أسئلة من أجل التطوير

العدد 2 - آب 2005 : منصور عازار
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
كان اكتشاف أميركا حدثاً عظيماً في تاريخ الإنسانية جمعاء وها انها الآن تمسك بخيوط اللعبة العالمية. من جهة أوروبا فإنها تعتمد على الجزيرة البريطانية وعرفتها في حيك المؤامرات وتفكيك الشعوب الأوروبية وتغيير دور السيطرة على القارة الأوروبية خصوصاً بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي وجعله تحت إمرتها ونفوذها وتحويله إلى مقاطعات تتناحر فيما بينها فتختار من مواردها تأمين حاجاتها الاقتصادية من معاش ومسكن وملبس إلى آخره، هؤلاء والأميركان هم اليوم رومان هذا العصر وعلى رأسهم هذا القيصر امبراطور الكرة الأرضية يتحكم بموارد الكون العلمية والتقنية والطبية والنظامية مما يجعلها الآمرة الناهية في شؤون مصير البشرية لا ينازعها منازع فهي تلقي حروباً بين الشعوب وتهيمن على الأدمغة الكبيرة وبيدها كل الاكتشافات العلمية الحديثة في الكون واستمراره منوط بإرادتها ولا نغالي إذا قلنا إن انتشار النفوذ الأميركاني في كل المؤسسات العالمية يجعلها مطية لمطامع هذه الدولة ومؤسساتها فالكون أصبح لعبة بين يديها فهل سيتمكن العقل الأميركاني من السيطرة على هذه اللعبة الخطيرة وهل ستتمكن الكرة الأرضية من تحمل التجارب الذرية والنووية وغيرها؟ وهل أن الأميركان، يمقدورهم التمكن من ضبط حركة التقدم العلمي في هذا الكون من أرض وفضاء؟!.

نحن نعتقد أن الإنسانية الآن هي على شفير خطر كبير قد يقضي على وجودها ويفجر الكرة الأرضية والسبب الواضح، هو هذا التفاوت بين التقدم العلمي وتطور المجتمعات الإنسانية والأنظمة.

هذا الصراع القائم بين التقدم العلمي والتخلف الأخلاقي يشكل اليوم مشكلة الإنسان على الأرض، هذه المشكلة التي رافقته منذ العصور القديمة. لقد حاول من خلال الأديان وغيرها من التفسيرات الفلسفية والاجتماعية تطوير المجتمعات البشرية لتصبح قادرة على استيعاب التطور العلمي والفلسفي ولكنه لم يفلح لأن الأديان فسرت الحياة أنها من صنع خالق واحد أوجد السماوات والأرض والبحار وهو المرجع في الوجود وفي ما وراء الوجود فما أن ينتهي الإنسان عمره في الشقاء والعذاب في وادي الدموع هذا حتى ينتقل إلى الله ـ الخالق ويكافأ على الأعمال التي قاربها على الأرض إما في السماء أو في جهنم حسب سيرة حياته فكان أن أصبح الإنسان وارث هذه التعاليم جيلاً بعد جيل منقسماً على ذاته يعمل هنا لينال هناك السعادة الأبدية أو العذاب الأبدي وفق سلوكه فدخلت الإنسانية منذ آلاف السنين في هذا الانفصام الخطير وكان هذا التفسير للوجود الإنساني هو الغالب على البشرية في ملياراتها السبع تقريباً فهل أدت الأديان السماوية قسطها في تحرير الإنسان وتأمين السعادة له؟

هل إن رسالة محمد وتعاليمه التي انتشرت على مليار مؤمن في هذا الكون، قد أدت بدورها الغرض الديني الذي من أجله ظهر النبي وحمل وعلم وقاتل المشركين وعبدة الأصنام واقتحم معابدهم وحطمها وأعلى كلمة الله الواحد الأحد الأبوي السرمدي؟ وماذا كان فعل الفلاسفة في تقدم شعوبهم فهل نيتشه مثلاً وغوتيه ووليم جيمس وبركسون وقبلهم روسو وفولتير ومتسكيو وهل أن كارل ماركس ومدرسته الاشتراكية والليبارية والرأسمالية وغيرها وغيرها من الأنظمة الدكتاتورية والديمقراطية قد أعطت كلها من محصلها الأخير الحل والسعادة للإنسان على الأرض ولماذا لم تنجح هذه على الرغم من كثرة اتباعها ومؤيديها والمؤمنين بها واللذين صارعوا وقاتلوا وماتوا من أجلها؟ هل فلسفة أرسطو وأفلاطون ومن بعدهم في عهود الرومان والعرب والعصور الحديثة عملت هذه كلها من تأمين السعادة والاطمئنان والسلام على الأرض؟

لست أجد هنا إلا المصارحة الكاملة من أن الإنسان قد فشل فشلاً ذريعاً في تأمين سعادته على الأرض!..

لماذا؟؟؟؟ الجواب على هذا السؤال الخطير يستدعي معرفة تكوين الحياة على الأرض هذه الحياة التي أثبت العلم والاكتشافات الحديثة أنها تعود إلى ملايين السنين وهذا ما أكده علماء كثيرون ومنهم علماء في استراليا اثبتوا مؤخراً على أن الخلية الأولى وجدوها في صخور عمرها يمتد إلى ما قبل وجود الحياة على الأرض، لا يهمنا أن نعرف كيف نشأت الحياة ومن أين بدأت لكن ما يعنينا هو معرفة وفهم وتفسير هذه الحياة ونموها على العصور حتى وصلت إلى يومنا هذا، الإنسان عبر تاريخه يفتش عن معنى وجوده عن معنى هذه الأيام التي يقضيها على الأرض ثم يأتيه الغياب؟ الموت المحتم فيكون منذ الأزل منهمكاً في تفسير هذه الظاهرة التي لا خيار له فيها، الموت والخلود أثقلا الإنسان منذ أن بدأ يعي وجوده ويركز في اتجاه معرفة الكون الماثل أمامه.

ومن سؤاله من أنا؟ من أين أتيت؟ وإلى أين أنا ذاهب؟ كانت الأجوبة استكشافاً للطبيعة ومظاهرها القوية فتخيل إليه أن القوى الفائقة والمتنوعة هي التي تتحكم في مصير الحياة؟ فتطلع إلى بالفضاء فوجد الشمس مظهراً يجهله فعبد الشمس وعبد الأقمار وعبد وخاف من جنون الطبيعة والهزات الأرضية والإعصارات القوية وحاول عبادتها والتعرف إلى قواها التي تفوق إدراكه، فكان الخوف هو العامل الأول في التفتيش عن إدراك الحقائق الماثلة أمامهم الخوف من الجوع؟ والمرض؟ ومن قوى المخلوقات المفترسة في الغابات فبدأ يفتش عن وسائل حماية نفسه وهو منذ البدء وجد جماعات متجمعة إلى بعضها بعضاً يجتمعون وراء رضى صفوفهم وامتلاك وسائل الدفاع المتوفرة في الطبيعة واللجوء إلى الحيلة: حيلة الهرب من الأخطار وحيلة التخفي في المغاور والأحراش ووراء الصخور: حالة الدفاع عن البقاء والصراع في سبيل البقاء كانت مسيطرة على حياتهم وأحوالهم وكم أن السنين والدهور قد مرت على حالتهم هذه؟ لست أدري! وهذا متروك بالطبع لأصحاب الاختصاص والعلماء والدارسين لنشوء الحياة على هذه الأرض؟ أما ما يعنينا نحن فإن الإنسان الذي هو من المخلوقات الحية والمتناسلة وعمر الفرد فيه له حدوده أما المجتمع الإنساني فينمو ويتطور بلا حدود من عمر أما التواصل بين الأجيال من ولادة إلى حضور فاعل في مجتمعه أو متحده إلى الفناء في الأرض التي أتى منها لا يؤثر مطلقاً في استمرار هذه المجتمعات ونموها وتطورها عبر ملايين السنين وعندما بدأ الإنسان يعقل ويفكر ويرتقي في مشاعره ووسائل عمله وامتلاكه القوى التغيرية لمجاري حياته بدأ بالوقت نفسه يفكر في تفسير وجوده وبقائه وخلوده وموته ومن هنا من عوامل الخوف والصراع في سبيل البقاء بدأت الاختراعات والمعارف. ولم يتمكن الإنسان من اكتشاف حقيقة وجوده على هذه الأرض حتى أصبحت لديه إمكانات كثيرة وهامة لتفسير الحياة والكون وما وراء الحياة فكانت فكرة المصير بعد الموت شغله الشاغل مما جعل من شعوب كثيرة كالمصريين مثلاً والسوريين من تخليد عظمائهم وهم على قيد الحياة فكان التحنيط للأجساد الميتة وكانت الشعائر المتنوعة من شعب إلى آخر يشمل حيزاً من اهتماماتم فيبني المدافن ويحضر الأمكنة اللائقة لاستقبال الإنسان بعد وفاته ودفن حلاه وجواهره معه لتساعده يوم القيامة، كانت ولم تزل أمور ما وراء الوجود تشغله أكثر من أمور وجوده فالوجود هو معبر مؤقت لما وراء الوجود. إذاً فالحياة الفانية لا تحرز أن يهتم بها الإنسان وما عليه إلا أن يكون جسر عبور لحياة الآخرة حيث الخلود من هذه المخاوف والهواجس.

نشأت الأديان السماوية وبدأ الصراع الرهيب بين الوجود الإنساني وحاجاته الكثيرة ومتطلباته المتنوعة وبين ما وراء الوجود من سعادة أبدية وفناء في الله الأبدي ـ الأزلي ـ السرمدي، فكانت فكرة الله تتطور في خياله ومعتقداته إلى أن أصبحت اليوم مدار بحوث ودراسات يتجاوز في مفاهيمها وحقائقها ما ورد في الكتب السماوية من توراة وإنجيل وقرآن، غلا أن الإنسان في هذا العصر الذي نحن فيه والذي ورث جميع الاكتشافات والاختراعات والمعارف الفلسفية والعلمية والتي هي حاصل الاجتهادات العلمية والعقلية والفلسفية والدينية على أنواعها هذه، لم يظل بعيداً عن معرفة حقيقة وجوده وتفسير حياته على الأرض وهذا الأمر يعنينا بالدرجة الأولى كشعب أعطى للإنسانية في ماضيها الكثير من تفسير حقيقي للوجود وللفعل في هذا الكون. وبهذا أصل فلسفة سعاده أو نظرته إلى الحياة والكون والفن وتفسيره للإنسان المجتمع، واعتباره المدرحية والتفاعل الموحد للقوى الإنسانية هي الحقائق الأخيرة لمعرفة الوجود وما ينطوي عليه من تفسيرات تعطي للحياة معناها الحقيقي وجوهرها الحي.

الإنسان المجتمع: المدرحية: التفاعل الموحد للقوى الإنسانية:

هذه العناوين الخطيرة التي وضعها سعاده لتفسير الوجود الإنساني: فهل نتمكن من الولوج إلى كشفها وإظهار مضامينها:

هذا ما سنحاوله وإن عاجزين عن إدراك كل مفاعيله، تاركين للأجيال بعدنا من تكميل الطريق فما نحن إلا دلالات على الطريق الخطيرة التي لم يتمكن سعاده من تعبيدها لكنه شقها وأوضح حدودها وما على الأجيال السورية المقبلة إلا الجرأة في ولوج هذا الموضع وتعبيد الطريق للأجيال الآتية بعده وللإنسانية جمعاء. باريس 15/آب/ 1999