العدد التاسع-آذار2006

الكلمة الطيِّبة

بقلم محمود كركوكلي
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

يؤْسُفني أنْ أنظُرَ إلى شاشات التلفزة العربيَّة، تبرقُ بالأخبار وتصِّورُ الناس، وتنقلُ الحقائق ببرود أعصاب ودون مداخلةٍ تكشفُ الواقعَ الأليمَ والحديثَ الحزين، إنَّ بريقَ السَّراب خادع، وقدْ قيلَ قديماً، ليسَ كلَّ ما يبرقُ ذهباً. ويسْعدني أنْ أرى نفسي في موقع الفدائي الإستشهادي، والجودُ بالنفس أنبل وأعظم الجود، فلا يهمُّني أنْ أسمعَ إلى ثناء حاكمٍ أو أحصلَ على غنيمةٍ في مدح أصحاب الغنائم والولائم.

إنَّ الذينَ يموتون بصمت التضحية الهادفة خيرٌ ألفَ مرَّة من بخيلٍ، يعطي الفتات، ثمَّ ينفخُ فيه لتكونَ مكرُمةً، كما تصدرُ الهبات عن رؤساء وملوك وأمراء العرب، بينما هم جالسون على بحر نفط خضمّ.

يجعلني سعيداً، أنْ أرى الإنسانيَّة، تسيرُ نحوَ التحرُّر والشورى والديمقراطية، عندما أسمعُ جورج غالاوي يهاجم بريطانيا وأمريكا وحلفاءهم لأنهم احتلوا العراق، وأشهدُ الممثَّلة الإنكليزية (فانيسياردغراف) تبيعُ بيتها الذي حصلتْ عليهِ بجهدها من العمل السينمائي المضني، لتقومَ بعمل شريف جميل هادف، وهو إنتاجُ فيلم سينمائي، يحكي مأساة الشعب الفلسطيني، بينما نجدُ في الطرف العربي أمراء النفط، يبخلون بالمعونات على الشعب الفلسطيني، ويستمعون إلى الإدارة الأمريكيَّة، فيتوقَّفون عن المساعدة، ويعتبرون العمل الفدائي الاستشهادي عملاً انتحاريّاً إرهابيّاً، ويمنعون المساعدات البسيطة عن أهالي الفدائيين الاستشهاديين.

المنافقون، يتهافتون على مواجهة نتائج إعصار كاترينا في الولايات المتحدة، ويتباكون على الضحايا فيه، فيقدِّمون المساعدات الكبيرة، ولكن بتأريخٍ مقارب يسقطُ في جسر الأئمة بالعراق العربي المسلم مئات الضحايا، ولا يتلقَّى هؤلاء المنكوبون بالجسر وبالاستعمار الأمريكي الصهيوني رسالةَ تعزية أو إدانة رسميَّة فصبراً جميلاً والله المستعان على ما يفعلون.

في السودان في أفريقيا وفي أندونيسيا.. ضحايا تسونامي، جياعٌ عراةُ مرضى يموتون جوعاً ومرضاً وبرداً، والأممُ المتحدة تناشد الضمير الإنساني، تصرخ مبحوحة الصوت مستغيثةً، ولا حياة لمن تنادي!

ماذا نقول بعد هذه المآسي؟

هلْ نقول شكراً أيَّها الأمراء لأنكم تتفرَّجون وأخوانكم في العراق وفلسطين يذبحون بطائرات ومدافع الحذاء الأمريكي العملاق؟!

ياللعار.. ياللعار.. يالمأساة التاريخ الكبرى.. يالفداحة الجهل والعمالة والفساد.

قال رسول الله محمَّد صلى الله عليه وسلَّم يأتي زمان الديَّوث، قالوا: ما الدَّيوث يا رسول الله، قال: منْ رأى أهله يُعتدى عليهم ولا يغضب).

ولكن نقولُ على الطرَّف الآخر:

شُكراً أيَّها الأحباء الإنسانيَّون، شكراً يا أختنا الحبيبة الممثِّلة (فانيسياردغراف) على تضحيتكِ بمنزلِكِ من أجل فيلم يظهر الحقيقة ويدافع عن المظلومين.

شكراً جورج غالاوي على شجاعتكَ في فضح الأطماع والجرائم الإنكليزية والأمريكية والصهيونية.

شكراً للقس جسي جاكسون على مقارعته التمييز العنصري، ونظراتِه الإنسانية، فهو يمثل روحَ المسيح عليه السلام في الحب والسلام والعدل والحرية.

يؤلمني ويسعدني أن أتكلم اليوم من جراحٍ راعفة وروحٍ مشتعلة يهمها أن تضيء الحياة، ولو شمعة في الظلمة الحالكة، بعدها إن عاشت وأضاء كل إنسان شمعة، نرى جميعاً الحياة الكريمة السعيدة، ومن مات منا يشعر بالراحة والسعادة الأبدية والحياة كما في الحديث الشريف إحدى الحُسنيين، الشهادة أو النصر وكلاهما نصرٌ للشعوب المجاهدة والحياة الإنسانية الحرة الكريمة.