القوّة الأميركية غير قابلة للاستمرار والتخلّي عن الطموحات الإمبريالية أمر ضروري

العدد الثامن-شباط2006
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
إن قوة الولايات المتحدة، كما تراها في الوقت الحاضر أغلبية المؤسسات الأميركية، غير قابلة للاستمرار وتتطلب وضع القوة الأميركية على أرضية أكثر رسوخاً ووضعها على أرضية أكثر محدودية. وعلى الرغم من الدروس المستفادة من العراق، لا يزال صنّاع السياسة الأميركيون الديمقراطيون والجمهوريون والمدنيون والعسكريون يجدون التفكير في ذلك أمراً صعباً. إن الأسباب الأساسية الكامنة وراء أزمة الإمبراطورية الأميركية معروفة من التواريخ الإمبريالية الأخرى، فلم يعد بإمكان الإمبراطورية أن تجمع ما يكفي من الضرائب أو أن تجيّش ما تشاء من الجنود، وقد أصبحت تعاني من الديون بشكل متزايد، ولم يعد بالإمكان الاعتماد على الدول التابعة، وبالطريقة الكلاسيكية ذاتها، فإن عاملاً جوهرياً مما يحصل هو طمع النخبة الإمبريالية وانحلالها، ومثل كثير من أسلافها، فقد وضعت الطبقات الأميركية الثرية قبضتها على الدولة التي سمحت لها بالتهرب من دفع الضرائب، ولذلك بات من الضروري شراء الخضوع الجماعي بإجراء تخفيضات أكثر في الضرائب المفروضة على الطبقات المتوسطة.

والنتيجة هي أن الإمبراطورية لم يعد بإمكانها دفع المال لما يكفي من الجنود المحترفين الذين تحتاجهم لتحقيق مهماتها الإمبريالية الافتراضية، ولا يمكنها فرض التجنيد الإلزامي بسبب تجرد المجتمع من الصفة العسكرية وأيضاً لأن شباب النخبة لم يعودوا مستعدين لضرب نموذج للقيادة والتضحية بالتطوع للخدمة، والنتيجة هي أن الولايات المتحدة غير قادرة على شن حروب احتلال أخرى مثل تلك التي شنتها على العراق، ويمكنها أن تهزم الدول الأخرى في معركة بسهولة ولكنها لا تستطيع أن تحولها إلى دول حليفة مخلصة ومستقرة، لذلك باتت الحروب تعني ببساطة خلق مزيد من مناطق الفوضى والأرضيات المناسبة لتكاثر الإرهاب.

إن هذا الضعف الأميركي لا يؤثر في طموحات إدارة بوش فحسب، بل أيضاً في المواقف الجيوسياسية التي يتشارك بها الديمقراطيون كلهم، وتستحق إدارة بوش أن تنتقد بقسوة على توقيت حرب العراق وطريقتها، وربما يستنتج مؤرخو المستقبل أن استراتيجية الرئيس بيل كلنتون في التسعينيات كانت ستجعل من غزو العراق أمراً حتمياً آجلاً أم عاجلاً، وأن النتائج لن تكون أقل فظاعة نظراً لحقائق المجتمع العراقي، ولأجل تلك المسألة، هل يمكن الحفاظ على استراتيجية الولايات المتحدة الراهنة ضد إيران، التي يدعمها الحزبان بصورة دائمة من دون شن حرب؟ بالطبع، نظراً لطبيعة الشرق الأوسط، لا يحتمل أن أي قوة ترغب في ممارسة الهيمنة في المنطقة عليها أن تخوض الحرب في فترات منتظمة

للدفاع عن سلطتها أو عملائها المحليين.

إضافةً إلى ذلك، يعني الانحدار النسبي في استقلال أميركا الاقتصادي أن الحروب الخطيرة تتسبب في كارثة اقتصادية، على عكس ما حدث في 1917 و1941 وحتى نزاع أميركي ـ صيني محدود على تايوان سوف يكون له على الأرجح عواقب اقتصادية كارثية على كلا الطرفين.

ونظرياً، فإن الرد الأميركي، بسيط ويؤيده بعض كبار المفكرين الأميركيين المستقلين مثل البروفيسور ستيفن والت من جامعة هارفارد، وهو اللجوء إلى توازنات خارجية ترمي إلى تكوين ائتلافات إقليمية ضد المعتدين المحتملين، وإن أمكن خلق إجماع في الآراء لأجل دعم النظام والاستقرار. ولا يجب تجنب الوجود العسكري المباشر فحسب بل أيضاً الالتزام العسكري المباشر والتحالفات أينما أمكن.

وعندما يتتبع المرء ما يعنيه هذا الأمر على أرض الواقع في أجزاء عدّة من العالم، يصبح واضحاً كيف سيكون جزء كبير من هذا المنهج غير مقبول بالنسبة للنظام السياسي الأميركي بالكامل، وفي الاتحاد السوفييتي السابق قد يعني قبول شكل مؤهل من دائرة النفوذ، وفي آسيا قد يعني دعم اليابان والدول الأخرى ضد أي عدوان صيني، ولكن أيضاً تعطيل خطر المواجهة مع الصين وذلك بتشجيع إعادة توحد تايوان مع البلاد، وفي الشرق الأوسط، قد يحتاج الأمر إلى فصل الأهداف الأميركية عن الإسرائيلية والسعي إلى وفاق مع إيران على الرغم من أن ذلك مستحيل اليوم، فربما يثبت أن لا مفر من بعض هذه الخطوات على الأقل خلال جيل، فلا معنى لأن تحلم بالحفاظ على إمبراطورية أميركية طويلاً، والتي لن يدفع أو يحارب الأميركيون لأجلها، ولكن يخشى من حدوث هذه العملية عن طريق الهزائم الكارثية، بدلاً من أن تكون نتيجة لاستراتيجية مسالمة وجيدة التخطيط في المسار الذي لن تكون فيه القوة الأميركية العالمية مؤهلة وإنما مدمرة، مع عواقب كارثية محتملة على العالم.