العدد الثامن-شباط2006

أصدقاء اليوم... أعداء الأمس

زيد قطريب
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
إذا كان التاريخ لا يسجل النيات، بل الأفعال فقط.. فلا شك في أننا قد تركنا خلفنا الكثير من الصفحات البيضاء الفارغة من أي أثر يذكر، إن كان على صعيد الحركة الاجتماعية أو السياسية وربما الثقافية أيضاً. في هذا الاطار، وبعيداً عن جلد الذات، فانه من المستغرب أن تبدو الاتجاهات العلمانية والعقائدية بمختلف أطيافها، واقفة على الحياد تجاه كل ما تشهده المنطقة من تطورات على الصعد المختلفة، وكأن التاريخ قد توقف عندها فلا هي قادرة على تجديد خطابها القديم أو ترميم مؤسساتها المتهالكة كذلك لتجربتها فإنها عاجزة أو رافضة القيام بأي مراجعة نقدية،خلال السنوات الماضية، برغم أنها سبق أن قادت مرحلة طويلة من العمل الوطني والفكري وقدمت نفسها كطليعة ونخب تقدم الحلول النهائية لكل الازمات المريرة التي تعصف بالواقع السياسي والاجتماعي. ورغم أن جميع المفكرين والقادة السياسيين متفقون على أننا مأزومون أبناء مأزومين، إلا أنهم لم يقدروا حتى الان القيام بأي مبادرة حقيقية تعطي انطباعاً عن توجه جدي يعيد الحياة الى المؤسسات الفكرية والحزبية والاجتماعية التي تكلست بفعل خروجها الطوعي من التاريخ.
New Page 1

يتحدث الكثيرون عن اصطفافات جديدة ومختلفة عما ألفناه خلال العقود السابقة خصوصا في خمسينيات القرن الماضي، فأعداء الأمس سيتحولون الى أصدقاء مقرّبين جداً في ظل تنامي الاتجاهات الدينية التي يؤكد الواقع سيطرتها على نسبة كبيرة من التأييد الشعبي والجماهيري،
هذا الامر الذي ساهم في تكريسه وقوف أصحاب العقائد والايديولوجيات خارج الفعل الحقيقي المؤثر، وبناء على ذلك فانه من المحتمل أن نشهد في المرحلة القادمة حلفاً يضم الاتجاهات القومية واليسارية بمختلف أطيافها، بغية تشكيل قوة مكافئة تستطيع أن تشكل وزنا حقيقياً في العملية الانتخابية والحراك السياسي بشكل عام..
وعلى الرغم من التناقضات الكبيرة التي تعصف بالاتجاهات الفكرية والعقائدية، فإن المحللين يتوقعون أن يتم تجاوز كل ذلك بفعل الخطر الداهم الذي يهدد بموت الكثير من الاحزاب وغيابها شبه النهائي عن الساحة بفعل عدم قدرتها على مواكبة التطورات المتلاحقة، وهي مسألة لن تتم بالسهولة المرجوة اذا لم تجر تلك الاتجاهات مراجعة نقدية شاملة لتجاربها الماضية وكل مواقفها تجاه بعضها وتجاه الاخرين..
المطلوب الان من العقلانيين والمعتدلين أن يقوموا بعملية إصلاح شاملة داخل مؤسساتهم، تحد من التشرذمات والانقسامات التي تأكل بنيانهم التنظيمي، وإحياء عملية ديموقراطية حقيقية داخل تلك
المؤسسات تتكفل بصعود الدماء الجديدة الى المراكز القيادية المتقدمة فيها، فلم يعد ممكنا الان الحديث عن أية إنجازات في ظل تحول رؤساء الاحزاب الى قادة تاريخيين لا يتركون مناصبهم إلا بالموت المفاجىء أو الانشقاق القسري، فمن غير الممكن أن نتحدث عن الديموقراطية ونحن ديكتاتوريون داخل مؤسساتنا الصغيرة أو حتى في منازلنا..؟
الانجازات المطلوبة من العلمانيين كبيرة ومتشعبة، وربما تفوق قدرتهم التنظيمية على اتخاذ القرارات الصعبة، لأن أي عملية من هذا النوع كفيلة بتغيير معالم تلك التيارات بشكل جذري، إن كان على صعيد إنتاج القيادات الجديدة أو المقولات النظرية التي سبق أن قدمتها تلك التيارات على أنها حقائق مقدسة.
السؤال الان: هل يستطيع العلمانيون تغيير معالم المشهد المستقر منذ أمد طويل؟ أم أن التطورات ستبقى مفتوحةً على كل الاحتمالات؟.