الجيل الثاني أقوى من الجيل الأول غير الفاعل في السياسة الأوروبية: رصد ميزانيات ضخمة لإجراء دراسات تعنى بمستقبل الجاليات المسلمة في الغرب

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
عدد المسلمين وحجمهم الحقيقي في سنة 2050 وما ستكون عليه الجاليات العربية والمسلمة في تفاصيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في دول الغرب كان في صلب اهتمامات مراكز الدراسات الاستراتيجية والاستشراق المستقبلي في الغرب. والذي دفع هذه المراكز لإجراء دراسات كهذه هو الأحداث الأمنية الأخيرة التي عرفتها بريطانيا والتي وقف وراءها أشخاص ولدوا في بريطانيا وتلقواتعليمهم في مدارسها وشبوا وترعرعوا ضمن قيمها الاجتماعية، إضافةً إلى ذلك هناك بعض المراكز الإسرائيلية المتخصصة في مجال الدراسات الاستخباراتية أرسلت أكثر من رسالة إلى عواصم القرار في الغرب مفادها أن الوجود الإسلامي خطر على أوروبا في المستقبل وخطرعلى الدولة العبرية نفسها.

ففي تقرير أعده مركز المعلومات الاستخباراتية والإرهاب الواقع في مدينة جليلون في فلسطين المحتلة كشف أن الجيل الحالي من الساسة الأوروبيين ما زال يتذكر أهوال الحرب العالمية الثانية ويعرف كيف قامت إسرائيل وعلى أي أساس، لذلك فهو يفهم تعقيد الصورة الفلسطينية ـ الإسرائيلية أكثر من فهم الرأي العام الأوروبي لها، ولا يزال هؤلاء الأوروبيون المتقدمون في العمر ملتزمين بأمن إسرائيل وشرعية الدولة اليهودية.

هذا الالتزام يضعف لدى جيل الشباب والذي يكتسب لنفسه مكانة سياسية وصوتاً سياسياً في أوروبا.

أضاف التقرير: قد نشهد بعد سنين قليلة أوروبا تختلف عن تلك التي اعتدنا عليها، أوروبا التي تنظر بعين لاعتبار إلى العنصر الإسلامي والعربي أكثر مما تعرف الآن، أوروبا التي يكثر فيها الساسة من أتباع محمد.

ومما زاد في شرعنة هذه المخاوف لدى صناع القرار في الغرب هو الدراسة التي نشرها المجلس الأوروبي حيث أكدت أن عدد سكان أوروبا سيتراجع وأن الشعب الأوروبي سيصبح شعباً مسناً بنسبة تتراوح بين 13 إلى 22 بالمئة بحلول عام 2050، كما أشارت الدراسة إلى تراجع مؤشر الخصوبة والذي سيفضي إلى تراجع عدد الأوروبيين بنسبة 564 مليون نسمة كما حذر خبراء المنظمة الأوروبية.

وفي تعليق على الدراسة قالت شارلوت هوت رئيسة اللجنة الأوروبية عن السكان: إن عدد الأوروبيين في تراجع وارتفاع عدد سكان القارة الأوروبية ناجم عن الهجرة من العالم الإسلامي ضمناً إلى أوروبا.

ليس بجديد إن الوجود الإسلامي في الغرب ليس وليد الهجرات الأخيرة التي انطلقت قبل 50 سنة من العالم الإسلامي إلى الغرب بل هو قديم يعود إلى وصول المسلمين إلى فرنسا سنة 716 ميلادية عندما فتحوا مدينة ناريون، ثم مدينة تولوز سنة 721 ميلادية ومدينة ليون سنة 726 ميلادية ومدينة بورد سنة 731 ميلادية، وإبان الاحتلال الفرنسي لأفريقيا الذي بدأ في القرن السادس عشر فقد استقدم جيش الاحتلال الفرنسي آلاف الأفارقة المسلمين للعمل في المناجم والمصانع الفرنسية تماماً كما استقدم القراصنة الأميركان آلاف الأفارقة المسلمين إلى أميركا لبيعهم لاحقاً في أسواق النخاسة والرق وكان الكثير منهم يجهر بإسلامه وكتب عن تجربة العبودية الجديدة في أميركا.

أما هجرة الهنود والباكستانيين المسلمين إلى بريطانيا فقد كانت متزامنة مع الاحتلال البريطاني لشبه القارة الهندية، وفي مرحلة الاحتلال البريطاني للهند تدفق عشرات الآلاف من الهند وباكستان وبعض دول آسيا إلى بريطانيا وهم يشكلون الرعيل الأول من المسلمين في المملكة المتحدة.

من هنا نجد أنه من الخطأ المنهجي ربط عدد المسلمين في أوروبا بتاريخ محدد والانطلاق منه لإجراء مسح ديموغرافي لعددهم الحقيقي أو الاكتفاء بسجلات دوائر الهجرة حول أعداد الحاصلين على اللجوء السياسي والإنساني من المسلمين.

وإن أول من أشار إلى عدد المسلمين في الغرب بأنهم يقدرون بـ 25 مليون مسلم كان الرئيس البوسني المسلم علي عزت بيغوفيتش، وتشير إحصاءات أخرى إلى أن عدد المسلمين في الغرب تجاوز الثلاثين مليون مسلم من مجموع سكان أوروبا البالغ 705 ملايين نسمة.

التقديرات المبدئية المتوفرة حول عدد المسلمين في الغرب قامت بها المؤسسات الإسلامية والمؤسسات غير الرسمية وأحياناً المؤسسات الكنسية والبحثية. كما أن لدوائر الأبحاث الاستخباراتية دراساتها الخاصة في هذا المجال غير أنها ليست للنشر كما هو معروف.

ففي فرنسا، يبلغ عدد المسلمين 6 ملايين مسلم الأمر الذي جعل الإسلام هو الديانة الرسمية الثانية بعد الكاثوليكية، وسبعون بالمئة منهم قدموا إلى فرنسا من المغرب العربي، وحسب دراسة للمجموعة الأوروبية صدرت في العاصمة البلجيكية بروكسل في سنة 2001 فإن المهاجرين يساهمون بنسبة 14.7 بالمئة من الناتج المحلي الفرنسي.

يشار إلى أن عدد سكان فرنسا يبلغ 57 مليون نسمة. في ألمانيا، إن عدد المسلمين قد تجاوز 3 ملايين نسمة ونصف المليون من أصل 80 مليون ألماني، وفي بريطانيا تجاوز عدد المسلمين فيها مليوناً و 700 ألف مسلم، في إيطاليا، تجاوز عدد المسلمين المليون وفي هولندا بلغ عددهم 900 ألف مسلم، وفي بلجيكا 600 ألف مسلم وفي السويد نصف مليون وفي سويسرا 400 ألف مسلم وفي إسبانيا 400 ألف مسلم والنمسا قرابة النصف مليون وفي اليونان 700 ألف مسلم وفي الدانمارك قرابة 200 ألف مسلم وفي فلندا 60 ألفاً بالإضافة لوجود مئات الآلاف من المسلمين في الدول الأوروبية التي انضمت أخيراً إلى الاتحاد الأوروبي.

والمسلمون في الغرب قسمان: مسلمون وافدون جراء الهجرات إلى الدول الأوروبية، ومسلمون أصلاء كشأن المسلمين في ألبانيا والبوسنة وكوسوفو ومقدونيا وكرواتيا وسلوفينيا وأوكرانيا وصربيا.

فالمسلمون هم أبناء البلاد الأصليون اعتنقوا الإسلام منذ قرون طويلة وقبل الوجود العثماني في بعض هذه الدول، والمسلمون الوافدون الذين قدموا إلى أوروبا قبل عشرات السنين أصبح أبناؤهم متأصلين في البلاد الغربية ولا يعرفون لهم بلاداً غير البلاد التي ولدوا فيها وتعلموا في مدارسها.

وقد كشفت هذه الأعداد الهائلة من المسلمين في مختلف الدول الأوروبية أن حركة الإنجاب بين المسلمين كبيرة للغاية، وحسب الخبراء الدارسين لهذه الظاهرة فإن ذلك يعود للتقاليد الإسلامية الحريصة على مفهوم العائلة الكبيرة المتضامنة، أو أن ذلك يعود إلى رغبة هذه العوائل المسلمة بالاستفادة من الامتيازات التي يوفرها الضمان الاجتماعي الأوروبي للعوائل الكبيرة من خلال ما يعرف بنقدية الأطفال.

وحسب هؤلاء الخبراء، فإن نسبة الإنجاب بين المسلمين تجعل الدوائر المتخصصة تحفز السكان الأصليين على الإنجاب والإكثار من النسل ليس حفاظاً على التوازن السكاني هذه المرة بل حفاظاً على التوازن العقائدي والحضاري والديني.

ويذهب الباحث السويدي في شؤون الإسلام يان سامويلسون في كتابه الشهير: الإسلام في السويد سيصبحون قوة فاعلة في المعادلة السويدية سنة 2020 ولا سيما إذا ترك الجيل الحالي نهائياً البطالة والمخدرات.

ولعل من الأسباب المباشرة التي جعلت الجيل الأول من العرب والمسلمين غير قادر على التأثير الفعلي في السياسة الأوروبية هو ضعف المستوى الثقافي للغالبية العظمى من هذه الشريحة، غير أن الجيل الثاني والثالث يتمتع بثقافة عالية ومستوى تعليمي جيد وإتقان كامل للغة الغربية والتحدث بها من دون لكنة وهو الأمر الذي جعل هذا الجيل مؤثراً ويغزو بإحكام المؤسسات البرلمانية والسياسية والحزبية والنقابية والأكاديمية والإعلامية.

هذه المعطيات وغيرها بدأت تقلق الدوائر الغربية لا سيما أن وأن كماً هائلاً من الدراسات التي أنجزها خبراء في مجال قراءة المستقبل وتحليل الثقافة الرقمية المبنية على الإحصاء والاستطلاع الموسع يؤكد أن المسلمين قد يصبحون نصف سكان القارة الأوروبية بعد خمسين سنة وبخاصة إذا استمر إنجابهم على الوتيرة التي هم عليها الآن. إضافة إلى المستوى التعليمي الكبير للأجيال المسلمة الجديدة وانتشار حركة

الأسلمة بين الغربيين أنفسهم حيث أصبح المواطن الغربي المسلم هو الذي ينقل الإسلام إلى بقية المواطنين الأوروبيين، بل إن بعضهم بات يعلن أنه صاحب الشرعية في تمثيل ونشر الإسلام في الغرب وهو الاختراق الخطير الذي رصدت له ميزانيات ضخمة وكلفت جهات بحثية وأمنية لدراسة أبعاد هذه الظاهرة ورصد منحنياتها، إذ إن اتساعها قد يفضي إلى تقوية الوجود الإسلامي في الغرب وجعله محصَّناً..