الشيخ عبد اللطيف وهبة كرباج

العدد التاسع-آذار2006
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

شهد الإسلام منذ مراحله المبكرة بذور انشقاقات لتشكل لنا في نهاية المطاف مجموعة من الطوائف والمذاهب الدينية التي تستند إلى الإسلام وكان لها مواقف ونظرات متباينة من المعتقدات الدينية المختلفة وصلت إلى حد الصدام والتكفير.

وكان لا بد لنا في هذه المرحلة التي تتعرض فيها الأمة الإسلامية إلى الكثير من سوء الفهم أحياناً والافتراء من أغلب الأحيان أن نحاول رأب الصدع وتقريب وجهات النظر بين هذه المذاهب والطوائف التي تلتقي في الكثير من النقاط الجوهرية وإن ما يجمعها أكثر مما يفرقها.

وهذا ما دفعني إلى إجراء هذا الحوار مع واحد من أتباع المذهب التوحيدي الإسلامي وهو الشيخ عبد اللطيف وهبة كرباج.

 

  تعددت تاريخياً آراء المذهب السائد (الرسمي) بالمذاهب الإمامية (الدروز ـ الموحدون ـ الإسماعيليون ـ العلويون) ما بين الموضوعية والتكفيرية والآن أنت مدعو للتعريف بمذهبك مذهب (الموحدون).

  الموحدون المسلمون هم أحد المذاهب الإسلامية التي عنى بها الرسول (ص) وهم متأصلون في الأعراب من اليمن وليسوا فخوذاً ولا بطوناً ولا ظهوراً أصولهم يمنية، نزحوا منها بعد سقوط سد مأرب يشتملون بالعقيدة الإسلامية السمحاء، القرآن الكريم كتابهم، وسنة نبيهم هي منهجهم ومسلكهم، ولنا فتاوى من بعض الأئمة الموحدين المسلمين أمثال: الشيخ محمد أبي هلال المعروف بالشيخ الفاضل، وقد سبقه إلى ذلك الأمير جمال الدين التنوخي المعروف بالأمير عبد الله التنوخي صاحب مدرسة الصحوة الإسلامية. في عصره في دمشق وقد أمَّ المسجد الأموي لمدة أحد عشر عاماً وهذه الفتاوى لم تخرج عن صُلب الشريعة الإسلامية ولكنها تتجدد بتجدد الزمن بنظرة تتناسب مع الواقع المفروض.

 

أضرب لك مثلاً تعدد الزوجات، نحن لم نخرج عن الآية الكريمة ((وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تقولوا)).

وهذا التغير جاء بعد فقدان الدولة العربية الإسلامية في العصر العباسي هيبتها، وبسبب التردي الذي طرأ على قلب هذه الأمة، وجد هؤلاء الأئمة أنَّ الإنسان غير قادر على أن يقدم للمجتمع أسرة كبيرة لا نعلم عددها إذا تعددت الزوجات ولن تكون هذه الأسرة معطاء ومرتبطة بالقيم والأخلاق الإسلامية المثلى أو تتوجها ثقافة الدين الإسلامي نظراً لصعوبة التكاليف المادية. لذلك أقرّ أولئك الأئمة بالأخذ بأواخر الآية الكريمة المذكورة سابقاً بالاكتفاء بزوجة واحدة ولعدم أهلية العدل المطلق بالممارسة وثبت بالبينة أن هذه الفتوى أصبحت قانوناً إسلامياً اجتماعياً لدى هذا المذهب يُعمل به ويعتبر الخارج على هذا القانون أو الفتوى مخالفاً لأوامر الأئمة والواقع المفروض.

  من الواضح أن لديك إصراراً على أنَّ (الموحدون) هم جزءٌ من الأمة الإسلامية. إذاً. ما هي القضايا الخلافية بينكم وبين المذاهب الإسلامية الأخرى؟

لا اختلاف على الإطلاق فيما بيننا وبين السنة لأننا في ممارساتنا اليومية في الطقوس والعبادات وليس لنا بدعة ولا تجديد.

  ولكن أين أنتم من الحج وباقي أركان الإسلام من صلاة وصيام وزكاة؟

إن الحج فريضة بالمستطاع حسبما ورد في الآية الكريمة: ((ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا))، والصلاة وباقي الأركان الإسلامية نقيمها كما وردت في سنّة رسول الله (ص).

ولكن أعود إلى مسألة الحج لأذكر فقط أنه في عام 1704م ذهب إلى الحج رَكْب كبير وفيه عدد من مذهب (الموحدون) المسلم وهناك عند بئر زمزم خرج على القوم من المكفّرين بأصالة هذا المذهب وصاحَ!! هؤلاء كفرة. حين ذاك قاموا بذبح أكثر مما ينوف عن ستين شخصاً فطلب الأئمة آنذاك إيقاف رحلات الحج إلى حين. وما بين فترة وأخرى ترتفع أصوات من هنا وهناك أمثال الخطيب في الأردن والسيد طنطاوي بتكفير أصحاب هذا المذهب التوحيدي الإسلامي وذلك لزرع بذور الفتنة بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم، إضافة إلى أن ابن تيمية قد أمسك بجذوة المذهب التوحيدي الإسلامي مكفّراً.

  إذا كنت مصراً على الاختلاف بين مذهبكم التوحيدي وبين المذاهب الأخرى فأين تكمن خصوصيات مذهبكم؟.

مهما اختلفت المذاهب بعضها من بعض في فهم مكنونات الرسالة الإسلامية تبقى الرسالة واحدة.. من الممكن أن تختلف حول بعض الشخصيات الإسلامية بتفضيل إحداها وأعطاه فمثلاً نحن نجلّ سلمان الفارسي ونعتبره أنه هو الذي أعاد هيكلة المذهب وتجميعه على الأخرى الموقع الذي يليق به في توءمة الدعوة الإسلامية والتشيع لآل البيت وقد أجمع عليه الرأي ونعطي مثالاً قول الرسول عليه السلام: (سلمان منا آل البيت) والعقل والنفس في مذهبنا تبقى مصدراً اشعاعياً للفكر التوحيدي الثاقب والنافذ من خلال البصيرة تعاملاً مع الواقع لتجسيد العقيدة إلى ممارسة فعلية تأخذ بالإنسان (الروح) إلى مبدعها الأزلي من أقرب طريق بُعداً عن التكليف وهذا نصيح به بالصوت العالي ألا نجمد المطلق (الله) وألا نحشره في زاوية العدم. والأسماء التي يتناولها أصحاب مذهب التوحيد الإسلامي لا تشكل عائقاً ولا تبعد الموحد المسلم عن أصول العقيدة الإسلامية ربطاً مع تفاعل الروح بأسس العقيدة لا خروج عنها. نحن لطالما قلنا لا تعارض لدينا مع الإسلام وقيمه فأيّة دعوة إلى التجديد والإصلاح تكون نابعة من حرصنا على مسيرة الإسلام حسبما أرادها الله ورسوله لأن الإسلام يتفق مع العقل والبصيرة لا مع البصر والمنطق.

 

  ما رأيك فيما يشاع عن أن حركة (الموحدون) في قلب الإسلام لم تكن سوى محاولة لزرع دين جديد؟.

جميع ما كتب عن الموحدين المسلمين أنهم أرادوا تجديد الدين من خلال الدعوة الفاطمية في أن يكون له وجود مماثل لما أتى به رسول الله (ص) فهذا افتراء.. إن كانت هناك محاولة قد قامت فكانت على يد انشتكين الدرزي (لعنه الله) المارق والخارج على أصول العقيدة الإسلامية في مذهب التوحيد ونحن لا نقبل إطلاقاً أن يلصق بنا هذا الاسم (الدروز) من خلال هذا المارق الخارج على العقيدة التوحيدية الإسلامية.

  في كل ما تقدمت به عن أصول مذهبكم لا أرى مانعاً من الزواج والاختلاط بالطوائف والمذاهب الأخرى فما رأيك؟

أسباب عدم التزاوج بيننا وبين الآخرين كانت نتيجة لحالة الانغلاق التي مارستها هذه العشيرة وذلك بسبب ما عانته من الظلم والاضطهاد السافر الذي عوملنا به، فصدرت فتاوى من أرباب هذا المذهب على أن تبقى زمرة هذا الدم محصورة بأبنائه لبقاء قوة الإرادة وحمأة الشكيمة للدفاع عن الأرض والعرض أما ما يتردد على ألسنة العوام من أسباب المنع في حقيقة الأمر فلا يقره أرباب المذهب.

  فيما مضى كانت أسباب الاضطهاد وسوء الفهم تمنعكم من الإجهار بمذهبكم كموحدين، ألا ترى بأن تلك الأسباب قد انتفت الآن ولم يعد لديكم مبرر لذلك؟.

ليس عندنا ما نخفيه على الإطلاق من عقائد نتهم بها أو أنها خارجة على الإسلام وإذا كان هناك ما يشيرون إليه فهو فتاوى الأئمة الأربعة قد اختلفوا فيما بينهم في تحليل أو تحريم بعض النقاط الحياتية في المأكل والسلوكيات فهل هذا يعني أن الأمر يعتبر مروقاً على الإسلام أو خروجاً منه؟ أبداً تبقى الفتاوى حسب ما يراها الإمام القائم على تشريع مذهبه وحسب فهمه وتأويله لمعنى الآية وثمة آلاف الكتب التي تتعارض فيها الفتاوى بين الأئمة.

  ما هو موقفكم من (الأديان ـ المذاهب ـ الطوائف الأخرى)؟.

أنا أقول إن كل الدعوات التي سبقت دعوة الرسول (ص) هي دعوة حق أنيط بها الأمر من المولى عز وجل وأدت ما عليها بالثبوت والبينة ولو لم يكن ذلك لما أراد الله لها أن تبقى وأن يقرأ كتابها، وهذا لا يتعارض مع الإيمان بما أتى به الإسلام (الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن كافة الأنبياء الذين ذكرهم القرآن تلفهم الصلاة والسلام عليهم ولا يوجد شيء سدى في هذا الوجود خارج عن إرادة الله لأنه لو كان هناك جماعة خارجة عن إرادة الله سبحانه وتعالى ولم يبلغوا بنبي أو كتاب أو دعوة أو رسول لكنّا قد أوقعنا النقص في العدل الإلهي وحاشى الله أن ينتقص عدله.

  ما هي علاقة مذهب التوحيد الإسلامي بالفلسفة؟.

لنستعرض ما قاله أفلاطون: بأن الروح هي قطعة لاهوتية من ذات الله وبما أن المنحة تتساوى مع صفات المانح فكما أن لمانحها صفة الديمومة والبقاء فكان لها الخلود الأبدي بلا زوال والجسد هو عبارة عن وعاء لاحتواء الروح ويبين خير الروح وشرها من خلال الجسد.

وقد اعترض علماء كثر من عصره وما بعده على تناول وصف الروح بالقطعة لأنها في علم الماهيات وليس بالكيفيات وبقي هذا الأمر لغزاً محيراً إلى أن أتى الشيخ محمد أبو هلال الشيخ الفاضل رضوان الله عليه وسئل عن هذا الأمر فأجاب: ما نطق أفلاطون إلا حقاً لأن الروح قبل أن يودعها الله الجسد لم تكن محسوسة وملموسة ولما بانت قيمتها من خلال الجسد الملموس جاز له أن يسمّيها قطعة لبيان قيمتها من خلاله ونحن أبناء هذا المذهب تفاعلنا مع هذا الجسد وهذا لا يتعارض على الإطلاق مع ديمومة الروح وموت الجسد القول على أنه يُعطي الله سبحانه وتعالى كمال الإحداثية فيما أبدع وفيما جسَّد الروح في هذا وعودته إلى التراب حسب مسار العقيدة الإسلامية.

  في نهاية هذا اللقاء أترك لك الحرية في إيصال ما تريد إيصاله إلى الناس.

أود أن أتحدث عن الناحية الجهادية لدى الموحدين المسلمين، فالموحدون المسلمون أصحاب إرادة صُلبة وقريحة قوية ومعروف عبر التاريخ وعلى الأخص الأجداد بأنهم دافعوا عن الإسلام في مراحله الأولى أمثال: أبي ذر الغفاري والمقداد وعمار بن ياسر أولئك كانوا الحربة الأولى أمام رسول الله (ص) وصحبه في نشر الدعوة الإسلامية ونحن توارثنا حب الجهاد في سبيل الله يقيناً منّا وليس محافظة على إرث فقط. وكانت لنا مواقف نضالية عبر العصور التاريخية ومنا رجال عظام أثبتوا جدارتهم في قتال العدو والدفاع عن حدود الدولة العربية الإسلامية قديماً وحديثاً أمثال فخر الدين المعني وسلطان باشا الأطرش.

وإنني أوجه صرخةً يعلوها الضمير الحي لكل من كتب ويكتب عن هذه العشيرة التوحيدية الإسلامية أن يضعوا أيديهم على ضمائرهم وألا يغيروا مجرى التاريخ وألا يدونوا عن تاريخها كذباً ولا بهتاناً وأن ينصفوا هذه العشيرة ولو لمرة واحدة في التاريخ إذا كتب لهم صدق الكتابة.