الافتتاحية:جدوى الانتظار والتغيير!

العدد 9 - أذار 2006 : زيد قطريب
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

صفحة جديدة 1

لم يعد غريباً أن نشاهد الكثير من أصحاب العقائد والتيارات، وربما قادة الأحزاب أيضاً، يتحولون إلى مجرد خبراء سياسيين أو مختصين بالشأن العام، يقدمون آراءهم بكل موضوعية وحياد في البرامج الأخبارية وعلى شاشات الفضائية المحلية والعربية، كسبيلٍ وحيدٍ يثبتون من خلاله أنهم مازالوا على قيد الحياة..!

الطريف في هذا الأمر أنّ أولئك يتحدثون بصفتهم الشخصية كمتابعين للأحداث والتطورات مع الحرص على حذف كافة الألقاب والصفات التي كانت تلحق بأسمائهم في فترات سابقة عندما كانوا يعبرون عن مؤسسات معينة تمثل شريحة واسعة في المجتمع آنذاك.

وبغضّ النظر عن حالة التبرؤ أو الخجل من الاقتران بحالة سياسية أو فكرية معينة نتيجة إصابتها بالوهن والتفكّك، أو انتهاء التبريرات الاستراتيجية لديها، فذلك يبدو منسجماً مع المقولة الشهيرة بأن المتحدات القوية تجعل الأفراد يعتزون بالانتماء إليها، عكس ما يفعلونه في فترات الضعف والتشرذم التي تصيبها، حيث يكون من المحتم عليهم أن يهربوا إلى قبائلهم الصغيرة كبديل أخير عن انتمائهم الكبير.!

صفحة جديدة 1

نستطيع أن نتفهّم ذلك عند الأفراد العاديين تبعاً لانعدام الرؤيا الثقافية والفكرية لديهم، لكنه يبدو غريباً ومستهجناً عندما يصدر عن أقطاب المؤسسات العريقة في مشاريعها الحداثوية التي بشّرت في وقت من الأوقات بولادة إنسان جديد في السياسة والفكر والثقافة.. إنسان يعوّل عليه في تغيير وجه التاريخ والجغرافيا!!.

وربما يكون الأكثر غرابة من كل ذلك أن تبقى تلك المؤسسات غير قادرة على ترميم ذاتها وإعادة إطلاق مشروعها من جديد..

التطورات المتلاحقة لم تعد تنتظر أحداً، فطبول الحرب الأهلية في العراق، ونشوء الأحلاف الجديدة التي نقلت أميركا وإسرائيل إلى احتمالات الممكن بالنسبة لبعض الأطراف، إضافة إلى الحوارات الدائمة حول الديمقراطية ونظم الحكم والقوانين التي تريدها مختلف الأطياف، وما تشهده المنطقة عموماً من صعود للحركات الدينية التي تطرح نفسها بديلاً عن سلسلة الهزائم خلال نصف القرن الماضي المحسوب في معظمه على الاتجاهات العلمانية والقومية بكل تياراتها واتجاهاتها، كل ذلك يشي بطبيعة ما يُرتّب لنا في دوائر الدول الكبرى خلال المراحل القادمة، حيث تتم الاستفادة القصوى من الفجوات الاجتماعية والسياسية التي تحوّلت في وا قع الأمر إلى تربة خصبة لنمو حالة الفوضى وخلط الأوراق بغية رسم المشهد برمته من جديد.

من غير الممكن أن تتحول أميركا ومخططاتها إلى واقعٍ لا مفر منه كالقضاء والقدر، ذلك أن أحداث الأيام الأخيرة وتطوراتها تشير بوضوح إلى الاخفاقات التي يعانيها هذا المشروع، ابتداءً من إيران إلى العراق وفلسطين.. ولكن يبقى التساؤل الأهم عن دور المؤسسات السياسية المختلفة، إن كانت ستكتفي بتحليل المواقف والأحداث وكأنها تجري في الطرف الآخر من الكرة الأرضية، أم أنها ستحاول صياغة مشروعها المقاوم من جديد على صعيد بنيتها الداخلية ونظرتها تجاه الأحداث والتطورات التي مازالت تسبقها بكثير؟!.