مخرجٌ واحد

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
تناول العلاقة الجدلية بين الحياة والموت، ليس جديداً في المشهد الثقافي، العالمي قديمه وحديثه، سواء في الأدب أو في الفلسفة، ولكن عندما يتعلق الأمر بتناوله في الثقافة العربية، تحديداً في الخمسين عاماً الأخيرة، يصبح الأمر أكثر خصوصية وقرباً منّا لأنه أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، ولا أقصد بالتأكيد العلاقة بين الموت الطبيعي والحياة، وإنما التغييب القسري للجسد الإنساني.. ثمة ما هو مدهش في قدرة ذاكرةِ شعوبنا على احتمال تلك المجازر بحق الأجساد العزلاء، وأن تغدو إحدى خصائص ذاكرتنا الحديثة. في أحيان كثيرة ننتزع أنفسنا من هول الصدمة، لنتعامل مع الأجساد التي كانت قبل بضع لحظات تنبض بالحياة كقطع ديكور لمسرح ارتكبت فيه حفلة سمر لمخرج منتشٍ بجنون القتل.

هنا يحضرني ما كتبه (جان جينيه) عن مجازر صبرا وشاتيلا والتي من الصعب تصنيف ما كتب حيث كانت حالةً ما بين الكتابة التسجيلية والأدب، من وصف وومضات شعرية مروراً بالرسم بالكلمات، انتهاءا بالتجسيد، وتقديم ذلك بمشهد بصري في منتهى الغنى، وبلغةٍ حيةٍ موحية صادقة وصادمة في آنٍ معاً.

يقول: لا أحد، لا شيء، ولا أية تقنية للكلام تعبر عن مأساوية ما جرى، يغدو المكان مسرحاً يتوسد الشريان الواصل بين الحياة والموت، أجساداً مازال موتها طازجاً وحاراً، مئات الأجساد كانت تغطي المكان وبأشكال ووضعيات مختلفة.

أي انتهاك لخصوصية الجسد بعد الموت، أن ننتزع هذه الخصوصية نحتاج لأن نفقد جزءاً من خاصيتنا كبشر، لأن نتحول لآلات بلا عواطف.

هذه الأجساد القابلة للتحول، والتحلل، أن يتم التعامل معها بشكل مباشر دون وسيط، يختلف تماماً عن أن نعتادها في صورة، أو في شاشة تلفزيون، لأن كليهما لا يمكن أن يعبرهما الإنسان أو يطوف داخلهما، أما أن تنتقل من جدار إلى جدار داخل الأزقة والشوارع المكتظة بالأجساد والرائحة الطازجة للموت فأمر يفقأ العين وينهش العصب. الأرجل مقوسة، أو مدعمة، تدفع الحائط، والرؤوس متكئ بعضها على بعض، جثث مسودة.. في هذه الحال القتلة يعيدون صياغة

الجثة صياغة آنية ومؤقتة كخطوة على طريق زوالها النهائي.

هذا رجلٌ في الخمسين من عمره له أكليل من الشعر الأبيض، ضربة فأس قد فتحت جمجمته، جزء من النخاع المسود كان ملقى على الأرض إلى جانب الرأس، وكان مجموع الجسد مسجىّ فوق بقعة من دم أسود متخثر.

كانت رجلا الرجل الميت وساقاه عارية.

لا أكتب ذلك على اعتبار الأمر دعوة (كافكاويه) للتشاؤم بل لأن (جان جينيه) استطاع تصوير حفلة كهذه للموت لأجساد أجبرت على أن تساق إلى العدم بشكل قسري وبقرار من إرادة ضد إرادة الحياة.

ويتابع الرائي تساؤلاته ربما فوجئ هذا الرجل في الليل أو عند الفجر؟! هل كان بصدد الهرب.

الصورة أيضاً لا تلتقط الذباب ولا رائحة الموت البيضاء الكثيفة إنها لا تقول لنا القفزات التي يتحتم القيام بها عندما ننتقل من جثة إلى أخرى.

يبدو أن غياب الحياة في الجسد، يعادل الغياب الكلي للجسد أو بالأحرى يضاهي تقهقره المسترسل إلى الخلف، هذا إذا ما تأملناه، لكن إشارة منا نقوم بها في اتجاه الموتى، أن ننحني بالقرب منهم، أو أن نحرّك ذراعاً، أو أصبعاً من جثثهم، تجعلهم فجأةً حاضرين بقوة، ويكادون يكونون وديين.

ويبدو أن الأمر يختلف قليلاً عندما تكون الجثة لامرأة لاختلاف بالإحساس بها، ويغدو الحزن أكثر شفافية وإرهاقاً وأكثر صدمةً، قد يكون الأمر بحكم العادة، الرجال دائماً يقتلون يبتكرون الحرب والعنف ويقتلون، المرأة أقل مساهمة في إنتاج كهذا!

المرأة كانت مسنة في غالب الظن، لأن الشيب كان يمازج شعرها، كانت ممددةً على ظهرها، موضوعة أو قل متروكة هناك فوق حجر من الآجر، فوق قضبان حديدية معوجة، دون اهتمام براحة جثتها.

ويأتي الوصف مؤلماً وغريباً ومنفراً، لم يهمل تفصيلاً من تفاصيل الجسد الأنثوي، ليخلص إلى تغطيتها بقطع من القماش والكرتون ولم يغفل عن الأثر الطبيعي للتعفن تحت الشمس.

ويتساءل هل لك أن تخرج من (شاتيلا) دون أن تنتقل من جثة إلى أخرى؟!

في حفلات الجنون للفتك بالأجساد لا داعي للتوابيت، أما عن الأحياء فيتحدث: عن إبدال الوظائف للجسد، أو ازدواجيتها أحياناً، الأيدي للأحياء كان لها وظيفة مزدوجة، في النهار، تلتقط الأشياء وتلمسها، وفي الليل تُبصر، كانت انقطاعات الكهرباء، ترغم الناس على اتباع تربية العميان. ولا يفتأ عالمنا العربي عن أن يكون مسرحاً لمثل هذه الحفلات وكلما خمد وهج حفلة تطالعنا حفلة أخرى.. من المجازر الأولى لشعبنا في فلسطين وانتهاءً بالعراق مروراً بلبنان وفي كل تلك المجازر نرى خيطاً واحداً ينظمهن لأن المخرج واحد.