"ملف الديموقراطية...مفاهيم وأفكار" نواف راغب البشير : الانقلابات العسكرية أوصلت البلاد إلى الاستبداد بعد أن أنهت نظامنا الديمقراطي في الخمسينيات.

العدد 2 - آب 2005
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
في البداية نعتقد أن خطاب الولايات المتحدة الأميركية حول دمقرطة المنطقة العربية يرتبط أشد الارتباط بالسياسة الأميركية بعد أحداث سبتمبر عام (2001) والمتمثلة بمشروعها المعلن (الشرق الأوسط الكبير)، فالولايات المتحدة تريد تكييف الأوضاع السياسية لهذه البلدان بما ينسجم مع هذا المشروع، أي أنها تريد إنتاج أنظمة متكيفة مع مشروعها، لاسيما أنها اكتشفت أن الأنظمة القائمة في المنطقة العربية عملت على نهب وقهر شعوبها لدرجة سمحت بظهور حركات راديكالية أصولية تعتمد لغة العنف أسلوباً وحيداً للتعبير عن إحباطها ويأسها.

وبالعودة إلى مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية نجد أن الولايات المتحدة المنتصر الأكبر والمتضرر الأقل في هذه الحرب اعتمدت على سياسة (ملء الفراغ) أي الولوج إلى بلدان المستعمرات السابقة ومنها (بلداننا العربية) نتيجة انحسار ظاهرة الاستعمار الأوروبي المباشر.

وكلنا يعرف أن ولوج الولايات المتحدة إلى هذه البلدان بدأ مع ما يسمى برامج المساعدات الاقتصادية بغية ربط هذه البلدان بعجلة التبعية إلى السياسة الأميركية والاقتصاد العالمي الذي تتزعمه. ولعلنا جميعاً نعرف مدى رعاية ودعم الولايات المتحدة السياسي لأنظمة الحكم الاستبدادية في العالم العربي سواء كانت أنظمة حكم ملكية أو جمهورية طيلة الخمسين عاماً المنصرمة.

والسؤال: ما الذي غير موقف الولايات المتحدة من هذه الأنظمة فجأة؟ هل هي صدمة تدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك؟ أم قناعة الولايات المتحدة بضرورة الهيمنة على الاقتصاد العالمي من خلال السيطرة على أهم منابع واحتياطي الطاقة النفطية في العالم (بحر قزوين، نفط الخليج والعراق) الأمر الذي يخدم استراتيجيتها الجديدة في العالم؟

أم قناعتها بضرورة التخلص من هكذا أنظمة شديدة الاستبداد قبل أن تصل شعوب المنطقة إلى حالة من الغليان تؤدي إلى انفجارات لاحقة تهدد بجدية مصالح الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة، أم كل تلك الأسباب مجتمعة؟

إننا نرى أن رغبة الولايات المتحدة في تسويق مفاهيم الديموقراطية في دول المنطقة العربية على علاقة وثيقة بمشروعها المعلن كما نوهنا من قبل والذي تسوّق له بما يسمى مكافحة الإرهاب.

فبرأينا أن الولايات المتحدة باتت على قناعة أن مستقبل استراتيجيتها العالمية يحتاج بالضرورة إلى ممارسة ضغوطات مباشرة تفرض بموجبها تغييرات في البنى المجتمعية والسياسية لهذه البلدان، أي أن الولايات المتحدة معنية بإيجاد بنى جديدة تشكل حاملاً لمشروعها المعلن، وهذا ما يجعلنا نفهم معنى ودلالات سياسة (الفوضى الخلاقة) التي يتحدث بها الخطاب السياسي والإعلامي الأميركي. إذاً ليست غيرة الولايات المتحدة على شعوب المنطقة هو ما يفسر ضغوطها وتهديداتها وحروبها وإنما إرادتها في تجفيف ما تسميه (منابع الإرهاب).

لذا يمكننا القول إنّ حاجة شعوبنا ومجتمعاتنا العربية إلى الديموقراطية لم تولد مع توجهات الولايات المتحدة الجديدة في المنطقة، فحاجة المنطقة العربية إلى أنظمة حكم ديموقراطية هي حاجة موضوعية ناضلت من أجلها قوى التغيير الديموقراطي العربية طيلة عقود وقدمت من أجلها سيلاً كبيراً من التضحيات، ونحن نرى أن دعوة الولايات المتحدة إلى نشر الديموقراطية في العالم العربي تتقاطع موضوعياً مع دعوات وجهود قوى المعارضة الديموقراطية في العالم العربي دون اتفاق بين الطرفين. ومن جانب آخر نعتقد نحن أن أهمية الديموقراطية لبلدنا سورية تأتي من قناعتنا أن حل المشكلات الرئيسية لشعبنا وتحديداً مشكلاته المتعلقة بتخلف التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتردي الأوضاع السياسية خصوصاً ما يتعلق منها بانتهاكات حقوق الإنسان وغياب الحريات الأساسية يبدأ من بوابة واحدة ووحيدة هي بوابة الديموقراطية، ونقصد ضرورة بناء دولة المؤسسات الديموقراطية التي تتيح للمواطن السوري حق ممارسة التعبير عن الرأي ونقد الواقع، وتتيح مبدأ تداول السلطة سلمياً عبر انتخابات حرة نزيهة، وتتيح حقوقاً أساسية للشعب كحق تشكيل الأحزاب والجمعيات الأهلية.

وإطلاق حرية الإعلام والصحافة بما يساهم جدياً بتحقيق الرقابة الشعبية وتشكيل رأي عام حر حول أي قضية تهم الوطن والمجتمع، والعمل على تحرير الاقتصاد الوطني من هيمنة الدولة. لقد عاشت بلادنا في خمسينات القرن الماضي في ظل نظام ديموقراطي شاركت في بنائه كل ألوان الطيف السياسي، ولكن نتيجة للانقلابات العسكرية المدعومة خارجياً وصلت بلادنا إلى ما هي عليه الآن من استبداد.

إننا في حزب المستقبل الوطني الديموقراطي نعتقد بأولوية نقل البلاد سلمياً من حالة احتكار السلطة إلى حالة دولة القانون والمؤسسات الديموقراطية وفق برنامج وطني شامل تتوافق عليه جميع التعبيرات السياسية في البلاد من خلال جدول زمني محدد دون الوقوع في فراغ سياسي يؤدي إلى فوضى غير محسوبة العواقب، ودون الوقوع فيما يسمى (الفوضى الخلاقة) التي تدعو لها الولايات المتحدة. من هنا نضع أكثر من علامة استفهام حول نوايا وصدقية نوايا الولايات المتحدة من مسألة الديموقراطية، فالأميركيون ليسوا بحاجة إلى جهود جبارة وذكاء خارق لاكتشاف آليات مساعدة الشعوب الواقعة تحت نير الاستبداد، فهم بكل بساطة يستطيعون دعم نضال الشعوب من أجل الديموقراطية من دون إرسال جيوشهم وأساطيلهم عبر المحيطات، ومن دون استخدام أدوات ووسائل الحرب المباشرة، إنهم يستطيعون تعرية وفضح أنظمة الاستبداد التي أمدوها بأسباب البقاء لنصف قرن مضى، عبر فضح جرائم هذه الأنظمة بحق شعوبها والدعوة إلى محاكمة مرتكبي جرائم حقوق الإنسان وناهبي ثروات هذه الشعوب دولياً.

ولكن ينبغي التأكيد أن ادعاء الولايات المتحدة الأميركية تبنيها دعم دمقرطة المنطقة العربية لا يجد من يقتنع به إلى النهاية، لأنها وبكل بساطة لا تفعل شيئاً حيال ما يعانيه الشعب الفلسطيني من معاناة الاحتلال والشعوب العربية من القهر والاستبداد من قبل أنظمتها الحاكمة. وهناك خوف لدى المعارضة الديموقراطية من وجود صفقات سرية بين الولايات المتحدة وهذه النظم الاستبدادية بما يخدم استمرار بقاء هذه النظم، وهذا ما يجعل مصداقية السياسة الأميركية على المحك خصوصاً أنها اتسمت سابقاً بازدواجية المعايير.

وبرأينا أن الولايات المتحدة تضررت بشكل مباشر من استمرار حكم أنظمة الاستبداد في المنطقة، لأن سياسة هذه الأنظمة اتسمت في قهر ونهب شعوبها مما ساهم في ولادة الحركات المتطرفة ونستطيع القول إن الشارع السوري هو شارع إسلامي منفتح ومتنور وعلماني وهو مع التعددية السياسية والثقافية وقبول الآخر، وقادر على ممارسة شؤونه وفق معايير الديموقراطية المؤسساتية والتي عاشها كما ذكرنا في خمسينيات القرن الماضي.

نواف راغب البشير

الناطق الرسمي باسم حزب المستقبل الوطني الديموقراطي في سورية