العدد التاسع-آذار2006

أكمةُ الدانمرك

علي يوسف
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

بالكاد كان يمر ذكر الدول الاسكندنافية على بال الشارع في العالم العربي والإسلامي.. فباستثناء احتضان النرويج لاتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وقتل الكونت برنادوت السويدي في القدس على أيدي العصابات الصهيونية سنة 1948، يرتبط اسم تلك الدول في ذاكرتنا بشركات الألبان الدانمركية والهولندية (والتي تذكرنا بعجزنا حتى في الصناعات الزراعية والتي يفترض أن تكون على سوية عالية في بلادنا)، وبأجهزة نوكيا وأريكسون الخلوية، وبلاعبي وفرق كرة القدم.

والمهتم فقط هو من يعرف أن السويد كانت مسرحاً لعملية تهجير منظمة إليها بحق مسيحيي الشمال السوري والعراقي، مقابل المسرح الألماني المخصص للأكراد.

الدول الاسكندنافية من أعلى الدول في العالم من ناحية دخل الفرد، وهي من أكثر الدول تقديسا لحرية الفرد، ويندر أن نسمع فيها عن مشكلات اقتصادية أو اجتماعية.

وبالرغم من أن لا مبرر على الإطلاق لقيام أية جهة كانت بالإساءة إلى أي رمز عالمي، وضرورة التعامل بحذر واحترام شديد مع العقائد التي لا تتعارض مع تكافؤ البشر أخلاقيا واجتماعيا (ومنها الإسلام ونبيه محمد)، فإن اختلاف الثقافات وطرائق التفكير جعل من نشر صور مهينة للرسول الكريم محمد في صحيفة يولاندس بوستن الدانمركية أمراً دافعاً لحملة استنكار عنيفة في العالم الإسلامي كان أشدها (حتى كتابة هذه السطور) ما يجري في بيروت ودمشق من إحراق سفارات وقنصليات (وهو ما يتعارض مع فكر الرسول الكريم محمد الذي أوصى بصيانة حياة وحفظ أمن رسل الدول).

وضمن حالة الاستنكار كانت الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الدانمركية أمراً موافقاً لمزاج الشارع المحتقن أساساً من الظلم الغربي له. فالانحياز الأمريكي الكامل لدولة العصابات الصهيونية، واحتلال العراق والتعامل معه من قبل القوات المحتلة بطريقة أدنى من قروسطية، واستنكار الغرب لنتائج العملية الديمقراطية السلمية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتعامي هذا الغرب عن ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية مقابل هجومه العارم على المشروع النووي الإيراني (بالرغم من تأكيد وضمانات إيران أنه مشروع سلمي)، والطريقة العنيفة التي تعاملت بها الحكومة الفرنسية مع انتفاضة أبناء الضواحي المسلمين، كل ذلك وغيره أنتج أن هذا الشارع جاهز لأي معركة مع أي جهة من هذا الغرب.

الشارع المسلم يعتقد أن الغرب كل متجانس، لذلك يرسخ بذهنه أن هذا الغرب قد عاقب غارودي وفوريسون وغيرهم من مراجعي التاريخ الجدد لأنهم تجرؤوا على رفض الصورة الغربية عن حجم المحرقة.وهو يعلم أن مَنْ أهان القرآن في غوانتانامو وأبو غريب بتلويثه بالبول، ومَنْ هدد بحرق مكة (مركز العبادة في الإسلام) هو من هذا الغرب. كما أنه يعتقد أن اليهود ما كانوا ليتجزؤوا على التهديد بتدمير المسجد الأقصى (ثالث المواقع الإسلامية أهميةً) لولا دعم الغرب الأمريكي اللامحدود لـإسرائيل، أضف إلى ذلك صمت الغرب المطبق أمام انتهاكات حقوق الإنسان التي تقوم بها روسيا أمام مطالب الشيشان بالاستقلال..

الشارع المسلم يرى أن هذا الغرب يتعامل معه كإنسان درجة ثانية، لذلك ليس غريباً أن ينقاد هذا الشارع لأية معركة معه قد تكون مختلقة ومصنوعة سابقاً، لتأكيد نظرية المحافظين الجدد في صدام الحضارات، وتأكيد الصورة النمطية التي تقدمها الدوائر اليهودية عنه لتبرير تصرفات العصابات الصهيونية في فلسطين.

مظاهرة بيروت نتج عنها اعتداء على كنيسة، وفي مظاهرة دمشق اعتدت امرأتان منقبتان على امرأة سافرة، وفي تركيا اعتدي على كاهن كاثوليكي، وبالمقابل قامت صحف أوروبية في دول متعددة بإعادة نشر الصور المسيئة على نحو يبدو كحالة تضامن مع تلك الصحفية، وبالرغم من أن حالات الاعتداء فردية ومستهجنة من الشارع المسلم نفسه، ومن أن الصحف التي أعادت نشر الصور هي معدودة، فإن أكثر الناس سعادةً بذلك هو صموئيل هنتنغتون ليؤكد نظريته بالتصادم الحضاري بين الغرب المسيحي والشرق المسلم.

يقع على عاتق القوى الحية في المجتمعات ذات الطابع الإسلامي ترسيخ فكرة وحدة الحياة في المجتمع بكافة تنوعاته وأطيافه واختلافاته الدينية والفكرية لمنع مخططات المحافظين الجدد من المرور إلى مجتمعاتهم.

أما المثقفون الإسلاميون فبقدر ما عليهم من مهمة امتصاص الصدمة وخلق حوار فعال وحقيقي مع قوى غربية بقصد توضيح خصوصية العقل الإسلامي (تجاه نظرته إلى رموزه ومقدساته)، كذلك من الجميل تقديم مشروع بديل لصدام الحضارات، من مكوناته المشروع الإسلامي القائم على التفاعل بين الشعوب والذي تجسده الآية القرآنية (يَا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات ـ 13، ولا ننسى أن المنجزات الحضارية التي قامت خلال الدولة الإسلامية ساهمت بها جميع أطياف تلك الدولة من مسلمين وغيرهم، ولدينا من الأمثلة الكثير.

كما أنه من المفيد قراءة رسالة السيد كارستن يوسته رئيس تحرير صحيفة يولاندس بوستن التي يقدم فيها اعتذاره لمسلمي الدانمرك والعالم، واستنكاره واستنكار الصحيفة لأية خطوة تستهدف النيل من أديان أو قوميات أو شعوب معينة، ويوضح أن ما حصل هو سوء تفاهم ناتج عن اختلاف الثقافات وأنهم في الصحيفة يعلمون على إزالته من خلال الحوار مع مسلمي الدانمرك.

بالحوار الحضاري بين الشعوب تُبنى جسور التفاهم، ويُزال الخلل، وعندها لن تبقى أكمة الدانمرك تخفى وراءها أي مشروع عدائي صدامي يقابله مشروع عدائي صدامي مضاد، عدا ذلك ما على العالم إلا أن ينتظر الخراب الذي لن يرحم أحداً.