تحيا السينما... هل رأى وليد إخلاصي الملك عارياً؟

العدد الثامن-شباط2006
الثلاثاء 4 نيسان (أبريل) 2006.
 
لعل مهرجان دمشق السينمائي الرابع عشر، كان أنجح مهرجانات هذه السلسلة التي ابتدأت قبل 28 عاماً، ليس من حيث التنظيم فقط، وإنما من ناحية الفعالية أيضاً، وهذا هو المهم، فقد استطاع المهرجان تقديم أكثر من أربعمئة فيلم من فخر ما جادت به السينما التي تحيا، كما استطاع جمع لجنة تحكيم على مستوى رفيع من المكانة السينمائية العالمية، بالإضافة إلى الفعاليات الأخرى مثل الندوات المفتوحة وحفلي الافتتاح والاختتام، جاعلاً من دمشق بؤرة سينمائية خلابة وخلبية في آن معاً.. وعلى الرغم من الجهود المضنية لإنجاز مهرجان ناجح ومحترم، أو بالأحرى العمل على تحضير بيئة سينمائية يستفيد منها أصحاب الاختصاص، فإن الوضع السينمائي السوري لما يزل مخجلاً من ناحيتين: الاولى.. هي ما يصرّ أصحاب الاختصاص على تسميته السينما السورية.

والثانية.. هي حال العروض فصالة السينما في حالة سبات، أو في حالة تعاكس مع الوعد الذي قطعه للجمهور هؤلاء أصحاب الاختصاص، وأعني هنا المخرجين السوريين، المسؤولين باختيارهم هم أنفسهم عن كل شاردة وواردة في السينما التي يصنعون.

في المهرجان الأخير انكشف المستور وبدا الملك عارياً، فالفيلم السوري ليس بخير، وليس لديه حجة كي لا يكون بخير، هذا فحوى ما قاله الأستاذ وليد إخلاصي عضو لجنة تحكيم هذا المهرجان (جريدة بقعة ضوء العدد الثاني)، فقامت قيامة أصحاب الاختصاص عليه، لأنه لم يعترف لهم بالنجاح من جهة ومن جهة أخرى لا يقدر لهم سبب الفشل الذي يتذرعون به دوماً وهو قلة السيولة بالمقارنة مع أفلام هوليوود الكبرى، حيث يرددون دائماً لو كانت لنا إمكانات هوليوود أو إمكانات الأفلام الأوربية لصنعنا العجايب والهوايل وهو ادّعاء رد عليه المهرجان بقوة عبر فيلم من الأرجنتين حاز جائزته الكبرى باسم (سماء صغيرة) أو بفيلم جاء من اليابان تحت اسم (لا أحد يعرف) وهي أفلام تكلفت بما لا يقبل الشك أقل بكثير من تكلفة الأفلام السورية في حال حُسبت تكاليفها بدقة اقتصادية، ناهيك عن الأفلام التي توازي بتكلفتها الفيلم السوري.. لذلك تبدو مشكلة الفيلم السوري حسب ما يفهم من كلام الأستاذ إخلاصي هي مشكلة صناع هذا الفيلم وما يتميزون به من شحّ إبداعي يتجاوز ادّعاءات الشح المادي أو التقني، حيث يبدو التعامل مع الإمكانات المادية والتقنية تعاملاً متخلفاً على أقل تقدير، أي خروج الفيلم السوري من عصر السينما الذي

آلت إليه حالياً، ما يعني أن مشكلة الفيلم السوري تكمن في التناقض بين السينما كأداة تعبير حداثية (وليست حديثة) وبين آليات التفكير والإبداع والتنفيذ الراكدة أو المتوقفة عند حدود الشخص الفرد صاحب الاختصاص الذي وحتى يومنا هذا لم يلحظ الفرق بين أدوات التعبير الإبداعية من قصة ورواية ولوحة ومسرح وسينما الخ. والذي يتناهى التطابق بين الصانع والمصنوع إلى ما يشبه التطابق بين الشاعر الجاهلي وقصيدته، لذلك نسمع دوماً عن سينما خاصة أو خصوصية أو نوعية في الرد على رأي الأستاذ إخلاصي حيث تذهب السينما ذات الصانع الواحد إلى مدارك المشاهد الواحد الذي يتلمظ إبداعاته متهماً الآخرين أنهم لم يقدروا حجم الهم الذي يركبه في تأمين سينما لهذا الشعب المسكين الذي يجب أن يكون مهلِّلاً وشاكراً لهذه الإنجازات العظيمة!!!

لقد خجل الأستاذ إخلاصي من إنجازات سينمائيي بلده وهو عضو في لجنة تحكيم دولية عملها الأساسي المقارنة والمفاضلة بين الجيد والأجود وليس بين ما هو خارج هذا السؤال، حيث أنه من المؤكد وجود معايير وقياسات بالإضافة إلى خبرة التذوق والمشاهدة تحكم على جودة الأفلام، صحيح أن قرارات لجان التحكيم في العالم هي قرارات نسبية تحكمها مجموعة من العوامل إلا أن هناك مستوى سينما دائم الارتقاء والحراك لا يمكن النزول إلى ما تحته في اختيار الأفلام المجلّية لإحدى التظاهرات الموسمية، ومع خجل عضو لجنة التحكيم من هذه الأفلام بالمقارنة مع ما رأى و(شاف) يحق له لا أن يحتج فقط، بل عليه أن يتساءل عن الأسباب، وله كل الحق في تحليل ونقد هذه (الإبداعات) من النواحي التي يراها مناسبة، ولعل ردود الأفعال المتشنجة للبعض من أصحاب الاختصاص هي جزء من الفشل الرؤيوي الذي يعانون منه، بدلاً من مراجعة الذات كفرصة أتاحتها عينٌ خبيرة وحرة، رأت أن هذه النوعية الخصوصية من الأفلام لم تعد صالحة لا في الزمان ولا في المكان وهما العنصران اللذان لا يمكن تغييرهما إذاً يجب تغيير هؤلاء أصحاب الاختصاص ليس كأشخاص وإنما كبنية سينمائية عليها أن تتناغم مع العصر ومنجزاته، لأنه وفي المقام الأخير ومهما حاولنا التهرب، السينما شأن حداثي وعولمي (مؤخراً على الأقل) إما أن نكون داخله وإما خارجه دون زعل أو حرد من أحد. لقد رأى وليد إخلاصي السينما السورية على حقيقتها، وهو الذي

عاصر تصريحات وتهجّمات وتنظيرات وأحلام ووعود السينمائيين (الشباب) الذين حلموا بثورة سينمائية، ولكنها جاءت تقليديةً جداً حيث تشابهت إلى حد التطابق مع كل الأحلام والوعود الثورية الأخرى، لذلك أرجو من السينمائيين أصحاب الاختصاص ألا يزعلوا أو ينفعلوا، فهم ما هم عليه وربما كانت رؤية وليد إخلاصي لهم لطيفة ومهذبة إذ دعاهم إلى مشاهدة الأفلام والتعلّم منها، ولكن الحقيقة العارية تقول إنهم خارج السؤال.