العدد التاسع-آذار2006

الدين هو المظلوم الأكبر في الدولة الدينية-السياسة تقود الدين

نذير الحموي
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

يعتقد أصحاب الدعوة إلى قيام الدولة الدينية خطأً أن الدين سيكون العامل الأساسي في قيادة الدولة حين قيامها وأنها سترتكز على الأسس التشريعية في محاكاتها لعلاقاتها الداخلية والخارجية.. ومهما حاول منظرو هذه الدعوة (الدولة الدينية) إثبات نظريتهم ودعمها بالحجج والبراهين فإن ما بين أيدي الجميع ما يثبت عكس ذلك وأن الدولة الدينية لم تقم حقيقة كما يدعون إلا في فترة وجيزة جداً، ولم تتعد فترة وجود النبي محمد (ص) ولذلك أسبابه ومبرراته من حرارة الدعوة ووجود مبلغها وحرارة الدماء التي نزفت على مذبح تثبيت الدعوة. وهي لم تكن دولة بالمعنى العلمي والسياسي المتعارف عليه بقدر ما كانت حالةً من تجميع قوى متناثرة متنافرة استطاع محمد (ص) بعبقرية هائلة جمعهم ضمن بوتقة واحدة وترك لهم أمر الاستمرار في تصريف أمورهم، وبعد انتهاء عصر النبوّة بدأت التناقضات بين السياسة والدين ولنر ذلك عبر المثال التالي:

شاع خبر وفاة النبي محمد (ص) بين أهل المدينة فكان مثل الزلزال بين العامة لكن الخاصة منهم، والذين لهم أطماع سياسية، انتبهوا للمسألة مباشرة ونهضوا لبلوغ إرث كبير يحمل وعوداً سلطوية هائلة بين طياته، وكانت سقيفة بني ساعدة الأكثر شهرة بين الأماكن التاريخية، ولنر كيف سارت المناقشات السياسية داخل تلك السقيفة حيث اجتمعت كلمة الأنصار على تأمين سعد بن عبادة سيد الخزرج على خلافة النبي (ص) وكان له من يحسده ويريد صرف الأمر عنه منافسة له في السيادة وهما بشير بن سعد بن ثعلبة وأسيد بن حضير سيد الأوس يساعدهم عويم ابن ساعدة ومعن بن عدي حيث سار الأخيران إلى أبي بكر وجلباه مع عمر إلى السقيفة فحضرا وقام خطيب الأنصار قائلاً:

أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم ـ يا معشر المهاجرين ـ رهط منا وقد دفّت دافة منكم تريدون أن تختزلونا من أصلنا وتحضنونا من الأمر.

فردّ أبو بكر: أما بعد.. فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله. ولم تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسباً وداراً.

لنقف عند هاتين الكلمتين، لا يجد القارئ في كلا الاحتجاجين ولو نظرة واحدة بتلميح عن مصلحة الجماعة فضلاً عن خلوهما من التصريح فأما الأنصار فقد أرادوا من الخلافة مكافأة وتعويضاً عن نصرهم للدعوة وصاحبها وهم يذكرون المهاجرين بأنهم قلة ضعيفة نزحت إليهم ولا يحق لهم من الأمر الذي يتنطحون إليه وكذلك لا يخلو الأمر من التهديد مع الحذر، أما مقولة المهاجرين على لسان أبي بكر فهي اعتراف بفضل الأنصار وحقهم ربما لكن المسألة انحرفت إلى زاوية أخرى وهي زاوية النسب والقربى والتصديق حيث قلّ المناصرون المصدقون وتذكير بما لقريش من شأن بين العرب، وهو لا يخلو من التهديد مع الأخذ بشيء من الحذر.

هذه الواقعة تضعنا أمام أمر واحد لا ثاني له، إذا كانت هناك دولة فلا بد من آلية لخلافة رأس هذه الدولة والعرب اعتادت أن يكون لها رأس على كل قبيلة فكيف إذا أصبحت دولة. ورُبَّ قائل إن الترتيب الذي جاء به الخلفاء منصوص عليه وهذا الأمر مخالف للنقل والعقل مهما حاول أصحابه إثباته وادعاء ثبوته، إذ كيف يعقل أن يكون ذلك ويقوم الأنصار بالعمل خلافه وهم كتيبة الإسلام ومناصرو رسول الله إلى حين وفاته وكيف يخرج بنو هاشم جميعهم مع خيرة المهاجرين والأنصار على الأمر المنصوص فإن صح الأول حكم على المخالفين بالتمرد والخروج على أوامر النبي وهذا محال لأن فيهم خيرة الصحابة، وإن صح الثاني فإن هذه القبيلة الكبيرة ترك لها أمر تصريف شؤون دنياها وهو الأصح.

إذاً.. إن الإسلام دين ووسيلته كانت هيكلية دولة وليست غايته وليس أدل على ذلك إلا أن الدولة من شؤون الدنيا والنبي صرح أن دنياكم أنتم أعرف بها.

وتالياً، فإن مصالح وأطماعاً سياسية لقادة الأنصار بشقيهم والمهاجرين هي التي دفعت لهذا النهج الذي لا أصل شرعياً له وتم اختيار الخليفة.

والمصالح السياسية عينها تابعت هذا الموضوع حتى لم يصلنا رأي هذه المعارضة والذي وصل منه عمل عبر قرون على تشويهه والحطّ من قيمته علماً أنه قد يكون هو الصواب شأن كل المعارضات عبر التاريخ.. بعد استتباب الأمر عملت الزعامات الجديدة التي طغت على سطح القيادة على إخضاع الأمر وإدخاله في دائرة الدين فبين محلل وبين مدافع معتذر وبين متحجر لا يقبل النقاش ويعتبره كفراً. فأما المحللون فقد وضعوا الكلام حتى على لسان النبي محمد (ص) ليبرروا ما حدث فأوقعوا أنفسهم في كثير من المتاهات من الردود والردود المقابلة،.. وأما المدافع المعتذر فقد رأى أن الأمر قام حقناً للفتنة وإقامة مصلحة الجماعة وقد بينا أن الأنصار والمهاجرين لم ينتبهوا لمصلحة الجماعة من أي باب كان وأهدافهم كانت واضحة من خلال كلامهم. أما المتحجر فهو الذي اعتمدت عليه الحكومات الإسلامية المتعاقبة في تثبيت دعائم حكمها شعبياً فقد أدخل في عقول المتحجرين أن الأمر شرعي وحدث بالشورى، وأن الخليفة منصوص عليه في الحديث والقرآن بطريقة من الطرق فكان هؤلاء وقود كل معركة تحركها القيادات متى شاءت لمحاربة الزنادقة الذين يريدون شق عصا المسلمين، هكذا أُخضع الدين للسياسة وسارت قوافل السياسة تشق غبار السنين التي أثقلت بالمذابح والحروب، ورجال السياسة يقرّبون منهم رجال الدين الذين يوافقون هواهم، ويدعمون من يدعم آراءهم ويرفعونهم إلى مصافي القديسين حتى يحملوا العامة على اتباعهم وهذا سائر إلى يومنا هذا. إذاً السياسة أولاً ثم الدين.

إذا طوينا الصفحة الأولى في الخلافة الإسلامية فإننا نجد آلية سياسية جديدة في الخلافة الثانية حيث عهد الخليفة إلى تنصيب خليفة عنه فلا هي شورى بينهم ولا هي سنة نبي متبعة بل رأي فردي ارتآه الخليفة بالنيابة عن الجماعة الإسلامية كلها فقدم رأيه في إدارة الجماعة على الدين، وهكذا فسياسة أبي بكر أخضعت الدين وصنفته ثانياً مع طي الصفحة الثانية نطل على الفصل الثالث فنرى الخليفة عمر يختصر المسلمين جميعاً بستة أشخاص ويضع آلية خاصة بهؤلاء وإن اتفق خمسة ضد واحد يقتل السادس، وإن انقسموا إلى نصفين يختار مَنْ كان ابن عوف معهم، إذاً المسلمون ومصيرهم علّق بشخص ابن عوف.. وهكذا فإن السياسة تفرض نفسها ورأي الفرد هو السائد وقبل كل شيء.. في هذه الصفحات السابقة، نتلمس ديكتاتورية الحاكم المطلق فالديكتاتور يضع القوانين ويستثني نفسه ويقنع أتباعه بصحة الممارسة فالخليفة الأول الذي نصب في ظرف استثنائي أوصى بالخلافة لمن بعده دون العودة للطريقة التي اعتلى السلطة بها لتكون طريقة فريدة خاصة به والخليفة الثاني أوجد طريقة جديدة تجعل ولايته ذات طابع خاص فهما لم يتركا الجماعة الإسلامية في الخيار في شؤونها إنما خرجا من الدنيا وقد تركا بصمة في مرحلة قادمة. إذاً لم يعد مكان للدين وإنما للسياسة وهي التي تأخذ بعنان الدين وتخضعه لرؤيتها من خلال فردية ديكتاتورية مطلقة، أما الصفحة الثالثة من الخلافة الإسلامية فقد شهدت انفجار ما سبقها من مراحل فاتساع رقعة الدولة وتفاعل المسلمين مع الثقافات المحيطة والتي نزلوا بين ظهرانيها دفعاً الناس إلى الثورة على الخليفة وطريقة وصوله إلى الحكم والطعن بأهليته للقيام بدوره كحاكم حتى قتل في عقر داره وبين يدي زوجته ولم يكن الأمر دفاعاً عن الدين بقدر ما كان نصرة لمصلحة الشعب الذين ازدادت مطالبهم في الخروج على دائرة القبيلة الكبرى لتأسيس دولة حقيقية والخروج من تحت وطأة حكم العائلة التي فرضها الخليفة.

بعد مقتل الخليفة عثمان تركت الجماعة الإسلامية كما في المرة الأولى رأساً، لكن هذه المرة على خلاف ما حدث أجمع المسلمون جميعاً على بيعة الخليفة الرابع وسلم عليه أهل المدينة ومن حضر بالخلافة لكن الظرف أصبح مواتياً لظهور الأطماع السياسية بشكل سافر فأمراء حرب الجمل تزاحموا للبيعة لينتفضوا ويسيروا الجيوش في وجه الخليفة فإن قيل لنصرة الدين فهذا غير صحيح لأنه لم يكن أحد أقوم من الخليفة علي في الدين، لكنها السياسة التي راح ضحيتها آلاف المسلمين وقطعت آلاف الأيدي وما أن هدأت حتى قام طامع آخر ذو مصلحة سياسية هائلة بعد أن قضى عشرين عاماً في قصور دمشق وعرف أسرار الحكم وحلاوة السياسة وبرع في إدارة الدولة حيث عمل على إقامة حكم ذاتي طوال عشرين عام فلم يكن من السهل عليه ترك الأمر لغيره وهو يعلم أن الخليفة إن استتب له الأمر فلن يبقيه فكانت خير وسيلة عنده للدفاع الهجوم فشن حرباً لا تقل عن الأولى وسالت دماء المسلمين نصرة للسياسة وأطماع أفراد لتأسيس الملكية وتنتقل الجماعة الإسلامية من مرحلة القبيلة الكبرى إلى مرحلة المملكة المترامية الأطراف حيث أصبحت دولة حقيقية يحكمها ملك مستبد يورث العرش لأبنائه بعيداً عن كل ما سلف من أشكال. فأين النصوص وأين الدولة التي يدّعون أنها قامت وهل أصحاب هذه الدعوة يريدون أن ينقلونا إلى الصفحة الأولى أم إلى ما بعدها أم يريدون إعادتنا يعيدونا إلى الملكية المقدسة التي استمرت حتى سقوط الدولة العثمانية.

وما جرى بعد مقتل الخليفة الرابع لا يمكن حصره بصفحات من خروج وتجاهل لنصوص الشريعة بل وإنكار وتزوير وتحوير في سبيل الاحتفاظ بالعروش وتسيير الجيوش خدمة لها. وافتعال الحروب الداخلية بين قبائل العرب وكمّ للأفواه وإزهاق أرواح المعارضة من معتزلة وشيعة وغيرهم باسم الدين.

هكذا نرى أن السياسة هي دين الدولة دائماً، ولا دين لها سواه، وهو دين المحافظة على مكاسب السلطة، والدين ليس سوى المظلوم الأكبر في معادلة الدولة الدينية.