العدد الثامن-شباط2006

العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في بلاد الشام خلال المرحلة العثمانية

إعداد: الدكتور نافذ الأحمر
الاحد 19 آذار (مارس) 2006.
 
العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في بلاد الشام خلال المرحلة العثمانية، كان عنوان المؤتمر الذي عقد خلال شهر آذار سنة 2004 من قبل المثلث: ـ مركز الدراسات المسيحي ـ الإسلامي التابع لمعهد التاريخ والآثار والتراث الإنطاكي في جامعة البلمند. ـ المعهد الفرنسي للشرق الأدنى. ـ معهد الدراسات المسيحية والإسلامية التابع لكلية العلوم الدينية في جامعة القديس يوسف. شارك في هذا المؤتمر عدد من الباحثين والمؤرخين من أصحاب الاختصاص في الدراسات العثمانية من لبنانيين وعرب وأجانب. قدمت المحاضرات باللغتين العربية والفرنسية. في تشرين الثاني 2005، صدر كتاب يضم أعمال المؤتمر.

المشاركون في المؤتمر:

ـ الدكتور فاروق حبلص من الجامعة اللبنانية. تكلم على المعطيات الوثائقية الدالة على حسن التعايش بين المسلمين والنصارى في ولاية طرابلس 1700 ـ 1840.

حمّل الدكتور فاروق المؤرخين والمفكرين قسطاً كبيراً من مسؤولية تفشي الحالة الطائفية. هذه الظاهرة الشاذة والغريبة عن مجتمعنا وتاريخنا، لأن عدداً كبيراً منهم عزا السبب في كل ما عجز عن تفسيره من مواقف سياسية وظواهر اجتماعية واقتصادية تفسيراً علمياً، إلى تناقضات دينية ومذهبية وطائفية. كما أنّ بعضهم الآخر ركّز عمداً على إبراز تاريخ بلدنا الحديث على أنه حافل بالأحداث الطائفية والتقاتل الطائفي. هذا المنطق اللامسؤول في كتابة التاريخ، لم يؤدِ إلى تشويه صورة الماضي وتقديمه للقارئ على أنه مجموع تاريخ الطوائف الدينية فحسب، بل كانت له انعكاسات سلبية ساعدت على  تفكيك مجتمعنا الحاضر.

هذا الاتجاه الذي ينطوي على الاستخفاف بعقول الناشئة، قابله اتجاه آخر أكثر جدّية وموضوعية، تجلى بفريق من الباحثين الذين اعتمدوا الوثائق في بحثهم عن تاريخ العلاقات المسيحية ـ الإسلامية في بلاد الشام في العصر الحديث. وقد خلص هؤلاء إلى القول بحسن العلاقات بين المسلمين والنصارى ونفي مقولة الطائفية عن تاريخنا  ي تلك العصور.

ـ الدكتور نافذ الأحمر، أستاذ في الجامعة الإسلامية في لبنان.

عنوانه بحثه: المشاركة السياسية للمسيحيين في ولاية طرابلس في القرن الثامن عشر (نموذج ناحيتي عكار والزاوية).

تضمن البحث تعريفاً بالعناصر البشرية التي تشكلت منها ولاية طرابلس والمذاهب الدينية التي تنتمي إليها، وهي المسيحية والإسلام وأقليات يهودية.

تدل سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس على توزع الوجود المسيحي والإسلامي في ناحيتي عكار والزاوية، دون أن يكون هناك مناطق مخصصة لكل طائفة على حدة. كان الناس يتجاورون في القرى، كما كانت هناك قرى مختلطية ويتجاورون في المسكن. وكان العيش المشترك أمراً طبيعياً وواقعاً لا تشويه فيه ولا تعقيدات ولا مخاوف أو خلفيات مسبقة. هذا ما حتمه المصير الواحد والأهداف المشتركة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الواحدة.

ولم تشر الوثائق الرسمية، ولا الوثائق الأخرى المعاصرة لتلك الفترة من القرن الثامن عشر إلى أية خلافات أو أحداث طائفية، ولا إلى صراعات على أسس دينية. وهذا ما يحتم انتفاء الاختلاف ويظهر التوحد في مجتمع زراعي واحد. فتاريخ ولاية طرابلس بشكل عام، وناحيتي عكار والزاوية بشكل خاص، لم يكن تاريخ مجتمعات تعيش الحالة الطائفية بمظاهرها المتباعدة والمتباينة أحياناً، بل كان تاريخ مجتمع واحد بجميع قناعاته وهمومه. هذا الأمر يدحض نظرية بعض الباحثين والمؤرخين الذين صوّروا تاريخ المناطق على أنه تاريخ الطوائف الدينية فيها.

لقد قامت شراكة حقيقية بين المسلمين والمسيحيين في ولاية طرابلس، وليس أدلّ على ذلك من انخراط المسيحيين الفعلي في العمل السياسي، كما في العمل الإداري، وفي الحركة الاقتصادية إلى جانب المسلمين.

باختصار، كانت الثقة متبادلة بين الطرفين. تجلى ذلك أيضاً في إشراك المسيحيين في تنظيم الإقطاع السائد آنذاك، والمتمثل بشكل خاص في أمور الالتزام والتعهد، وفي جباية الضرائب والرسوم، وتحمل المسؤولية في الحفاظ على الأمن، والسهر على تأمين نمط معيشي مستقر.

ـ الدكتور عبد الغني عماد، من الجامعة اللبنانية:

حاضر عن الحرف الطرابلسية وسوسيولوجيا العلاقة بين المسيحيين والمسلمين. ركّز في بحثه على التركيب البنيوي للأصناف الحرفية ومشايخ هذه الحرف الذين ينتمون إلى الطائفتين المسيحية والإسلامية، دونما تفرقة أو تمييز بين أصحاب هذه الحرف ومسؤولياتهم وأعمالهم. وقد برز ذلك على مستوى العلاقة مع الولاة في الأمور التجارية والمالية. وتدل الوثائق على عمق هذه العلاقة بين الوجهاء المسيحيين والولاة العثمانيين، وكل ما يتصل بحركة السوق والتجارة عبر مرفأ طرابلس.

على مستوى الحرف والسوق:

تشير الوثائق إلى أن الطوائف الحرفية، كانت تضم بالإجمال المسيحيين واليهود إلى جانب المسلمين بنسب متفاوتة. ويبدو من الوثائق أن مشاكل المسيحيين الأساسية، كانت مع اليهود وذلك يعود إلى أسباب أيديولوجية ودينية وقانونية، إذ أن قوانين متشابهة كانت تجمعهم تبعاً لنظام الملل المتعلق بغير المسلمين.

ـ الدكتور عبد الكريم سمعان رافق من دمشق،

وهو أستاذ في جامعة ويليام اندماري في الولايات المتحدة الأميركية. عنوان بحثه: التعايش بين الطوائف في بلاد الشام عبر سجلات المحاكم الشرعية ركّز على أن قدر هذه الأمة، منذ أقدم العصور، تعايش أبنائها ومساهمتهم معاً في بناء الحضارة الواحدة التي أسهم الجميع فيها، والتي صهرتهم جميعاً، عملاً بقول السيد المسيح لتلاميذه: في بيت أبي منازل كثيرة، هذا البيت الذي هو الوطن، الذي يستوعب الجميع.

ـ الدكتور حسّان حلاّق من الجامعة اللبنانية:

حاضر عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية بين المسلمين والمسيحيين في بيروت في القرن التاسع عشر عبر سجلات المحكمة الشرعية في بيروت، حيث كانت الحياة مشتركة. تجلى ذلك في عملية تأجير الأوقاف الإسلامية وبيع عقارات للمسلمين والمسيحيين في بيروت، وما يستتبع ذلك من نمط اجتماعي وحياتي يؤدي إلى العيش المشترك على أسس من التفاهم التام والاحترام المتبادل.

ـ الدكتور محمود حداد، أستاذ في جامعة البلمند:

تطرق في بحثه إلى القروض بين الطوائف في بيروت في القرن التاسع عشر من خلال سجلات المحاكم الشرعية في بيروت بين العامين 1843 و1888. وقد خلص إلى أن التأزم السياسي بين الطوائف المحلية في بيروت، لم يكن بالضرورة لينعكس في المجالات التجارية والاقتصادية والمالية، بل كان تعايشاً اجتماعياً واقتصادياً بين هذه الطوائف.

ـ الدكتور قاسم الصمد من الجامعة اللبنانية:

بحث في ألقاب المسلمين والمسيحيين ونعوتهم في سجلات محكمة طرابلس الشرعية، بين العامين 1800 و1850. توقف أولاً عند ظاهرة لافتة تمثلت بكثرة الألقاب والنعوت التي تسبق أسماء الشخصيات التي تذكر في تلك الوثائق، أو تليها، أو تحيط بها.  وثانياً التفرقة الواضحة في تمييزها بين العامة من الناس، مسلمين ومسيحيين، وبين أصحاب المناصب والرتب الدينية منها أو الاجتماعية أو الإدارية. ثم ثالثاً التمييز في منح تلك الألقاب والنعوت وإغداقها، لناحيتي الكثرة أو النوعية، بين المسلمين من جهة، والمسيحيين من جهة أخرى.

 

ـ الأب جورج مسّوح:

قام بتوثيق النزاعات والدعاوى بين المسلمين والمسيحيين في سجلات المحكمة الشرعية في طرابلس بين سنتي 1666 و 1793. وقد بلغت مئة وثيقة ووثيقة.

لفت نظره في هذه الوثائق الإشارة إلى المسيحي المحلّي بلفظ الذميّ في مقابل الكافر عند الحديث عن المسيحي الأجنبي. ما يعني أن المسيحي المحلي محمّي كونه ذمياً محضاً بنظرة المسلمين إلى أهل الكتاب.

ـ الدكتور خالد زيادة، من الجامعة اللبنانية:

بحث في التنوع السكاني والانتقال بين المحلات في طرابلس (1666 ـ 1686): لم يتبين له خلال بحثه تعرض المسيحيين لضغط أشد من المسلمين من جانب الإدارة العثمانية وعسكرها. وأن المعاملات وقضايا البيع والشراء

لا تنم عن استهداف فئة دون أخرى. ولم يكن المسيحيون منغلقين على أنفسهم، بالمقارنة مع اليهود، على الإطلاق. على عكس ذلك، فإن عمليات بيع الدور وشرائها بين المسلمين والمسيحيين هي أكثر من المعاملات بين المسيحيين أنفسهم.

كما أن حركة بيع الدور والبيوت وسائر العقارات بين المسلمين والمسيحيين، لا تدل على اتجاه المسيحيين نحو التمركز في مناطق محددة، بل كانوا يتوزعون في كل أنحاء المدينة. إلى جانب الأبحاث باللغة العربية، كانت هناك أبحاث موازية باللغة الفرنسية لكل من: الدكتورة سعاد أبو الروس سليم من جامعة البلمند. والشيخ محمد النقري من دار الإفتاء. والدكتور يوسف كرباج من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى. وليليان كفوري من الجامعة اليسوعية، والدكتورة كريستين بابكيان عساف من الجامعة اليسوعية أيضاً. والأستاذ أنطوان خير، والدكتورة بارعة ضاهر خير، وراندي دي غولهايم، ولورا خير الله، وستفن كنوست، وبريجيت مارينو، وجان كلود ديفيد، ومي ديفي، وفانيسا غوينو، وفلوريال سانا غيستن، وريما صبّاغ، واورور عضاضة. وجميعهم عالجوا مواضيع تتعلق بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في بلاد الشام في الحقبة العثمانية.