العدد الثامن-شباط2006

تكريم هشام شرابي

الجمعة 7 نيسان (أبريل) 2006.
 
الدكتور هشام شرابي هذا المثقف الفلسطيني الكبير من يافا وعكا وبيروت لم ينقطع عن قضايا أمته والمساهمة في نهضتها.عاش حياة غنية مليئة بتجارب علمية وسياسية وثقافية تذكيها جمرة الثورة الدائمة في نفسه. ثورة تحكي قصة الأمة، قصة المجتمع الأبوي وثورته عليه. هاجر الى الولايات المتحدة للدراسة وكذلك لأسباب سياسية. يقول : "هجرتي قسرية كما عبّر عن هجرته انطون سعاده" ولا زالت. غادرت الوطن لكني فعلياً لم أهاجر لأني أبقيت جذوري مغروسة في أرضه، كلما أغمضت عيني يخيّل لي أني أتنشق عبير الورد في عكا وأشم رائحة الصعتر في سوق الغرب وعاليه أو أقطف عنب آخر الموسم في رام الله. وكلما لمحت شاطئ البحر في فيرجينيا يتحول كل ما يحيط بي: ماء البحر ورمال الشاطئ والأفق البعيد والهواء المشبع برائحة البحر الى صور وأحاسيس تذكرني بشاطئ يافا وعكا وبيروت فالواقع

الذي أعيشه هنا في أميركا ما زال عاجزاً عن امتلاكي، فحقائبي دائماً معدة أنتظر ساعة العودة. عاد الى جذوره، الى أرضه، الى وطنه حيث يسكن اليوم بيننا بهدوء وبسلام. لقد تفاعل بعمق مع الثقافة الأميركية دون الذوبان فيها كما فعل الكثيرون. يقول " الكتابة للمنفي مثلي هي الوطن الباقي" لذا أشعر بالغربة عندما أكتب بالإنكليزية. رغم عراكي مع الفصحى أشعر نحوها بحب عميق".

كان ملتزماً فعلياً بقضايا المجتمع العربي من موقع الانتماء القومي والنفسي، دائماً يشعر بخيبة الأمل، إذ كان يحلم ان يفهم الغرب، بسبب الحرية التي يتمتع بها، قضية فلسطين وقضايا العرب فصدمه الأمر الواقع.

قام مع نخبة من المفكرين العرب والأميركيين الليبراليين مثل حليم بركات وكلوفيس مقصود ومايكل هدسن وجون رودي وبيتر كرو وغيرهم بتأسيس مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة جورج تاون. توليت شخصياً رئاسة مجلسه لعشر سنوات، واكبت نشاط المركز ونشاط هشام وأحلامه في ان يجعل المركز الجسر الذي يتبادل عبره الغرب والعالم العربي الحضارة والثقافة والصداقة لعل ذلك يؤدي الى الفهم والعدالة والإنصاف لقضيانا . لا زال هذا المركز الوحيد في الولايات المتحدة يحمل هذه الرسالة القيمة.

وكان هشام يشعر بالإحباط كذلك وخاصة في نهاية حياته الناشطة وذلك لعدم تمكنه من العودة الى الوطن والتوصل الى موقع يستطيع من خلاله المساهمة الفعالة في قضاياه بشكل أو بآخر. التحق بالعمل الفلسطيني في بيروت فأصابه الإحباط كذلك إذ تبين له ان العمل يتطلب الانتماء الى إحدى الفصائل والولاء الشخصي لإحدى القيادات فيستنتج ان في المجتمع العربي المثقفون يريدون إيصال الحقيقة الى ذوي السلطة وهؤلاء يرفضونها فهم لا يريدون حقيقة المثقفين ولا لسفتهم بل ولاءهم الشخصي.

يقول : " كان خطأي الأكبر اعتقادي ان الثورة الشاملة قادمة لا محال وان إزالة الأنظمة العربية المهترئة سيحدث عاجلاً ام آجلاً وسيقوم مكانها النظام العقلاني الحديث. وبقيت على هذا الفكر الطوبائي الذي زرع انطون سعاده بذوره في نفسي حتى اكتشافي ان النظام الأبوي قادر، إذا لم يواجه مباشرة، على الوقوف بوجه كل ثورة وإحباطها.

كان يحيره موقف المثقفين العرب من الماركسية والاشتراكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة، اذ هللوا للماركسية والاشتراكية عندما كانت هذه هي الموضة الرائجة في الستينات والآن هم أنفسهم يهللون لنظام الديمقراطية الغربية والتعددية والدعوة للسوق الحرة وحقوق الإنسان، فيتساءل " ترى ما سيكون موقفهم عندما يكتشفون ان هذا النظام الجديد ليس سوى النظام الرأسمالي القديم وجشعه الاستعماري الذي ثاروا عليه لتغييره واستبداله بالنظام الإنساني العادل.

وفي هذا المجال يستعيد الماضي وشبابه فيقول اذكر في الاستعدادية ال I.C النشيد الذي كنا ننشده " نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد".

هذا الغد الذي صار امساً اكتشفنا كذبته فأين مجده المخلد.

عندما أصبح تقاعده على الأبواب راح يفكر فيما يفعله. هل أعود الى الوطن؟ أين وطني الآن؟

الضفة الغربية ادخلها بجواز سفر أميركي لستة أشهر فقط. ام لبنان حيث يسمح لي بالإقامة لمدة ثلاثة أشهر فقط. كنت أحلم بالتدريس في جامعة الكويت لكن حصولي على تأشيرة الى الكويت أصعب من حصولي على تأشيرة الى إسرائيل. بقي الأردن الأقرب الى مسقط رأسي وهو أشجاره وصعتره وخضاره امتداد لفلسطين وطبيعتها وارضها.

كتب له أدونيس رسالة يعبّر فيها عن الشباب والشيخوخة يجيبه هشام.

لا تخيفني الشيخوخة يا أدونيس، توقعتها كما أتوقع سفراً الى بلد بعيد لا أعرفه وان كنت أعرف عنه الكثير. ما يخيفني هو نهاية الصيف، نهاية حياة منفتحة على العالم. أقشعر عندما أرى نفسي وحيداً منغلقاً على نفسي ليس في حياتي الا صحتي والطبيب والدواء.

كان كلما اقترب من المرحلة الأخيرة من حياته يزداد تذكراً للماضي فيقول : عندما يتقلص المستقبل اذ نثبته على الشكل الذي أردناه طيلة حياتنا ويحقق لنا أهدافنا وأحلامنا، هكذا يبقى المستقبل الى ان تغيب شمس الحياة. وهكذا بقي هشام لا يتوقف عن التفكير بأمته، بقي على انشغاله وهواجسه حول الوطن والامة.

في عامه الأخير كان يصب اهتمامه في مؤسسة سعاده للثقافة ويطرح في كل مناسبة موضوع بلدة ضهور الشوير، بلدة انطون سعاده يريد ان يجعل منها بلدة نموذجية للجمال وللفكر والثقافة.

زرته في المستشفى في آخر يوم سألني كعادته عن الأخبار يقفز من موضوع لآخر كالعصافير من غصن الى غصن. يسأل أولاً عن فلسطين، عن لبنان ، عن العراق، عن سوريا، عن الأردن، عن العالم العربي. كان صوته خافتاً اذ تعطلت أوتار الصوت يسأل عن الأمة والدمع في عينيه قلق عليها حتى آخر رمق من حياته.

ودعنا قبل ان يصدر كتابه الأخير قال لي غسان تويني بحزن شديد " ليته انتظر وأخّر الرحيل ليرى كتابه الأخير".

هشام كل كتبه كتاباته ومحاضراته وتاريخه ونضاله الحافل بالعطاء تبقيه بيننا يتابع المسيرة معنا بلا كلل لتنشد الأجيال القادمة " نحن الشباب لنا الغد ومجده المخلد"، ولا يكتشفون كما اكتشفنا ان

هذا المجد بقي سراباً حتى الآن، ولكننا بإرادتنا نصّر على تحويله الى حقيقة ناصعة.