الجنسية/د.نبيل طعمة

العدد الثامن-شباط2006
الخميس 6 نيسان (أبريل) 2006.
 
هذا التراب المتفّرد لوني وشكلي الصلصالي الفخاري المتكون من ذاك المزيج المتعدد الألوان ففيه من السهول والوديان والجبال وشواطئ البحر وعمق الصحاري والبوادي فيه من أشجاري و زنابقي وليموني وتفاحي فيه من كمأة الرعد وفطر الغابات بوتقة واحدة تمنحنا اسماً ولوناً وهوية يسجل فيها جنسيتنا. والجنس هو اتحاد أي اثنين توافقياً وبنتاجه إما أن يكون الحب مُوِلداً للحب وهو علاقة ترابطية ما بين اثنين في الجنس البشري ، والجنس أيضاً ينطبق على علاقة الفرد بالأرض وارتباطه بحبها وتعلقه بها والأرض هي كيانه المسيّج والذي يشكل دولته والتي تعطيه بدورها هويته المسجل بها جنسيته.

 فجنسيتي التي تعني انسيابي لشعبي وأمتي والتي بنت لي شخصيتي وأصالتي وحضوري تذكرني دائماً بثوابت أمتي وحضارة شعبي وخصوصية أرضي. والجنسية في القانون هوية خاصة لكل دولة وهي العلاقة القانونية يرتبط طرفاها بروابط قانونية كما تعتبر المعيار لتحديد صفة الأجنبي داخل كل دولة وما يترتب على هذه الصفة من آثار وهي الرابطة السياسية والقانونية والاجتماعية ما بين الفرد والدولة وهي صورة الأمة وشكلها ولونها تمنحه لأفرادها فيحملون صورتها في أعماقهم داليّن عليها من خلال الهوية المحمولة في أشكالهم وما يدّل عليهم وهي العلاقة السياسية الضرورية لربط رعايا الأمة بالدولة والجنسية تمنحها الدول لمن يحبها وتسحبها مِنْ مَنْ يخونها ويدنس قدسيتها.

فتبادل الجنسية ما بين الامم هو نادر اذا ما قيس بأعداد أفراد كل أمة تشكل دولة ، وله ظروفه فالبحث عن العمل حق لكل فرد وأينما وجد رزقه يصبح موطنه إذا التزم بقواعد وسلامة وحقوق الشعب الآخر وشرط أن يقبله كما أن حق العلم وتطويره وتبادله مع الشعوب والأمم الأخرى طبيعي وضروري وينطبق هذا على الحب والزواج وحمل الجذور ونقلها الى أماكن أخرى يجد القلب فيها راحة والعقل تفكراً أكبر واستقراراً أوسع دون أن ينسبه أصله ، كل هذا مسموح شريطة التزام الحقوق والقانون والأعراف ومعرفة ما يترتب عليه من واجبات والتزامات اتجاه هذه الأمة التي منحته جنسيتها.

 ولكن الغير مسموح أن تبني الأمة فرداً وتتعب عليه وتقدم ليصبح رجلاً ومهماً وصانعاً لقرار ومشاركاً على مدى عقود ليصبح كهلاً ويُكَوِّن وتَتَكوَّن له وحوله هالة من المجد وهو على حواف النهاية من العمر لينتقل الى أمة أخرى باحثاً عن راحته بائعاً لأمته وأسرارها هارباً من الحقيقة الى الخيال ، هل فكّر قبل أن يُقدم على هذا كيف سينظر له الشعب الآخر في الأمة الجديدة وأي أمه يلجأ لها وما تقييمه في هذه الأمة التي

استقبلته وهل سيذكر أمته التي بَنَتهُ وكيف أن أمته علمته الرماية فلما شتد ساعده رماها.

إن المواطن الثاني والأمة الثانية ومهما بلغت تبقى غريبة عن لوننا عن شكلنا عن هوائنا ومهما كانت جميلة

وجنَّة تبقى غربة والغريب غريب في الجنة والغريب يُسأل عن أجداده عن جذوره فسيحكي أنهم في موطني فهذا إحساس جميل فلنحمله حقاً وإذا انتقلنا إلى الآخر لنروي له عن جماله وعن حنانه وكم نحبه وكم يحبنا. ومن يحاول أن يخرج من جذوره سرعان ما تهوي به الريح في مكان سحيق. ولأنه سيتعلق بالقشور يغدو حينها هباءَ منثورا تذروه الريح ليصبح بعدها لا أثراَ ولا سجلاَ ولا هوية.

لنعتز بجنسيتنا جميعاً نحن العرب السوريون فهويتنا العربية وجنسيتنا السورية تنادينا وتناشدنا الاعتزاز بها وأن ننتصر لها ونقويها من خلال معرفة قوتها التي بنت التاريخ وقدّمت من خلال أمُّنا السورية الكبرى عشتار الحضارة والمجد وقدّمت العلم والمعرفة للبشرية جمعاء ، أيها السوريون جنسيتكم تناديكم تدعوكم للولاء لها وتناشدكم العمل على حمايتها وتدعوكم بالمحبة لِحُبِّ بعضكم والتعاضد والتكاتف لمواجهة كل الظروف والانتصار وستنتصرون.