"ملف الديموقراطية مفاهيم..وأفكار" : الدكتور عماد فوزي شُعيبي : أدعو لعقل سياسي ديمقراطي وليس لهيصة ديمقراطية.

العدد 2 - آب 2005
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
لا يمكن لي كأكاديمي أن أقبل الحديث عن الديموقراطية بالكيفية التي يتم تداولها اليوم، ففي واقع الحال أن طرح الديموقراطية يتم بنفس آلية المنظومات الإيديولوجية التي طرحت في القرن الماضي، أي بطريقة الحمى غير العاقلة، ففي وقت كان الحديث فيه منصباً على أن الاشتراكية وديكتاتورية البروليتاريا هما قمة النقاء الثوري ويدعم ذلك دولة عظمى أو أكثر ويعتبر فيه الحديث عن الديموقراطية هرتقة برجوازية!!! وطريقاً نحو العمالة للإمبريالية أصبحنا اليوم وبنفس الطريقة نسمع عن طهرانية الديموقراطية ونقاءها الإنساني، ويتبرع البعض للمطالبة بديموقراطية ليبرالية أو مناهضة لليبرالية، ويعتبر كل حديث عن تطور باتجاه الديموقراطية والفصل بينها وبين الحريات العامة بمثابة جريمة وطنية، بنفس العقلية المطلبية الخلاصية الساذجة والأهم ان ماركسيي الأمس هم ديموقراطيو اليوم تقريباً وهنالك دولة عظمى تبشر بالديموقراطية عبر طروحات إيديولوجية للمحافظين الجدد لا تختلف عن طريقة طرح ديكتاتورية البروليتاريا في الماضي، والطريف أن أصول المحافظين الجدد تروتسكية، أي ماركسية؟؟؟!.

أنا أدعو لعقل سياسي ديموقراطي وليس لهيصة ديموقراطية كالتي يقدمها المحافظون الجدد ويتردد صداها لدى البعض بنفس الآلية القطيعية التي رأينا من ماركسيينا وقوميينا والمتشددين الإسلاميين لدينا. إنها مشكلة حقيقية؛ مشكلة الدعوة إلى الديموقراطية بدون عقل.!

لسوء الحظ، المنطقة العربية، وفي أغلب بلدانها تبدو تجربتها السياسية رد فعل أكثر منها فعل.

نقول إنها رد فعل لأنها لا ترسم خطاً استراتيجياً لنموها السياسي، فتعيق بعقلية تمرير المراحل، أو الاندراج على ما سبق إمكانية أن يتحول تطورها السياسي إلى مادة لها، فإذا بها مادة عليها تفرض عليها من الخارج.

فكما كانت منظومة (الدولة) كهوية سياسية عالمية بعد الحرب العالمية الثانية هي السمة التي فرضت على المنطقة فرضاً في سياق توحيد المنتظم السياسي، فإن الديمقراطية هي الهوية السياسية العالمية التي يتم الآن فرضها في سياق توحيد الهوية السياسية في المنتظم السياسي، بعد أن توافقت أوروبا مع (الايديولوجيا) الديمقراطية التي حملها جورج بوش مبشراً في ولايته الثانية في أول زيارة له إلى أوروبا بعد الحرب على العراق، ليعلن من بروكسل أنه توافق مع أوروبا على نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي . وبغض النظر عن نوعية الديمقراطية في مجتمعات متخلفة وما قبل صناعية، فإن هذا السياق التوحيدي الموجه بالذات إلى المجتمعات العربية بالدرجة الأولى، يشكل استعادة للحظة فرض الدولة على العرب بدءاً من مرحلة الاستقلالات العربية إلى السبعينيات من القرن العشرين حيث غدت الجماعات الخارجة عن الدولة مرذولة وخارجة عن السياق فصفيت الأولوية الحمراء والجيش الياباني ونظيره الإيرلندي... وصولاً إلى اعتبار أن حركات التحرر العالمية إرهاباً في مطلع القرن الواحد والعشرين، في مخالفة واضحة لشرعة الأمم المتحدة والقانون الدولي، ذلك أن (المقاومة) قد باتت مفهوماً من الماضي أي من ميراث الحرب العالمية الثانية.

بين الدولة والديمقراطية، أي بين منتظمين ُموحدين للعالم خلال أكثر من خمسين عالم هم الفاصل بين الحرب العالمية الثانية ولحظة سقوط البرجين في 11 أيلول /سيتمبر، عاش العرب على مجموعة من المفاهيم التي كرست رد فعلهم وتحول سياستهم إلى (مفعول به) على أنقاض سياسات الآخرين. ففي تلك الفترة نبعت أفكار تم التأثر بها من تجارب إيديولوجية عالمية كالاشتراكية والشيوعية والفوضوية والوجودية والمادية وحروب الأنصار (العصابات)... وكان الواضح أن سمة رد الفعل هي السمة الأكثر أهمية وبروزاً.

اليوم تنداح في المنطقة العربية رياح الديمقراطية، التي ستنصاع لها الدول إن بالمكاسرة أو بالقبول المذعن أو بالقوة، فلا بديل من ذلك مادامت الولايات المتحدة الأمريكية قد توافقت مع أوروبا على ذلك في لحظة غياب روسي وانشغال صيني

في هذا المقال محاولة لقراءة مختلفة لقضية الديموقراطية، فالرياح التي تهب تحت مظلة مفردة الديموقراطية لم تعد لغة للمحافظين الجدد فحسب، كلغة إيديولوجية، بل أصبحت بعد زيارة بوش لأوروبا نقطة تقاطع بين أوروبا وأمريكا.

صحيح أن كلا الطرفين يفهمها بطريقته، ولكن الخلاف هو على (الفويرقات NUANCE)، التي لا تعني أن اندياح لغة الحريات وتداول السلطة لن يكون هو لغة العالم لتشكيل الهوية العالمية للدول، مثلما كانت (الدولة) هي الهوية التي تم التوافق عليها بعد الحرب العالمية الثانية كقاسم مشترك أعظم في المنظومة الدولية.

كان الخلاف بُعيد الحرب العالمية الثانية على مساحة الدولة ودورها في لعبة الأمم، لكن الاتحاد السوفياتي الذي أغرق العالم (إيديولوجياً) بلغة (الجماهير)، لم تمنعه ديكتاتورية البروليتاريا الافتراضية، التي كان من المفترض نظرياً أنها ستنهي الدولة، من أن يصنع دولة أشد صرامة من الدولة (الرأسمالية) التي انقض عليها ذات يوم باسم (استقصاءMaximize) الديمقراطية طلباً لحكم الأكثرية القصوى وهي البروليتاريا؟!. فكانت الدولة الشمولية القامعة، وذهبت البروليتاريا ضحيتها!.

إذاً، لم يكن الخلاف على الدولة كهوية إنما على فويرقات في الدولة!. صحيح أنها كانت رياحاً عاتية هبت على العالم كله سبعين عاماً إلا أن أحداً من الطرفين (الاشتراكي والرأسمالي) لم يختلف على قواعد اللعبة المرسومة بعد الحرب العالمية الثانية وهي الدولة والواقعية السياسية ومنع الانفجار بين الكبار...

اليوم، الرياح نفسها تهب ولكن باسم الديمقراطية التي جبلت بالحريات، وأصبح واضحاً أن الفويرقات بين أوروبا وأمريكا لا تمنع من الإعلان عن التوافق على نقل الديمقراطية كهوية سياسية لعالم ما بعد 11 سبتمبر إلى العالم وتحديداً إلى العالم العربي والإسلامي، لأنهما في توصيف المحافظين الجدد يعيشان الإرهاب لأنهما يعانيان من الطغيان!.

ومهما كانت الملاحظات التي تتأتى عن عقل بارد وتاريخي والتي ترى بأن الديمقراطية لا يمكن أن تتحقق بدون مستوى اقتصادي وبدون تحقيق الدولة ـ الأمة وبدون تعيين مفهوم المواطن... أي بدون الدولة الحديثة لن تكون هنالك ديمقراطية حقيقة وأن النموذج الديمقراطي في بلداننا العربية سيكون تعبيراً عن الأكثريات المجتمعية (الطائفية، الدينية، العشائرية، الأثنية، المناطقية، الحاراتية..) أي كاريكاتير ديمقراطية، مهما كانت هذه الملاحظات فإن أحداً لن يتوقف عندها لأن الدولة التي نشأت في بلداننا العربية بعد الحرب العالمية الثانية تيمناً بالهوية العالمية (أي الدولة) كانت في أغلبها (كاريكاتيرات دولة).

صحيح أن الشعوب والنخب ستفرح فعلياً (وهذا حقها) بالحريات: بالقول والتظاهر... ولكن (المصالح) التي هي عماد الدول وبين الديمقراطية ستكون في مكان آخر. وإذا ما كانت الديكتاتوريات قد حكمت مستغنية عن شعوبها بإدارة الظهر لها، فإن الديمقراطيات لن تستغني عن شعوبها، لأنها ستتحول (أي الشعوب) إلى مجرد... أصوات!!!. فهذه هي مشكلة الديموقراطيات التمثيلية كما يقرها كلُّ الباحثين الجادين وعلى رأسهم آلان تورين.

في جوهر القضية ستختلف اللغة، لكن المصالح هي التي ستحدد آليات اللعبة. (وبدون أوهام) نحن ننصح انطلاقاً من عقل بارد سياسي، يتمنى الحريات في وجدانه، وبنفس الوقت يتمنى الاستقرار لدول المنطقة العربية، أن يسارع الحكام لاغتنام الفرصة والدخول في لعبة الديمقراطية، أقله كي ترضى الشعوب والنخب بالحريات العامة، وأكثره كي تبقى الدول مستقرة. فالمسألة السياسة في النتيجة النهائية تكمن في ثنايا المصالح. ومن يقرأ المعادلة جيداً، يوفر على نفسه وعلى شعبه الكثير من الرياح العاتية. صحيح أن دولاً غير ديمقراطية يُغض الطرف عنها ليس فقط لأنها مواليه لأمريكا وحليفة للغرب ولكن لأنها (طرفية) في المعادلة الإقليمية ـ الدولية، إلا أن هذا لا يعني أن الدور لن يأتيها ولكن بعد حين، أما الدول المركزية فسواء أكانت موالية أم غير موالية فإنها (مطلوبة) إلى الديمقراطية.

تعلمت في حياتي الكثير من العبر المأزقية أقلها إن دعيتَ إلى التعقل في فهم الديمقراطية والتعامل معها بدون أوهام كتلك الأوهام الخلاصية التي سادت في الستينيات والخمسينيات من (الوحدة) و(الاشتراكية) و(الصراع الطبقي)... فإنك ستخسر النخب ذات العين الواحدة والمفجوعة بالحرية وكرامتها وأحلامها وآدميتها، وإن أنت مضيت في الدعوة إلى الديمقراطية على عواهنها، فإن المتحجرين المتمرسين في السلطة سيستعدونك، وبالخلاصة فإنك على الطريقين خاسر. فأنت بين أصوليين؟!!.

لسوء الحظ، المنطقة العربية، وفي أغلب بلدانها تبدو تجربتها السياسية رد فعل أكثر منها فعل. نقول إنها رد فعل لأنها لا ترسم خطاً استراتيجياً لنموها السياسي، فتعيق بعقلية تمرير المراحل، أو الاندراج على ما سبق إمكانية أن يتحول تطورها السياسي إلى مادة لها، فإذا بها مادة عليها تفرض عليها من الخارج.

فكما كانت منظومة (الدولة) كهوية سياسية عالمية بعد الحرب العالمية الثانية هي السمة التي فرضت على المنطقة فرضاً في سياق توحيد المنتظم السياسي، فإن الديمقراطية هي الهوية السياسية العالمية التي يتم الآن فرضها في سياق توحيد الهوية السياسية في المنتظم السياسي، بعد أن توافقت أوروبا مع (الايديولوجيا) الديمقراطية التي حملها جورج بوش مبشراً في ولايته الثانية في أول زيارة له إلى أوروبا بعد الحرب على العراق، ليعلن من بروكسل أنه توافق مع أوروبا على نشر الديمقراطية في العالمين العربي والإسلامي.

بين الدولة والديمقراطية، أي بين منتظمين ُموحدين للعالم خلال أكثر من خمسين عالم هم الفاصل بين الحرب العالمية الثانية ولحظة سقوط البرجين في 11 أيلول /سيتمبر، عاش العرب على مجموعة من المفاهيم التي كرست رد فعلهم وتحول سياستهم إلى (مفعول به) على أنقاض سياسات الآخرين . اليوم تنداح في المنطقة العربية رياح الديمقراطية الإيديولوجية!. التي ستنصاع لها الدول إن بالمكاسرة أو بالقبول المذعن أو بالقوة، فلا يبدو أن هنالك مجالأ للحديث عن الفروق الواقعية بين الدول وخصوصياتها، مادامت الولايات المتحدة الأمريكية قد توافقت مع أوروبا على ذلك في لحظة غياب روسي وانشغال صيني.

إن الانتقال إلى الديمقراطية هو أمر ضروري، وربما، كما قلنا سابقاً، سيأتي ضمن عملية الديمقراطية كهوية سياسية معولمة، لكن الانتقال يجب أن يكون في سياق التطور بالدولة وليس بالإطاحة بها ويجب أن يتم المرور، أو الاكتفاء على الأقل بمضمون مراحل، دولة القانون ودولة المؤسسات قبل الشروع في دخول الديمقراطية كمشروع سياسي. هنا نحذر من أن الديمقراطية هي مشروع سياسي وليست مجرد فعل (حرية) كما يتوهم كل الناس العاديين وجل المثقفين، إنها (نظام سياسي) كأي نظام سياسي آخر، يجب أن يأتي على حامله (سياسية) وهي هنا الدولة... وليست الحرية. ففكرة الحرية لا تتضمن البعد الديموقراطي باعتباره، كما سنرى، يشترط النظام بالمعنى السياسي والتمثيل وفكرة المواطنية . منذ البداية، نعاود التأكيد على أننا مع الديموقراطية ولكن مع إدراك أن الديمقراطية هي نظام سياسي، وبدون هذا النظام، كحاملة تأتي بها وتصونها، لا يمكن ـ فعلياً ـ أن نتخيل إمكانية حقيقية لفعل سياسي.

بكلمة وبدون خسارات: هبت رياح عاتية ـ أيها السادة ـ تحت عنوان (الديمقراطية) وعلى الجميع أن يتعاملوا معها إن إجلالاً أو واقعياً. نقول يتعاملوا معها من موقع الرؤية الباردة الهادئة والواقعية، أما نحن كمثقفين فلن نكون أكثر من شهود، والأهم ألا تدفع الشعوب والدول ثمن التحولات القسرية من أمنها واستقرارها ونموها، وباختصار يجب زيادة سرعة التحرك نحو الحريات العامة، لأنها البادئة نحو نزع فتيل قنبلة لا يتم توجيهها إلاً علينا، إذ علينا التفاعل معها إن لاعتبارات أخلاقية أو سياسية... أو واقعية.