العدد التاسع-آذار2006

ثقافة الاستهلاك

حنان زهر الدين
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

صفحة جديدة 1

مع تقدم تكنولوجيا الاتصالات تطورت اللغة البصرية وخاصة في بالسنوات العشر الأخيرة، هذه اللغة التي تربعت على عرش الثقافة العربية والعالمية، ودخلت منازلنا دون استئذان فاستحوذت على جل اهتمام المجتمع بكافة أطيافه، وكانت ثورة القرن العشرين بامتياز.

فنتج عن ذلك ثقافة الصورة التي استخدمت تماشياً مع الثقافة العامة التي أنتجتها العولمة فساهمت في تكريس قيم أخلاقية لتتماشى مع بنية مجتمعنا وطبيعته. فظهر الفيديو كليب مسيطراً ليس فقط على أعين الشباب بل على عقولهم وما يهمني الإشارة إليه أن المرأة كانت هي الأداة الأساسية الموظفة لترويج هذه (الصناعة) بما فيها الكليبات التي تبث ليل نهار عبر أغلب الفضائيات العربية والعالمية فتغيرت بذلك صورة الفتاة ومفهوم الجمال وتغيرت معه القيم الأخلاقية للمجتمع والعلاقات التي انعكست سلباً بالدرجة الأولى على المرأة، فأصبح الرجال ينظرون إلى زوجاتهن بالمقارنة مع ما يروجه الفيديو كليب من فتيات نحيلات يصلحن فقط لعرض الأزياء وإحساس هؤلاء الرجال بالتذمر والملل وكأن هذه الصورة الموجودة أمامهم هي الصورة المثالية للمرأة العصرية برشاقتها وخفتها ما اضطر معظم النساء والفتيات التي لا تطابق أجسامهن تلك المواصفات لاتباع حميات صعبة جداً أثرت في وضعهن الصحي من جهة وشعورهن بالكآبة والإحباط النفسي من جهة أخرى.

صفحة جديدة 2

ولم يتوقف الفيديو كليب عند ترويج هذه الصورة فقط بل تعداها لنشر رسائل كثيرة أهم سلعة فيها جسد المرأة ودفع الأموال الطائلة ليكون هذا الجسد أكثر إغراءً ورخصاً، غايتهم في ذلك جذب أكبر جمهور من الشباب والمراهقين وجميع فئات المجتمع إلى تلك المحطة أو تلك، مستثمرين هذا الجسد في أعمال السياسة والتجارة والفن بغية الحصول على أرقام خيالية من المال وبذلك تغير مفهوم الصورة التي هي انعكاس لشخصية المرأة ككل بروحها وفكرها وحضورها وجسدها، كلّ متكامل يعكس صورة حية تقبلها العين ويحبها من حولها.

ولكن استطاع الفيديو كليب أن يغير هذه المعايير ويهمشها ليكون جمال المرأة وحده وشكلها مفتاح الشهرة والظهور والعرض ليس لها فحسب بل لأي سلعة ومهما كان نوعها تريد أي شركة ترويجها وكذلك استخدام الكلام الرخيص ومشاهد العنف والابتذال الجنسي بإسفاف واضح وصريح ووضع هالة كبيرة حول فتاة معينة بمشاركة وسائل الإعلام الأخرى وجعلها ظاهرة للمراهقين لتصبح هي مقياس المرأة لديهم والفتيات اللواتي يحاولن تقليدها بأدق تفاصيل لبسها وحركاتها. فانعكس هذا على مستوى الفنون بأشكالها فغير ثقافة المجتمع الموسيقية وذوقه وإحساسه الرفيع بالفن الراقي والكلمة الجيدة المعبرة عن روح الإنسان وذاته ومشاعره وعن واقعه. وكنتيجة طبيعية ساهمت هذه المناخات السلبية بترويج ثقافة الاستهلاك وغيرت الذهنية السلوكية عند الناس ليلهثوا لشراء ما هو معروض أمامهم.

ومع هذا المشهد العام هناك سؤال يطرح نفسه هل هذا الظهور للمرأة وبتلك الطريقة هو السبيل لإثبات وجودها أم أنها فعلاً تحولت إلى قشرة خارجية وأداة إعلان عن كل ما هو جديد من السلع والأثاث وبالتالي إفراغها من مضمونها ومسؤوليتها ويؤكد لها المجتمع هذه الحقيقة بشتى الوسائل كشعر يحتاج إلى الصبغة وعينين تحتاج إلى عدسات ورموش تحتاج إلى تقوية وهكذا.. مسلسل لا ينتهي، إن استلاب وسائل الإعلام والمنتجين والمروجين لإنسانية الفتاة أو المرأة وتجاهل فكرها وقيمها المعنوية ودورها الفعّال في نهضة المجتمع لهو من أخطر المظاهر التي نعيشها، والغرق فيها يوماً بعد آخر، هو المشكلة التي تساهم مع عوامل كثيرة في تحويل رؤية المجتمع وتطلعه نحو الأميز والأرقى.

ومن خلال هذا أؤكد على دور الأسرة المهمّ والأساسي في تغيير هذا المشهد من خلال مشاركة هؤلاء الأولاد المراهقين والشباب آراءهم ومشاهداتهم لهذه الكليبات والبرامج ومناقشتها معهم ومساعدتهم على التواصل مع كل ما يستطيع أن يدفعهم خطوة نوعية وما يلبي طموحاتهم في الخلق والإبداع. وبناء ثقافة موسيقية يتأثر فيها الجيل الجديد ويعبر عنها بمفهومٍ راقٍ ولا سيما أن الصورة تشكل جزءاً كبيراً من تصوراتنا عن الحياة والعالم بأسره.