لان القوة لا ترسم دائما قواعد اللعبة : الشعب الفلسطيني يتحدى ويفرض لغته وقواعده

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
لم يأتي الصدى المدوي عالميا لفوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية فقط بسبب فوز حركة لا زالت تؤمن ب"تشدد" وتقاتل حتى الرمق الأخير لانتصار قضيتها واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني من محتل ترفض اسباغ أي تسمية اخرى عليه، بل لان هناك بقعة لا تشكل جغرافيا - وليس سياسيا -على خريطة العالم سوى نقطة صغيرة جدا حشر شعب بكامله فيها استطاعت في زمن ترتعد فيه الفرائص عالميا لمجرد تلميح أميركي بعدم رضى،أن تفرض خيارها وترسم مستقبلها كما تريد وليس كما تملي الولايات المتحدة التي فتحت كل قاموسها في التهديد والوعيد لمنع الشعب الفلسطيني من تسييد حماس ووضعها في مسار المتحكم القوي شعبيا لتعديل كفة الصراع التي جنحت جراء السياسات الأميركية بشكل هائل باتجاه "اسرائيل" وعدوانها ليس على الشعب الفلسطيني فقط بل على المنطقة كلها. الشعب الفلسطيني ارادها "نعم" كبيرة جدا لحماس و"لا" اكبر منها لأميركا و"اسرائيل" فصوت بأغلبية لاحياء أو بالأحرى لاعادة وجه المقاومة الحقيقي بعد أن خسر المراهنون على ورقة التفاوض وعلى الدور الأميركي الذي اثبت لاسيما في عهد ادارة الرئيس الأميركي جورج بوش أن لا أحد فوق "اسرائيل".

لم تكتف الولايات المتحدة ومن بعدها الاتحاد الأوربي بمجرد التهديد السياسي اذا فازت حماس بل تعدته الى التهديد بتجويع شعب بكامله، مع ذلك تحدى هذا الشعب الإرادة الأميركية الدولية وفرض ارادته.

ومع ذلك فان فوز حماس لا يعني أن قوتها لا سيما شعبيا نابعة فقط من رد فعل السياسات الإسرائيلية و الأميركية فحسب ،فقوتها نابعة أيضا من عناصر عديدة أهمها قواعدها الاجتماعية ومؤسساتها واستنادها في

بعض الحالات على بنى أهلية تقليدية وغيرها ناهيك عن نهجها الذي اتبعته منذ الانتفاضة الأولى "نهج المقاومة ".

واذا كانت حماس تشكل قوة رئيسية على الساحة الفلسطينية فقد ازدادت بفوزها نفوذا بفعل تحويل "اسرائيل" واميركا الانتخابات الى تحدي ارادات.

فاذا كان الناخب الفلسطيني يريد تصويت لحماس فكان يضيف تصويتا اخر ضد أميركا و"اسرائيل".

الرسالة الفلسطينية كان صداها مدويا في واشنطن وبقية العواصم الغربية حيث اضطرت بالاعتراف بفوز حماس وجميعهم ركزوا على السلاح فأجادوا الأساليب المبتكرة والمتنوعة للتذكير به فكان شرطهم للاعتراف بهذا الفوز نزع السلاح والتخلي عن الاعتراف ب"اسرائيل" وإلا سيشهر سيف العقوبات الاقتصادية

الموقف الأميركي - الإسرائيلي

والبداية من واشنطن، حيث أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش أن حركة المقاومة الإسلامية يجب أن تتخلى عن دعوتها الى تدمير "اسرائيل" فالولايات المتحدة لن تدعم حزبا سياسيا يريد تدمير حليفتها "اسرائيل" واذا كان برنامج حماس السياسي تدمير "اسرائيل" فهدا يعني أنها ليست شريكا في السلام.

بدورها كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية قالت: إن الشعب الفلسطيني صوت على ما يبدو للتغيير لكننا نعتقد أن تطلعاتهم للسلام والحياة الهادئة لم يطرا عليها أي تغيير.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية شون ماكورمان قال: إن للشعب الفلسطيني حاجات إنسانية وهو شعب فقير لكن سياستنا واضحة فالمساعدات المالية يجب أن تتماشى مع قوانين اميركا وسياساتها ومطالبها.

في "اسرائيل"،كان من الصعب إخفاء الشعور بالذهول والمرارة إزاء نجاح التجربة الانتخابية والفوز الساحق لحماس الذي يفتح الصراع السياسي الداخلي بين الأحزاب الإسرائيلية على أفق جديدة قبل الانتخابات العامة المقررة بعد شهرين،وكان الموقف المتخذ انه لن يكون هناك مفاوضات مع حكومة فلسطينية ترأسها حماس أو تشارك فيها علما بان العنوان الابرزوالاوحد للسياسة الإسرائيلية طوال السنوات الستة الماضية هو انه لم يكن هناك شريك فلسطيني للتفاوض.

الموقف الاوربي..

بدوره،دعا وزير الخارجية البريطاني جاك سترو حماس الى التخلي عن العنف والاعتراف ب"اسرائيل" وقال: إن المجتمع الدولي يرغب من حماس أن ترفض العنف بالشكل المناسب وتعترف بوجود "اسرائيل"واذا استطاعت أن تتحول الى حزب سياسي سلمي فإنها ستحصل إلى دعم المجتمع الدولي ،موضحا أن حماس تواجه الآن خيارا بين التحول الى حزب سياسي سلمي أو دعم الارهاب.

أما الاتحاد الأوربي وقبل أن يحدد في اجتماع لوزراء خارجيته في بروكسل موقفا تفصيليا واضحا من فوز حماس فانه لم يفته تسجيل موقف متقدم رغم حالة القلق والخوف التي عبرت عنها بعض العواصم الأوربية فالبيان الذي صدر عن بروكسل سار في اتجاه تبريد وتهدئة الانفعالات التي انطلقت في اكثر من اتجاه.

وقال بيان الاتحاد:انه يواصل دعمه لتنمية الاقتصاد الفلسطيني وإرساء دولة ديموقراطية لكنه ينتظر في الوقت نفسه من المجلس التشريعي الفلسطيني تشكيل حكومة ترغب في إنهاء العنف والتفاوض لإيجاد مخرج للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي .

من هنا فان أيا من الأطراف الدولية لم يخطر في باله مثلا ربط المساعدات أو العلاقات مع "اسرائيل" بمطلب من نوع الالتزام بإزالة الاحتلال أو الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية أو وقف بناء المستوطنات والجدار العنصري أو تنفيذ أحكام المحكمة الدولية أو حتى الالتزام بوعود تعاقدية جرى التوقيع عليها "إزالة بؤر استيطانية،إطلاق سجناء أو أسرى،وتخفيف الحواجز..الخ".

هذه الحملة التي شنتها "اسرائيل" تسبقها الولايات المتحدة معززة بسلبية دولية أوروبية ضد حماس إنما كانت تستهدف من جهة اجهاض انتصارها ومنعها من تشكيل الحكومة بذريعة انها منظمة إرهابية، ومن جهة ثانية،ممارسة ضغوط نفسية على الشعب الفلسطيني لدفعه الى الانتفاضة ضد حماس من خلال التهديد مرارا بتجويع هذا الشعب جراء قطع المساعدات عنه.

أولويات حماس ويأتي رد حماس بالتأكيد على أولويات الحركة تتركز في ثلاثة نقاط رئيسية هي إصلاح الواقع الفلسطيني وتغييره الى الأفضل وحماية المقاومة وحشد الجماهير حول ذلك ،وترتيب مؤسسة القرار الفلسطيني على اساس الشراكة وهي المجالس البلدية والمجلس التشريعي ومنظمة التحرير الفلسطيني.

وقال رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل: بأنه سيبدا مشاورات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس وفتح وجميع القوى الفلسطينية من اجل الوصول الى صيغة الشراكة الوطنية وتحمل مسؤولية المرحلة.

وشدد على أن الحركة ستتواصل مع محيطها العربي والإسلامي والدولي للتفاهم على طبيعة مواجهة تحديات المرحلة ،مشيرا الى انه اجرى اتصالات مع عدد من القادة العرب وقادة دول إسلامية،وانه سيجري اتصالا مع الأوروبيين للغرض ذاته.

وقال:إن حماس ستحمل هم الشعب الفلسطيني وطموحاته وتنقله للعالم بكل ثقة وامانة.

أخيرا، لا شك أن فوز حماس سيكون له تداعياته عربيا حيث سيضع اكثر من دولة عربية أمام مسؤوليات جديدة وخيارات صعبة وسيكون لزاما عليها أن تواجه حقيقة أن علاقتها بالقضية الفلسطينية لا تنفصل عن علاقاتها بالدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة المحكومة والمعنية أولا واخيرا ب"اسرائيل"فقط.