمكن من تأمين العناية اللازمة له.

سيطرة العقل القاسية برأي بيير دالارون هناك تناغم قوي بين العقل والجسد. العقل يسيطر على الجسد عند معظم الأشخاص، الأمر الذي يمكن أن يُترجَم بضغوط، وآلام في البطن أو الظهر، وبسلوكيات غذائية كفقدان الشهية أو الجوع المرَضي.

ويقول متابعاً: أرى كثيراً من الناس يمشون إلى جانب جسدهم. إذ إنه من الهام جداً أن تسير الأمور في الاتجاه المعاكس أي أن يتكيّف العقل مع متطلبات الجسد.

وتوافقه في هذا الرأي أستاذة الرياضة كاترين بازان وهي بطلة عالمية سابقة، وتؤكد على سيطرة العقل على الجسد بما في ذلك قبول الألم: الناس متفوقون في مقدرتهم على التألم مع الابتسامة.

فالعالم قد صُنِعَ من أجل القوة، والإرادية، وتقدير الخصائص الفكرية أكثر منه لذكاء الحركة.

ففي ظل هذا النظام ليس عجباً ألا يشعر الإنسان بالارتياح في جسده رغم كل الجهود.

ماذا لو نظرنا بطريقة مختلفة في أمر هذا الجزء منا، فهو جزء هام كالعقل تماماً، هذا العقل الذي نعطيه الأولوية على الدوام؟

الإحساس، المنسيُّ الأعظم على الدوام المرحلة الأولى لاستعادة العلاقة مع الجسد هي أن نحترم وجوده كما هو وأن نصغي لما يريد أن يقوله لنا. برأي كاترين بازان كي نصغي لجسدنا ينبغي أن نهتم به، وأن نقيم اعتباراً لأسلوب تصرفه وأن نولي أهمية لراحته وهنائه. وأن يكون لدينا وعي دنيوي وعضوي، وهذا يتطلب وقتاً وعناية، لكن قلة من الناس مستعدون لتقديمهما من أجل جسدهم. وبرأي بيير دالارون ومن مشاهدته السريرية، أن كثيراً من الناس لا ينصتون لجسدهم؛ ويقول:

حتى الأطباء والجرّاحون من بين مرضاه هم صمّ تماماً بالنسبة إلى جسدانيتهم، على الرغم من معرفتهم القوية بالتشريح الجسدي ووظيفته وآليته.

أين تكمن الصعوبة في الإصغاء إلى الجسد إذاً؟ يبدو أن المنسيّ الأعظم هو الإحساس، الذي بوساطته يعبِّر الجسد عن نفسه، ويفهم، وأحياناً يشفى.

و الذي يعلمنا أهمية الإحساس هو التطوّر الجسدي ـ النفسي للطفل. لكن في سن الرشد، يتطفل العقل الفعّال على كل شيء؛ ويتابع بيير دالارون: أرى في عيادتي أناساً قد جرَّبوا كل الطرق، وطبَّقوا جميع النصائح، وقاموا بكل التمارين، لكن دون أن يشعروا بشيء.

أفضلية التمهّل الإحساس هو في مركز كل شيء. هذه المقاربة نجدها في العديد من المعالجات الجسدية أو في الطرق المعتمدة على الحركة. هي ممارسات تعود إلى تفضيل التمهل في الوقت الذي فيه يحسب كل فرد فينا وقته وحركاته؛ هذا البطء، الذي تراجع وجوده في برمجة حياتنا اليومية بشكلٍ قد تصبح الحياة فيه أمراً مرعباً والإصغاء إلى الجسد قد يصبح شأناً مثيراً للقلق بالنسبة إلى شريحة كبيرة من الناس.

ليس بالأمر السهل أن يجد الإنسان نفسه على الدوام في مواجهة مع جسده، إنه كمن يتصدى للفراغ. وأن يكون الإنسان حاضراً وجاهزاً مع نفسه، فهذا يعني تعرضه للإرهاق من التأثر والانفعال.

فالانفعال يصبح إذاً صلة الوصل بين الجسد والعقل، وهذا ما يجمعهما في السرّاء والضرّاء، ويمكن أن يُحبَس في الرأس وفي البطن، ويمكن أيضاً أن يحرّر الجسد والعقل إذا استطعنا موازنته وتسويته. عندما لا يكون الإنسان في جسده فهذا يعني أنه موجود في رأسه بشكلٍ مفرط.

وعندما نعقلن الجسد بطريقة شديدة، فإننا نتجاوز العناصر الأساسية المعيشة، وهذا يعني نكران استقلالية الجسد لأننا نفرض عليه إرادة العقل والسيطرة على كل شيء. كثير من الناس يخافون

من الانزلاق فيتمسكون بالأغصان، لكن هل نتمسك بالأغصان ...

بينما إذا حققنا قفزةً في الفراغ، وتركنا جسدنا يحدثنا عن انفعالاتنا العميقة، ربما قد يوحي لنا بوسيلة ممتازة كي نردّ له استقلاليته وحريته؟!...