العدد الثامن-شباط2006

الثعلب والمقنّع والملكحكاية في نسختين

نزار سلّوم
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
نسخة بيدبا: [استفاق بيدبا الفيلسوف، بعد أن أيقظه دبشليم بإلحاح، إذ مضت ألف من الأعوام على حِكَم كليلة ودمنة، دون أن يحتاج الناس إلى غيرها، وإذ وجد حيواناته الحكيمة وقد هُرعت مذعورة تحاول الخروج من حكاياتها إزاء، تسلل بشرّي متنكّر بجلد ثعلب إلى عالمها، عمد بيدبا الفيلسوف إلى تركه مطمئناً في تنكّره، حيث الحكمة لابدّ ستغلق عليه باب الحكاية ليبقى حبيسها: إنسان متنكر بجلد ثعلب، لكن بيدبا لم يعد إلى النوم بعد فأبواب الحكايات مفتوح عن آخره.. ولن يغلق أبداً].

 

ـ 1 ـ

يُحكى أن الذئب الأكبر قد اتكأ في مجلسه الأبيض قلقاً، والحيرة في عينيه، ويكاد اليأس يقضي عليه، فرحلاته الكثيرة في بلاد الله الواسعة، أصبحت مضنية ومتعبة له وأعوانه، وضحاياه المأكولة لحماً والمرمية عظماً لا تموت، بل تبدو العظام مسكونة بـروح غريبة لا تُرى ولا تُحس، ولا تُأكل. وإذ أعياه التفكير في هذه الروح، أشار عليه جلاّسه (مستشاروه): عليك يا سيدي بـبلاد الشرق فهي بلاد الروح... وقبل أن يكمل الجلاّس رأيهم، سارع الذئب الأكبر قائلاً بمزيد من اليأس: جرّبت بغداد، فعلقت فيها، ولا أستطيع الخروج، ولم أجد غير الدم والدمار فأين الروح؟ بل هي الروح نفسها التي تبحث عنها أجاب واحد من المستشارين، واستأنف قائلاً: ولكنها هائجة عاصفة، عليك بسدّ المنافذ عليها من بلاد الغرب حيث البحر، عليك بجبال لبنان حيث الريح، وبسهول سورية حيث ممرات الهواء. استكان الذئب وبدا ملهوفاً، إلى حديث جلاّسه، وقال لهم: جهزوا عربات النار، سارع كبير الجلاّس معترضاً لا، ليس ككل مرة يا سيدي!!.

ـ 2 ـ

وصل الثعلب الأبرص إلى شاطئ لبنان داخلاً من جرح السان جورج قاصداً بلاد الأرز حيث يرى سهول سورية، وعندما وضع رجليه على برّ بيروت أحاطت به جوقة من العازفين والملحنين والمنشدين والروائيين والقاصين والكتاب والمصورين والبهلوانيين واللاعبين يقودهم بعض المنجمّين الملونين السَحَرة معقوفي الأنوف..تأملّ الثعلب الأبرص مدهوشاً، في مستقبليه، ومن أحاط به وحكّ رأسه المربّع وتمتم: الله.. الله، بلى أنا في بلاد الشرق!!

ـ 3 ـ

أتعب كبير المنجمين نفسه، وهو يشرح للـثعلب الأبرص عن بوابةٍ للـريح في جبل لبنان توصله إلى سهول سورية بل سَحَره عندما قال: من هذه البوابة يمكن أن تمدّ يدك إلى بساتين الشام، حيث الغوطة وأشجار المشمش والخوخ والجوز واستطرد قائلاً جملة جعلت الثعلب يذوب تشوقاً ويسيل لعابه من بين فكيه كنهرٍ. وهناك الخراف.. خراف العويس الشهيرة التي ليس كطعمها طعمٌ في بلاد الغرب والشرق..ذُهل الثعلب الأبرص متمتماً بتأوه: خراف.. خراف.. آه.. بلى تلك كنوز الشرق!!
 

ـ 4 ـ

على مشارف البوابة، وقف الثعلب الأبرص ينظر عجباً إلى طريق وعرة غامضة وموحشة، وإذ رأه كبير المنجمين غارقاً في الحيرة، أوعز إلى جوقته حيث العازفين البهلوانيين بدأوا بصنوجهم ورقصاتهم، فيما هو يحضّر الأرواح في انتشاء مذعور.. فاستفاق الثعلب من نوم الحيرة وأمامه رجل مجلبب بـلحم غريب.. صاح الثعلب مدهوشاً: ما هذا؟! قهقه كبير المنجمين وهو يتلوى فوق رجليه الشعريتين، مصطنعاً التفكه: إنه رجل يلتحف بلسانه بل هو ملك يتوجه لسانه.. لسان يوصل إلى البستان، حيث الخراف، الخراف، ردد الثعلب كمن يتذكر شيئاً ملك ملتحف بلسانه، ملك لسانه تاجه.. قاطعه المنجّم مستعجلاً بلى.. بلى. وبإيماءة منه يرافقها صوت الصنوج فرَدَ الملك لسانه، فبدت الطريق ملساء حلساء لا وعورة فيها ولا غموض.لكز كبير المنجمين الثعلب الذي امتطى طريق اللسان وأشار عليه: الآن إلى الشام.

ـ 5 ـ

لم تكد تمضي أيام قليلة على الرحلة، حتى بدأ طريق اللسان بالتشقق، فبانت الحفر والمطّبات وعادت الصخور والأحجار فتكّسرت عجلات عربة الثعلب الذي اشتاظ غيظاً من المنجّم المحتال، محضّر الأرواح، نافخ النار وقبل أن يدور الثعلب الأبرص على نفسه عائداً، وصل المنجّم مع جوقته وهم يحيطون بـكيس من القنّب.. يمشي على رجلين خفيفتين رشيقتين لا تكاد العين تلمحهما وهما يتفاديان الحفر والشروخ والأحجار.. نظر الثعلب إلى رجليه الداميتين، ثم نظر إلى رجلي كيس القنب الناصعتي البياض.. وتفرّس في وجه المنجّم الضامر خلف عينيين متربّعتين فوق سرير الأنف الشمّام، مصعوقاً من الدهشة: من هذا.. ما هذا؟!.أجاب المنجّم بلهفة، وهو يأرجح عينيه على سريرهما يميناً ويساراً: إنه كيس الحقيقة.. الكيس الموصلة إلى كنوز الحقيقة وبيتها. اتكأ الثعلب إلى كتف الرجل المقّنع وعاود مسيرته على طريق اللسان..
 

ـ 6 ـ

وإذ انتهى الوقت الذي أعطاه له الذئب الأكبر جلس الثعلب الأبرص في محكى الأمم راوياً رحلته إلى بلاد لبنان والشام.. وفيما هو يستغرق متباهياً باكتشافاته وكشوفاته انزلق على طريق
اللسان، المقطوع بمقصلة قطعت رأس ماري أنطوانيت مرة، بعيداً عن بساتين الشام، فيما كيس القنب اقتلعته ريح الجبال بعيداً، ليبدو الرجل ـ المقنّع يحاول الخروج من حفرة المنجّم.. فيما تمسّكت الحقيقة بجرحها على شاطئ السان ـ جورج!

ـ 7 ـ

كشرّ الذئب الأكبر عن أنيابه يائساً، فالتوى الثعلب الأبرص على نفسه، وتيقن أن الجبال ليست مأوى الثعالب، فعاد إلى جحره.

ـ 8 ـ

أقفل بيدبا الفيلسوف الحكاية على الثعلب الأبرص، ولكنه لم يقفلها بعد على خواتيم الحكمة الأخيرة.الثعلب والمقنّع والملك النسخة الأصلية
خلاصة:
قبل أن يستقر الملك والثعلب والمقنّع في حكاية بيدبا الفيلسوف:كان الملك ـ الرجل الذي تاجهُ: لسانهُ نزيلاً في أحد السجون في باريس، في العام 2005، باسم محمد زهير الصديق.والمقنّع ـ الرجل الذي تجلبب بـكيس القنّب عاد إلى الشام، في العام 2005، محاولاً الخروج من حفرة المنجم ومعروف باسم هسام هسام.أما الثعلب الأبرص، فمع وصوله إلى مطار برلين، نزعت عنه الشرطة الألمانية جلده المموه وأعادته: ديتليف ميليس إلى جانب زوجته.فيما يبقى المنجمّون يحومون حول حفرة السان ـ جورج الدامية بذعرٍ وهلوسات، إذ تُوصد الحقيقة بابها في وجوههم بعتَبةٍ من كلماتها الموصلة إلى محرابها: كذب المنجمّون ولو صدقوا!