بيلاطس البنطي.. وحرّاس الحدود

العدد 2 - آب 2005 : نزار سلوّم
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
لم يكن ينقص هذه المعابر الحدودية بين سورية ولبنان سوى هذه الشاحنات والقاطرات العملاقة التي تتكدّس أرتالاً مترادفة في توضّع قتالي يُوقف القلب، ويقطع الأنفاس بعد الأرزاق.. بلى لم يكن ينقص هذه المعابر سوى هذه الشاحنات كي تقترب من ذروة وظيفتها وقمة أدائها، الذي تم التعبير عنه في ماضي الدول الكيانية منذ حصولها على استقلالها، ولأكثر من مرة، بالقطيعة أو المقاطعة أو الإغلاق التام.

وسواء كانت الأسباب: أمنية كما قال أكثر من مسؤول في دمشق، أو سياسية كما قال المسؤولون في بيروت، أو غيرها من الأسباب الأخرى المعلنة منها أو المستورة، فإن العبارة المشهورة تناسب هذه الحالة:

تعددت الأسباب والموتُ واحدٌ.

فإن كان الموت واحدُ على ضفتي المعابر فما معنى الأسباب واختلافها وعديدها وجدوى ذكرها!! سوى كونها استعارة لإبريق بيلاطس البنطي، الحاكم الروماني، الذي ترك اليهود يصلبون المسيح وهو يغسل يديه بماء الإبريق قائلاً: إني بريء من دم هذا الصدّيق.

ولكن براءة بيلاطس لم تنفع هذا الصدّيق بشيء، حيث تعذّب وتألّم أيما ألم، وطعن بحربة، ومات مصلوباً على خشبة بين لصيّن، بعد أن اختنق من طعم المرار.

ها هنا، على هذه المعابر الحدودية، تدخل الأسباب كلّها في ذلك الإبريق، وتعود مسكوبة على ألسنة الإعلاميين والسياسيين، مصنّفة، مرتّبة، مُمنطقة، وذلك للتبرؤ من هذا الموت الواحد اختناقاً بالشاحنات.!

غير أن الشاحنات موجودة، مترادفة، متراصفة، رابضة، لا تتزحزح قيد أنملة.. مذكّرة بتلك السيرة المأساوية لنشوء الحدود ومعابرها وسيضاف ترسيمها بعد قليل وحرّاسها ...وبالأخص حرّاسها.

فإذا كنا في كل حديث عن مآسينا نستذكر اللازمة الدائمة المُصدَّرة بالسيدين سايكس وبيكو، فإنه من الغبن لهما اتهامهما بأنهما وراء الاختناق الراهن للمعابر الحدودية، وإن كانا من صنعاها ودققا في تفاصيلها ومساحاتها ومستلزمات حفاظها على ذاتها يقول الأب الدكتور الباحث جوزف حجار، ما معناه، إن المباحثات الفرنسية ـ الإنكليزية التي أدت إلى اتفاقية سايكس ـ بيكو 1916، لم تكن سهلة وميسرة كما يظن الكثيرون ولم ترسم الحدود عشوائياً، كما هو سائد في الأدب الصحفي، بل جرت هذه المحادثات بدقة متناهية، بحيث أن الخلافات كانت تنشأ حول بضعة أمتار، أو قرية، أو دسكرة، أو مزرعة.. ـ ربما أفلتت مزارع شبعا من قبضة تلك المحادثات ـ ولكنها وقعت في قبضة لورد لارسن وريشته الزرقاء ـ بل يقضي الإنصاف بتوجيه الاتهام إلى [حرّاس] سايكس ـ بيكو، والقيمين على هذه الحدود ومعابرها: فيزيائياً وايديولوجياً وثقافةً واجتماعاً واقتصاداً.. ومصيراً.

بلى هم [حرّاس] سايكس ـ بيكو من: حرّض، ويحرّض، وسبّب ويسبّب، وساهم ويساهم، وعمل ويعمل، ونفّذ وينفّذ، ـ وفق النسق الاتهامي الدارج ـ على إنتاج هذا الموت الواحد اختناقاً بالشاحنات.

على أن الحدود وشاحناتها واختناقاتها و و و .. تستدعي السؤال عن مفقود أو مُفتقد، أو مشروع شهيد، ربما سيكون آخر المختنقين في زنقة الحدود.. بلى ثمة مؤسسة تنسيقية لا توحيدية مراعاة لمشاعر السياديين والكيانين و و و.. افتراضاَ، بين لبنان وسوريا اسمها المجلس الأعلى اللبناني السوري، وهي التي دأبت على مدى أكثر من عقد مضى تحاول تذليل العقبات، وتقريب الوجهات، وتجسير المسافات، في حقول الاقتصاد والاجتماع والثقافة فضلاً عن السياسة بين الكيانين. ففي ذروة هذا الاختناق الحدودي تم اللجوء إلى المجلس وأمينه العام، فيما يشبه حالة الإسعاف، فقام الأمين العام بكل الاتصالات التي مكّنته في النهاية من الإعلان بأن ثمة إشكالات يجب بحثها بين الحكومتين، في إشارة صريحة إلى أن إزالة القطيعة وبداية ضخ الأوكسجين يبدأ من الرأس.

ثارت ثائرة البعض في لبنان واعتبروا أن ذلك يكسر شوكة السيادة والاستقلال وذهبوا للتفتيش عن أساطيل بحرية وجوية، لتفريغ الشاحنات، بأية أثمان، وللذود عن السيادة المهددة ـ سيادة بدون مصالح ـ والاستغناء نهائياً عن سورية وحدودها ومعابرها‍!! فإن كانت سورية هي الجغرافيا الوحيدة المحيطة بـ لبنان ـ لا أدري إلى متى سأستثني إسرائيل ـ فإن الهواء والماء يوصلان إلى آخر الدنيا!!

ولأن ثمة من يذكّرنا دائماً، وقد سئمنا من التذكّر، بأنّا في زمن العولمة، فإن أصحاب السيادة والاستقلال حزموا أمرهم وقرروا السفر في هذا الزمن، عبر الأساطيل والطائرات، فشاحنات البّر هي من زمن الحرب الباردة، والنظام الثنائي القطبية. على أن الكفر الذي نطق به الأمين العام للمجلس الأعلى اللبناني السوري الأمين الرفيق نصري خوري، لم يمرّ ولن يمر..!!

فها هي الإعلامية الرائدة الست مي شدياق في المؤسسة الرائدة L. B. C ، تسأل ضيفها الدكتور النائب المعارض الموالي (الوزير لاحقاً) ـ لا أحد يسأل عن منطق هذه الصفات المتوالية.. ـ أحمد فتفت ـ في البرنامج السياسي نهاركم سعيد ـ يوم الأحد 17 تموز 2005 تسأله مصطنعة الحذلقة دخلك، نصري خوري.. سوري أو لبناني‍!؟ يرتبك الضيف قليلاً من سؤال بدا له خارج نطاق البديهيات المعروفة، ونظر إلى وجه الإعلامية المتذاكية، وإذ لمح إصرّاراً منها على الحصول على جواب، أدرك أنها في لغز، فبادر إلى الجواب هوي لبناني.. بس سوري قومي.. فتجيبه الست مي الإعلامية اللمّاحة يعني عقله سوري فيؤكد مجاملاً أو مقتنعاً بلى.. عقله سوري. هكذا تم فكّ رموز الشيفرة العجيبة، وتم حل اللغز المستعصي على ثقافة الشاحنات ولغة حرّاس المعابر..

كيف للبناني من بزبدين، في المتن الأعلى يعني من جبل لبنان، إلا إذا ألحقت بزبدين ـ نكايةً بنصري خوري ـ بالأطراف تمهيداً لتسفيرها إلى محافظة ريف دمشق، ماروني أيضاً..، أن يتحدث اليوم خارج النظام اللغوي والنهج المعرفي لأيديولوجيا السيادة والاستقلال، حتى ولو كان مسؤولاً تنسيقياً بين كيانين، وتفرض عليه مسؤوليته التجرد وعدم الانحياز.. ومحاولة رأب الصدع أو فكّ الاختناقات على المعابر!!

إن شخصاً بهذه الصفات لا يمكن أن يكون لبنانياً.. حتى ولو كان ماروني.. أباً عن جد، وليس بالتجنيس.. ذلك لأن عقله سوري!!

هل استخدمنا في محاولة اختراقنا للحدود ومعانيها النسق الاتهامي الدارج:

من حرّض ويحرض، وسبب ويسبب، وساهم ويساهم، وعمل ويعمل، ونفذ وينفذ؟

إذن إليكم لائحة الاتهام، بل القرار الظني:

سايكس وبيـ.. .. لا لن نبدأ هذه المرة من اللازمة المكرورة المضجرة، ورأفة بالسيدين، بل سنكتفي بآخر [الحراس]:

الأجهزة أو بقايا الأجهزةـ التزاماً بفاتحة الاتهامات الرائدة الدارجةـ التي قهرت أو أساءت إلى أي شخص على ضفتي الحدود.

الكذابون والمنافقون، الذين أوهموا بالمصير المشترك، فيما هم يرفعون السواتر ويقيمون الحواجز.

المراؤن والخدّاعون الذين كانوا يعبرون الحدود، جيئة وذهاباً، بوجوه المسار المشترك فيما لديهم [خزانة وجوه وأقنعة].. من قال: عجباً كيف تتغير السياسة في بلادنا، ولكن السياسيين لا يتغيرون؟!

الذين فاوضوا وبحثوا في الكواليس الدولية، كيف يمكن إقامة الجدار على الحدود، ورفعه إلى أقصى ما يمكن، والذين آزروهم من الضفتين بأعمالهم المشبوهة، وقلة أخلاقهم ومستوى معارفهم.

الذين تسيّدوا [شاحنات الاعلام] ولازالوا، يرفعون جدار الكلام، وعازل الثقافة وسيكولوجيا الفرقة..

الذين، امتلكوا المعرفة ولم يقدموا، وامتلكوا الرؤية ولم يتشجعوا.

الذين، بذّروا وقتهم في أهداف بسيطة، وتركوا البرغماتية تكبر إلى أن خنقت بضعة نسيماتكانت تعبر المصنع وجديدة يابوس والعريضة و و.. .

الذين ارتشوا وسرقوا وغشوا ونهبوا..

والذين رشوا وسهلوا السرقة والغش..

والذين زيّنوا القبيح، وقبّحوا الجميل.. الذين.. والذين.. والذين.. والذين..؟!

أفٍ: كلّنا حرّاس؟

من لم يقم منا، على الضفتين، بأي شيء من ذلك فليرجم هذه الحدود بحجر!!

بل فلينزع حجراً ـ أو شاحنةً ـ منها.. ويدع الهواء يمر!!