العدد التاسع-آذار2006

توسع الدلالات

هيام الجندي
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

المعاني مطروحة في الطريق ـ على حد قول الجاحظ ـ وهل ثمة معنى أكثر حضوراً من أجسادنا لدينا؟!

ليس السؤال إذاً عما يقوله المرء وإنما كيف يقال وستظل الحاجة قائمة إلى التفكير بتلك الكيف مادام المرء يستطيع أن يكشف لنا عبرها عن أشياء توسع الدلالات وإلا انتفت الضرورة إليها.

وقد بدأنا نسمع أن بعض المؤسسات الثقافية أخذت تدعو إلى عقد ندوات وإقامة المؤتمرات حول مفهوم الجسد، ذلك المفهوم الذي لم ينقطع الاهتمام به يوماً وقد تبدى هذا الاهتمام بأشكال مختلفة سواء أكان ذلك الاهتمام إيجابياً أم سلبياً.

والدين كان له ما يقوله في مفهوم الجسد وكذلك الفلسفة ومع توالي هذه الدعوات لفهمه وتحديده ومعرفة ماهيته عبر عناوين كبيرة (الجسد المقهور، الجسد المهمش، الجسد السياسي، العنف الجسدي، فلسفة الجسد).

أتساءل أليس هذا المعطى الجوهري الذي يحدد وجودنا هو المصفاة الحقيقية التي تعلق في قعرها كل الرواسب الاجتماعية والإنسانية برمتها؟! حيث يختلف شكل الجسد ما بين البدائية والمدنية عليه تنعكس مظاهر البؤس ومظاهر الرفاه، والمرض والفقر والتخلف والعنف والقمع والحروب. فللخادمة جسد يختلف عن جسد سيدتها وجسد راقصة البالية يختلف عن جسد العاملة في المعمل، أما المجتمعات التي تنهشها الحروب فتكون نسبة الإعاقة فيها أعلى من المجتمعات المستقرة، في الحروب يتحول جسد المحارب لأداة قتال تمكن طرفاً من الانتصار على الطرف الآخر.

وفي أرقى الحالات المعاصرة يأخذ الاختصاصيون على عاتقهم إعادة تأهيل الأجساد للشخصيات العامة، من حيث إعادة تربية الجسد، العمل على الحركة والصوت واكتساب تقنيات جديدة للابتسامة، والبشرية في اجتهاد مستمر لخلق مشكلات عالمية تعمل على انتهاك الجسد بآلاف الطرق لتجرده من إنسانيته وإدخاله علاقات السوق وهذا التسليع طال جسد المرأة أكثر من جسد الرجل.

وكأن ما يحدث ليس إلا إعادة لتطويع الجسد وبرمجته بشكل يتناسب مع ما يراد منه وليفقد قدرته على التعبير الحر والتلقائي وليكتسب لغة جديدة لا ندري إلى أي حد تعزز كينونته فلننظر إلى أجساد رجال المال الخرساء والسياسي الذي لابد له من رافعة فإن لم يكن يمتلك سحر الطلة فعليه أن يمتلك سحر الخطاب ومعرفة التوجه إلى الجمهور.. وكل ذلك اللعب بالجسد لم يكن إلا حرفاً له عن وظائفه الحقيقية.