أنفلونزا الطيور الطائفية

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
لقد تعب لبنان وناء بكم جميعاً... بذلتم الغالي والنفيس ضده، وجاهدتم الجهاد المضاد حتى لا يبقى في لبنان حجر وبشر.رجاؤنا ألا تدّعوا أبوته، هذا الابن المعذب براء ممن يضع السكين على عنقه وحنجرته، ولا تدّعوا صلة قربى، فقد مزقتم بسعير خلافاتكم نسيج عقله وقلبه فأصبحت جراحه شاهدةً على آلامه ووجعه، وشهادةً على عمق الجراح القاتلة التي بها طوبتم لبنان شهيداً حياً على الدوام!... نسألكم على ماذا اختلفتم وتختلفون كل يوم؟نسألكم على ماذا لم تختلفوا بعد؟ونسألكم على ماذا ستختلفون غداً؟ ولا نريد جواباً، فقد عرفنا إجاباتكم جميعا والمكتوب يقرأ من عنوانه.

إنكم تريدون الفوضى والخراب والاستسلام للأجنبي، ولا نريد قناعة، فلقد اقتنعنا ببلاغتكم وفصاحتكم في التعبير عن هذا الحقد وهذا الاقتتال الهادف إلى خراب لبنان وتسليمه لمخططات أعدائه المعروفين .
نحن لسنا من هؤلاء الذين يحبون الحوار من أجل الحوار، ومن هؤلاء الذين يمارسون الخلافات للوصول إلى غايتهم المبيتة فلا نقف مع واحد ضد الآخر لأننا ضد الاقتتال الداخلي المغلف بالحقد والرياء والكذب، وسنبقى ضد هذه الأمراض حتى آخر الدهر لأن بها القضاء على لبنان فلا يحقق بها إلا المزيد من الخراب الداخلي وهجرة أبنائه إلى أصقاع الدنيا.
ذلك أننا في تعالينا على كل هذه الأكاذيب المضادة للحياة والتقدم والارتقاء وبذلك نبقى مع أهلنا أصحاء الطوية، وسليمي الذهن لا تأخذنا فكرة ولا يبعدنا خوف لمواجهة الحقيقة!وبهذا نجد أنفسنا منحازين إلى لبنان فقط هذا الـلبنان الباحث عن سلامه وحقيقته وحياته وسط هذا الموت وهذه الفوضى التي أدخلته في نفق سحيق لا منفذ بعده!...
نحن لا نكذب على أنفسنا لنقول إن اللبنانيين متفقون ولكننا نقول إن أسباب الخلاف البعيدة وعلاّته القريبة لا تستوجب قتل الناس وإحراق البلد على دفعات مأساوية وبلا نتيجة.
ثلاثة أمور أساسية اختلف عليها اللبنانيون كان يمكن أن تكون نقاط لقاء، لكن منذ الاستقلال جرى التعتيم على نقاط الالتقاء وإضاءة كل مناطق الخلاف فطغت طغمة من السياسيين البلهاء على اللبنانيين الطيبي القلوب وجيرت نقاط الخلاف إلى خنادق مصالحها الصغيرة، وطردت نقاط الاتفاق خارج برامجها المشبوهة!...
لنعد إلى نقاط الخلاف، فاللبنانيون مختلفون على انتمائهم الصافي أو الإضافي للبنان!ومختلفون حول طبيعة النظام اللبناني!ومختلفون على العلاقة التي يجب أن تقوم بين لبنان وأشقائه العرب، وخاصة سوريا، وهذا يستتبع حتما تحديد العلاقة مع إسرائيل.
هذه النقاط ليست جديدة وليست وحدها، ومن منكـم يقـرأ التاريـخ ـ تاريخ لبنان ـ يعرف أن هذه النقاط وغيرها كانت مدار خلاف وحوار ومناقشة حامية أحياناً، وهادئة أحياناً أخرى، ولكن لم تكن لتتمكن من هدم هذا الكيان اللبناني الذي ارتضيناه نطاقا للفكر الحر، ونوراً يشع على المنطقة العربية كلها.
ونسأل؟ هل اللبنانيون لبنانيون؟ وبمعنى آخر هل أصبح اللبنانيون لبنانيين؟؟
الجواب ليس سلباً، رغم ظواهر المشكلة والخلافات الحادة على الهوية، فاللبنانيون بلوروا عبر حياتهم المشتركة شخصيةً لبنانيةً منفتحة على عالمها لها مطامحها وطموحها، ولها مصالحها وغاياتها ولها إضافة إلى ذلك، تعلق طبيعي غير متشنج وغير مصطنع بلبنان، ولم تكن هذه الشخصية التي نمت وتكونت على نقيض من محيطها الطبيعي بل كانت استكمالا حقيقياً لمصالحها معه فحققت آنفا النتائج الاقتصادية وساهمت بنهضة هذا المحيط الذي ننتمي إليه حضارياً وثقافياً ولغوياً وحتى حياتياً وسياسياً!...نعم تمكن اللبنانيون أن يكونوا لبنانيين حضاريين ومنفتحين على محيطهم الطبيعي الذي هو المدى الحيوي لحاجاتهم وطموحاتهم! إلا أن جعير الفكر السياسي المريض نظر دائماً إلى اللبنانيين على أنهم قطعان طائفية، فهم لبنانيون موارنة، وهم لبنانيون سنّة، وهم لبنانيون شيعة، وهم لبنانيون دروز، وهم لبنانيون أرثوذكس.
أي أضافوا ما يقسّم إلى ما يوحّد، وفي أيام الأزمات وسنوات التوتر كهذه تغلّب ما يقسّم على ما يوحّد وكانت هذه الانفلونزا تتم تحت قيادة أهل الحل الطائفي، والربط المذهبي.كان اللبنانيون ينمون نمواً طبيعياً باتجاه وحدتهم وانفتاحهم على عالمهم الطبيعي فأضافوا إليه ما يقسمهم، انطلاقا من مصالح سياسية آنية ضيقة ومرتبطة بطبيعة أنفلونزا النظام الطائفـي المريض والشاذ عن الطبيعة دائماً!...
لذا، عندما تعارض انتماء اللبنانيين إلى لبنان الحقيقي مع انتمائهم إلى النظام الطائفي، تغلّب النظام الطائفي، وأصبح اللبنانيون وبكل أسف قطعاناً مقسمة بين ولاءات كل مَنْ يدعي أحقيته في لبنان.
هؤلاء يقولون إن لبنان لهم!...
نحن نقول إننا للبنان، والفارق كبير.. فمن كان ينظر إلى لبنان على أنه مزرعته، عاث فيها فساداً، ومن كان يقول نحن للبنان، بذل نفسه من أجل لبنان.
إن النظام اللبناني القائم على ذلك الميثاق المرحوم كان نطاقاً يحمل في طياته بذور الخلاف ولكنه كان يحمل بذور الحوار فنجد للبنان أن يضمن وجوده بالحوار الديمقراطي من أن يفنى بالاقتتال الطائفي الذي صنف اللبنانيين إلى لبنانيين أقحاح، ولبنانيين يحتاجون إلى براءة ذمة طائفية ليصبحوا لبنانيين.ونسأل: هل هذا النظام الذي كرّسه الطائف يحتاج إلى صياغة غير طائفية؟ ونكرر السؤال، هل يتم ذلك بهذا المناخ المريض الذي نعيش فيه والذي يعمّق الهوة بين اللبنانيين؟
إن هذا المناخ المريض جعل هذا النظام الطائفي البغيض لا بديل عنه إلا بنظام أكثر طائفيةً؟
فويل لهؤلاء الذين يحتضنون لبنان إلى درجة خنقه، والذين يقاتلون من أجل لبنان من أي جهة أتوا وإلى أي طائفة انتموا، فقد قتلوا نظاماً طائفياً ليستولدوا نظاماً طوائفياً أكثر سوءاً وخراباً!...
ونظراً لانقسام ولاء اللبنانيين الطائفي، انقسم لبنان الأرض، وتوزع بين أطراف إقليمية ودولية ما زاد حدة الخلاف.. وإذا عدنا إلى الموضوع الذي يحرج الكثير من اللبنانيين خصوصاً بعد هذه الأحداث الدامية والمرعبة وهو موضوع علاقة لبنان بمحيطه العربي وخاصة مع سوريا!...
لقد شاب هذه العلاقة الكثير من التوتر والانفعال وكثير من سوء الفهم وسوء التقدير وما زلنا نضع هذه العلاقة في إطار الفهم الصحيح.
إن لبنان دولة مستقلة، حرة وذات سيادة، هذا صحيح.ويريد أن يحافظ على استقلاله وهذا صحيح أيضاً، ولكن يجب إضافة أمر أساسي وهو استقلال لبنان ليس ضد سوريا، بل هو استقلال عنالإرادات الأجنبية والزيارات المتواصلة إلى باريس وغيرها من عواصم العالم أو على الوصاية أو الإلحاق، بل بإقامة علاقات متينة وواضحة عميقة أخوية جدية بين لبنان ومحيطه العربي.. بين لبنان والدول العربية كافة فضمانة استقلال لبنان هي في إقامة هذه العلاقة المتينة مع محيطه ومن دونها، يصبح استقلال لبنان عرضةً للتدخلات الأجنبية الهدامة!!.
إن لبنان متمسك بلبنانيته ويجب أن يكون كذلك، ومتمسك بسيادته ويجب أن يحترم قراره السيد المستقل، إلا أن لبنان ليس جزيرة نائية تقع في المحيط الأطلسي بل تشده روابط المصلحة ورابطة الحضارة ورابطة الانتماء التاريخي إلى هذا المحيط النامي، ودوره فيه دورٌ ريادي يجب ألا يتخلى عنه لا اليوم ولا غداً لأن هذا التخلي يعتبر انتحاراً؟؟...
ولن نصل إلى هذا الحل إلا بالحوار، فليبحث اللبنانيون قبل فوات الأوان مصير وطنهم لأنهم إذا خسروه، لن يبقى شيء مما اختلفوا عليه يستحق الذكر.