العام 2006 عام التحدّيات

العدد التاسع-آذار2006
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 
هذا عام مضى انما يبقى معظمه مقيماً عندنا ، سيبقى العام 2005 ، أطول من أيامه ، وأكثر امتداداً في التاريخ لانه لم ينته بعد، وما تم فيه من أحداث جسام تطبع حقبة قادمة بكاملها : سيبقى العام 2005 مقيماً بيننا اعواماً طويلة ، حتى أننا نتوقع تغيرات خطيرة في الاعوام القادمة قد تبدل جغرافية هذه المنطقة وانظمتها المتهاوية ؟ ... أحداث العراق هزت ضمير العالم والاجرام الحاصل في ربوعه يكاد يقضي على وحدته ويغير معالمه.. فالشعب العراقي خاضع الان لتجربة تاريخية تمزق نسيجه الداخلي وتدمر حياته اذ إن الاحتلال الاميركي البريطاني يجثم على صدره ولا ندري ما اذا ما كانت بعض " المقاومات " المتنوعة على ارضه هي من صنع العقل الصهيوني المجرم فيكون فعل الاحتلال الاميركي يصاحبه ردات فعل مدروسة لاستكمال المخطط الاجرامي فيقع شعب العراق بين سندان الاحتلال ومطرقة هـذه " العصابات " التي لا ندري من اين تبدأ والى اين ستنتهي ؟ وهل من يمكنه ان يؤكد ما اذا كانت هذه الاسماء المتداولة هي لذر الرماد في عيون العالم ام انها اختراع دبرته هذه " التركيبة " الخطيرة من " المافيات " العالمية التي تتخذ من الولايات الاميركية وحلفائها هذا الغطاء الخطير الذي يلبس لباس الدفاع عن العراق وشعبه بينما هو يدمر معالمه ويكمل افعال الاجرام للمحتل الذي يستمد " شرعيته " من اقاويل واكاذيب لا يصدقها الا المغفلون البسطاء والمتفرجون البلهاء على ما يحدث على ارض الرافدين منبع الحضارات والشرائع ، وهم لا يدرون ما سيحل بهم في الايام القادمة المظلمة .

 هذا في العراق المصارع في سبيل البقاء موحداً في وجه البربرية التي تجتاحه من اجل أن تقضي عليه . أما في الشام فالعصابات نفسها تلتف على عنقه لتشده الى مخططها الاجرامي الرهيب ولكن عاصمة الامويين تقاوم بقوة وعناد وتحفظ شرف الامة بما عندها من حكمة وذكاء وصبر عز نظيره في هذا العصر المضطرب . وها ان نتائج الانتخابات في فلسطين فاجأت العالم والمعركة هناك اتخذت طابعاً جديداً واتجاهاً تاريخياً طبيعياً وتلتقي حماس مع تطلعات حزب الله في لبنان وباقي القوى القومية والوطنية الحية التي تجابه المخطط الرهيب الهادف الى فصل لبنان عن واقعه الطبيعي ومصالحه الحيوية فيقع فريسة الاطماع الخارجية من اوروبية واميركية واسرائيلية، فلبنان الذي تدور هذه المعارك من اجل عزله يعرف تماما كيف يتمسك بحقيقته ويدرك ان له مليون لبناني منتشرين في محيطه وعالمه العربي ، وهم مصدر قوة مادية ومعنوية له ، اذ كيف يمكن لهذا اللبنان ان يتنازل عن دوره الطليعي ويضحي بالموارد الهائلة التي تأتيه عبر العالم العربي من اجل اللحاق بالاوهام التي تلوح له بها وسائل الاعلام الاوروبي ـ الاميركي ـ الصهيوني والمتمثلة بهذه السفارات التي يذكرنا نشاطها المشبوه بالايام الخوالي يوم كان القناصل المعتمدون لتلك الدول المجرمة يعملون من أجل تمزيق شعبنا وتحويله الى طوائف ومذاهب وإقطاعيات تتنازع النفوذ وتزرع الفتنة والحوادث الدامية الخطيرة المعروفة بين ظهرانيه.. والحقيقة اننا في لبنان ، ما زلنا على الرغم من كل ما حدث في العالم الاوروبي والاميركي والشرقين المتوسط والبعيد نعيش مرحلة القرون الوسطى ، واذا استمرت الحالة على ما هي عليه فلا عجب إذا تم تصغير لبنان فالذي يتكلم اليوم عن " تزوير الخرائط " يجب أن يكون حاضراً في الجغرافيا السياسية للعالم لا ان يكون غائباً قابعاً وراء جهله وأمامه اسرائيل تتقدم بمشاريع الاستيطان وتمارس بأسلوب همجي التوسع والعدوان.. من هنا يجب الاعتراف ان العالم اليوم يعيش ازمة العراق وفلسطين ولبنان والشام والاردن ، وأن العالم كله على فوهة بركان هائل سعيره آتٍ من الحقائق التي تكررت مراراً بنسخ معدّلة ، وبقسوة متصاعدة ، كانت ولم تزل مفروضة بحكم التاريخ والجغرافيا وبحكم التلاعب المصيري بأسس وجوده ولكي نوقظ الذاكرة ونستضيء بالحقائق نورد هذه السلسلة من الحروب التي أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم . فالعام 1948 ، وبعد معارك مديدة ومتفرقة امتدت من اوائل هذا القرن نشبت اول حرب عربية ـ اسرائيلية تخطت فيها "اسرائيل حدود التقسيم لقيام حدود اسرائيل الصغرى" التي لم تعترف هي بها . وعام 1956 ، وقع العدوان الثلاثي على مصر بعد تأميم قناة السويس ، اشتركت قوتان دوليتان مع قوة اقليمية في غزو سيناء ومدن القنال والشاطئ في مصر . وعام 1967 ، شنت اسرائيل عدواناً جديداً على ثلاثة جيوش عربية واحتلت الضفة الغربية وغزة والجولان وسيناء ، واقامت من جديد حدود "اسرائيل الوسطى" التي لم نعترف بها حتى الان لان شهيتها ابعد من حدود الاردن . وعام 1973 ، نشبت حرب رابعة اشتركت فيها جحافل الجيوش واسراب الطيران ، وقوات المدفعية فاشتعلت المنطقة بحرب عسكرية تجند خلفها نفط اذاق العرب ، مر الصقيع ، ومرارة النكسات الاقتصادية . وبعد اعوام قليلة ، قامت اسرائيل بجريمة العصر اذ اقتحمت ثاني عاصمة عربية بعد القدس ، ودكت بيروت بالقنابل وحاصرتها لمدة ثلاثة شهور ، ومنعت عنها الماء والكهرباء والعالم ساه عما فعلته ، ينتظر ان تقوم بتجريد فريستها من لحمها ، كي تهنئها على سلامة فعلها وهكذا كان ، وبعد اعوام ، اشتعل الخليج بحرب ، وقف العالم ازاءها مكتوف اليدين عن عمد لا عن عجز كي تظل المنطقة تحت وصاية الحروب التي تدفع الامة ثمنها من ماضيها ، ومن حاضرها ، ومن مستقبلها . من هذه الحقائق الواضحة وغيرها من الاحداث والحروب التي مرت على هذه المنطقة علينا ان نفهم ان هذه المنطقة الغنية بنفطها وثرواتها وشعوبها وطاقاتها وامكاناتها وقدراتها ليس مسموحاً لها ، ان تكون جزءاً من حضارتها وتاريخها الذي حكم عليه بالتاريخ والجغرافيا وقوانين الاجتماع الانساني ان تكون منطقة واحدة تعيش بسلام لتشع فكراً وثقافة وتساهم بفعل الحضارة وصنعها . اوليست سورية والعراق جزءين من امة واحدة . هذا ممنوع ! وكل خطيئة ترتكب بحق هذا الممنوع تعاقب بقوة ، قبل ارتكابها وافعال اسرائيل شاهدة على ذلك ، فهي العصا ، التي بوساطتها يتم املاء العجز والخلاف والانفصال وبها تتكرس الحروب الداخلية ويتم الضياع عن حقيقة وهوية هذه الامة ؟ ان هذه المنطقة المسماة الشرق الاوسط زوراً بمواصفاتها الذاتية وبمعاييرها الجغرافية والتاريخية محكوم عليها ان تظل تحت هيمنة دائمة اكثر صلابة من حيث النتائج ، من الاستعمار المباشر ، بمعنى آخر إن دول هذه المنطقة محكوم عليها ، ان تكون جهودها مكرسةً في خدمة آلة عسكرية تضرب مرة كل عشر سنوات ومحكوم عليها ان تكرس الجهد الباقي من ثرواتها لارضاء الغرب ومعه اميركا الاسرائيلية كونهم لا يقبلون عن جزية الطاعة بديلا . وكل من يخالف قانون الانتظام الدولي هذا يعتبر مارقاً ويهدد الامن والسلام الدوليين ؟ وهذا ما ينطبق اليوم وبخاصة على الشام ولبنان وفلسطين والعراق والاردن . إن ما أوردناه ليس استنتاجات إنه وقائع ، والشهادات على حدوثها لا تحتاج الى مجلدات فالذاكرة وحدها تكفي، لأن هذه الاحداث محفورة فيها ولا يمحوها النسيان.. اذا كانت منطقة الشرق الاوسط كذلك فلا شك في انها اخطر منطقة في العالم ؟ ودليلنا الان هو ان الدول الاوروبية مع اميركا واسرائيل تهدد يوميا وبكل وقاحة ما تقوم به ايران من تجارب نووية سلمية، ولا ترى ما تملك اسرائيل من ترسانات قنابل ذرية تهدد فيها العالم بأسره ؟ والويل لهذا العالم المعرّض للاشتعال ، إذا افلتت لعبة الدول من بين يديه.. إن مصير هذا الشعب في العراق والشام والاردن ولبنان وفلسطين متوقف على وعي ابنائه للمؤامرات الخطيرة التي تحاك حوله فلا يقع فريسة الاوهام ويتخلى عن الحقائق الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطبيعية التي هي مصدر قوته وضمان لمصالحه ووحدته ومستقبل ابنائه ؟ فلا يضيع وراء الاكاذيب والخطط التي ترسمها له المصالح الاجنبية فيقع فريسة اضاليلها ومؤمراتها الهادفة الى تمزيق وحدته والسيطرة الكاملة على كل موارده وخيراته ومصيره الاخير. انها صورة مرعبة ولكن من النادر جداً ان يكون اليأس عندنا اقوى منا فبيننا وبينه عداوة متأصلة فهو موت مبكر اما نحن فايماننا المسلح بالعقل والارادة قادر على اجتراح معجزة البقاء ثم الانتصار الاكيد . نرحب بالعام 2006 ، ونعاهده ونعاهد أنفسنا بأننا سنساهم في صناعة التاريخ من جديد ، فشعبنا الذي يعود بالعمر الى الاف السنين وبالحضارة التاريخية الى مئات الانجازات لن يعصى عليه ان يدرب الزمان مرة أخرى ويطوعه لمشيئته ، ذلك اننا مدعوون لانأنثق بأنفسنا وبمستقبلنا.. لنوثق الزمان ونحقق معجزة الحرية ، وانجاز الديمقراطية مع ذلك المستحيل الذي يسمونه الوحدة ، وحدة الحياة على أرض واحدة صورتها الواضحة هلال خصيب . بيت الشعار في 17/2/2006 منصور عازار.