فلسفة التكوين الفكري الإنساني.. محاضرة للدكتور نبيل طعمة

إلى أين نحن سائرون؟ وإلى أين يقودنا عقلنا الإنساني-العدد الثامن/شباط2006
الخميس 6 نيسان (أبريل) 2006.
 
طرح الدكتور نبيل طعمة مجموعة من التساؤلات والاستفسارات حول تاريخ نشأة الإنسان وفلسفة تكوينه وخاصة من الناحية الفكرية، فاتحا بذلك أبواب المقارنة الجدية بين الانسان الديني الذي بدأ مع آدم باعتباره نقطة البدء في الذاكرة والتاريخ مشكلا بذلك الماضي القريب للوجود الإنساني وبين الإنسان البعيد في الذاكرة والمُنشأ في الخيال العلمي والواصل إلينا عبر الاكتشافات والذي أصبح عمره بحدود ستة ملايين سنة، وقال د. طعمة: هل شكلنا الأخير والمستقر والذي نحن عليه الآن قد مر مخاضات عسيرة وتحولات وانقراضات وولادات هو نفسه القادم إلينا من عمق التاريخ وليس من عمق الذاكرة؟.

متساءلا عما إذا كانت التصنيفات العلمية للإنسان القديم والتي اكتشفت بين طبقات الأرض كهياكل عظمية أو بعض أجزاء مستحاثة منها هي حالات مر بها استكمال تطوره أم أنها نظريات وضعية دضحت وأنهت نفسها بنفسها من خلال متابعة الإنسان لأصله. جاء ذلك في محاضرة ألقاها الباحث الدكتور المهندس نبيل طعمة برعاية الدكتور محمد بشار المفتي محافظ دمشق وبالتعاون مع جمعية أصدقاء دمشق ومكتبة الأسد في السادس والعشرين من كانون الثاني الماضي بقاعة المحاضرات في مكتبة الأسد تحت عنوان (فلسفة التكوين الفكري /الإنسان).

بدأ الدكتور طعمة محاضرته بدحض المزاعم الكاذبة التي أرجعت أصل الإنسان إلى أصول حيوانية معتمدا في ذلك على العديد من الدراسات العلمية والنصوص الدينية والفلسفة المنطقية وقال: ولقد تم نفي وفضح أي محاولة إيديولوجية كاذبة كفضيحة إنسان بيليت داون التي لم تكن أكثر من جمجمة عادية أضيف عليها فك قرد وبقيت هذه الكذبة العلمية منطلية على ذقون الناس لمدة 41 عام إلى أن اكتشف العالم دونالت جوهانسون عام 1974 هيكل أنثى تمشي منتصبة عاشت قبل 3.2 مليون سنة بطول 120 سم وأخذ هذا الكشف اسم إنسان لوسي ولقد رأيت أنا شخصيا نسخة عنه في المتحف الطبيعي في باريس.

 وأضاف:نحن نؤمن بدراسة مادة التطور البيولوجي والتنوع الهائل العظيم في موادها كما نؤمن بقانون الحياة الذي يقوم على الزيادة من الخالق حيث يقول (يزيد في الخلق ما يشاء) وبناء الكون ماض ولم ينته بحيث يقول(ويخلق مالا تعلمون) ولكننا ضد النظريات المركبة وبث الفكر الخبيث من خلال نسب الإنسان إلى أصول حيوانية كالعالم داروين وممن ذكرناهم والذين حاربتهم الكنيسة في الغرب ولجان التدريس في الولايات المتحدة الأمريكية والتي كانت غايتهم تحويل صورة الإنسان الذي مسخ في التاريخ الديني إلى قرد (اليهود في الكتاب المكنون) سورة البقرة (فانقلبوا قردة خاسئين) والتي دحضت ورُفضت علميا وروحيا من كل علماء الأرض فالإنسان منذ خلقه صور من قبل الخالق في أحسن تقويم. وهذه الصورة التي خلقه عليها صورته.

عقب ذلك تطرق الدكتور طعمة إلى فلسفة الروح والجسد ووجود الإنسان المادي واللامادي باحثا في التراكيب اللغوية التي عرّفت الإنسان وعمق معانيها لينتهي إلى اسقاطات سياسية متسائلا بشكل غير مباشر عما إذا كانت الحروب وعمليات القتل هي صفة انسانية أم أنها صفة مازال يحتفظ بها أعداء السلام منذ عهود شريعة الغاب وقال: إرجاع الإنسان إلى معنى ظهوره بأنه هو النسيان بحيث عهد إليه فنسي أي أنه مشتق من النسيان ومعنى الإنسان الحقيقي هو الظهور، والنسيان هو إطالة الغياب بلا اتصال. فيكون ظاهرا في مبادئه وقيمه وأخلاقه وإيمانه فلا يستخفي ولا يتوارى. والأناسي جمع إنسان العين ويعبر بها عن اللطائف وخيارها والإنسان عند العلماء جنس. والمرأة كالرجل نوع فالأجناس إنسان وحيوان ونبات. والإنسانية هي موارد الحلول أيحلول الإجابات العميقة والصعبة فبالإنسانية تحل، والإنسان عبارة عن جوهر مجرد عن الحجمية والمقدار (أي أن بدنه يحمل إنسانية) وبمعنى آخر البدن يحمل الإنسان بالمادة والروح. والإنسان آدم من الأديم زائد الروح هو جمع إنسان أي أن آدم جمع إنسان والمعرفة والتميز هما صفتاه. والإنسان الواحد منه أنيس والأنيس هو اليسر من كل شيء والأنيس البشر والإنسان الأنملة وظل الإنسان ورأس الجبل والأرض لم تزرع والأنس الجماعة الكثيرة وأنسه ضد أوحشه واستأنس ذهبت وحشته، فالإنسان وحش بمفرده يتوحش يستفرس ويقاتل، هذه هي شريعة الغاب قبل أن يصل الإنسان لما عليه الآن (فمن هو الإنسان... !) وهل مازال لدى البعض هذه الشريعة ويمارسها على أخيه الإنسان.

كما تناولت المحاضرة السبب وراء تضاؤل الحجم البشري معللا ذلك بالنمو العقلي الهائل لدى الإنسان: زفهو يتفكر عموديا متطلعا إلى الأعلى وينتقل أفقيا فلو نظرنا إليه الآن لوجدنا التراجع في قوته البدنية بالطبع وهذا نتاج لتطوره الفكري الهائل وبعودتنا إلى الوراء عشرات السنين القريبة لوجدنا أن اعتماده الكبير كان على قوته البدنية فقتاله اليديوي وصناعته اليدوية واستخدامه للوسائط الطبيعية والتي تحتاج إلى القوة البدنية الكبيرة تحولت إلى قوة فكرية فأخذ حجمه يتضاءل. ثم أنهى د. طعمة محاضرته التي حضرها

عدد من المثقفين والباحثين والإعلاميين واصحاب الإختصاص بدعوة عامة للوحدة الإنسانية بعيدا عن عالم الخطيئة ودانيا من الحسن والجمال: لنتقدم معا لنحرك العقل ولنفتتح عصرا للعلم والنور والمعرفة غايتنا أن نحافظ على إنساننا القادم من أعماق التاريخ والذي أنجز وعبر الملايين الستة من عمره كل هذا التاريخ بحضاراته وعلومه وشخصياته فماذا سنترك لستة ملايين سنة القادمة وهل سيقوم انسان الملايين الستة القادمة من السنين بدراستنا كما نحاول أن ندرسه. أيها الإنسان كن في نفسك الجودة التي تتظاهر بها أمام الآخرين تصل.