العدد التاسع-آذار2006

في دلالة حدث الرسوم المسيئة للرسول (ص)

السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

في دلالة الرسوم الموجهة للإساءة إلى الرمز العربي والإسلامي المتمثل بالنبي محمد (ص) يتداخل الأنا (الذات) والـ (هو) الآخر ليشكلا خطاباً اشتباكياً لا حوارياً وربما هذا هو بيت القصيد الذي تطمح إليه الرسوم الكاريكاتورية لتسميم السلام والتفاهم بين الغرب والعالم الإسلامي بعامة والعربي بخاصة. ويحمل هذا الخطاب في طياته أيضاً تقصير الأنا وجهل الآخر أو تجاهله لأسباب كثيرة لما يشكله النبي محمد (ص) للعرب والمسلمين والإنسانية. فنحن أولاً نجهل حضارتنا ولم نمارسها كإبداع وسلوك، ولم نستوعب ما فيها من رموز للحق والخير والجمال والتي إجمالاً كرمت الإنسان وجعلته قيمة مطلقة ربما أكثر من أي حضارة أخرى وكرمنا بني آدم على العالمين وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا فنحن الآن نقزم الإنسان ونضطهده من المهد إلى اللحد، ونمارس عليه شتى حالات القمع والظلم والاغتراب.

وما أكثر الخطابات التي تمجد العدل والمساواة قولاً لا فعلاً، فإذا كانت هذه حالتنا الراهنة.. ليس فيها إلا (صخب وجعجعة بلا طحين) فكيف نوصل رسالتنا ورسالة نبينا للعالم، هل نقول لهم كما هي عادتنا في كل مرة نواجه فيها أي مشكلة مع الغرب مهما كانت صغيرة؟ ارجعوا إلى كتب التاريخ فنحن أحفاد العلا.. أم الجواب سلوك وممارسة ووقائع وأحداث تراها العين وتسمع بها الأذن!!

إن أول ما توحي به هذه المسألة هو التقصير، تقصيرنا على صعيد النفس كعرب ومسلمين من حيث السلوك والانطباع الذي نتركه لدى الآخر وعلى الصعيد العالمي بالتعريف بمكنونات حضارتنا عن طريق الحوار ومراكز البحث الثقافي التي نفتقر إليها، رغم حضورها الكثيف في خطابنا الثقافي والسياسي المحلي، دون أن نكتشف العلاقة بين التراث وحركة الواقع الاجتماعي واستيعاب قيمه النسبية في عملية تحفيز النهوض والتقدم، ورغم تغير الظروف التاريخية لم نستطع الخلاص من البنى المؤسسية الرثة إلى أشكال جديدة ملائمة أو نؤسس على الجانب الأخلاقي المهم في هذا التراث، قواعد سلوك ملائمة للعصر..

هذا جانب والجانب الآخر تلك الصورة التي كوَّناها عن أنفسنا وقدمناها للعالم. لاشك في أنها تنعكس على الماضي فتجعل من صورة الحاضر هي صورته، فعندما يكون الحاضر زاهياً بالإشعاع الفكري فإنه ينعكس على الماضي ويبرز الجوانب المضيئة فيه، والعكس صحيح عندما يكون الحاضر قاتماً ينسحب على الماضي ليشكلا معاً كتلة صماء سوداء في أعين الغير.

إن هذا الاشتباك بين الخطابين انطلق بتقديري من نقطتين:

ـ جراء اختلاف بين الثقافتين أي بين تنشئة دينية وثقافية وأيضاً سياسية وبين تنشئة لا يسيطر عليها الدين كثيراً، ونظام حكم علماني (والعلمانية تعني الاحتكام إلى معايير مادية وعقلانية دنيوية) حتى أن الدين نفسه في المجتمعات الغربية لا تُضفي عليه القدسية ولا يخرج من نطاق الدائرة الفردية الشخصية، بينما الدين في المجتمعات العربية والإسلامية يفعل فعله في كل مجالات الحياة، بما فيها ردود أفعالنا.

ـ سوء تقدير الموقف الناتج من جهل الآخر أو تجاهله لما يشكله النبي محمد (ص) كقائد ديني ودنيوي بكل معنى الكلمة أعطى في حدث النبوة لتشكل الحضارة العربية والعالمية غنىً وقيماً إنسانية عظيمة.

أخيراً، لا جدوى من صياحنا وعويلنا وكسر زجاج النوافذ ولا جدوى من التوتر لأنه لا يحل مشكلاتنا المتورمة في جملتنا العصبية. لنصور الأمر كأنه حروب صليبية يشنها الغرب على الإسلام، وهي في الواقع حرب سياسية وإعلامية مليئة بالمصالح المختلفة للدول والتيارات السياسية والايديولوجية ونحن ساهمنا فيها بشكل أو بآخر ولكن هذا لا يعفي الإعلام الغربي من المسؤولية كجهاز خطير أصبح يشارك في المتغيرات الدولية وله في بعض المواقف توجهات إعلامية غير موضوعية، وإن هذا الاستفزاز يغذي الجماعات والتيارات الفكرية الشوفينية هنا وهناك وتعميم الفوضى لخلط الأوراق.

وكما أن الغربي أعطانا صورة نمطية ساعدناه في تكوينها هي صورة الإنسان البيولوجي معدة وجنس وشعوذة دموية يأسف المرء لهذه الصورة نحن أيضاً رسمنا له صورة نمطية في ذهننا صورة الرجل الآلي الجاحد لقيم كل الحضارات ما عدا حضارته، وكما أن ذاك الغربي يمارس الاستعلاء كمنتج حضارة استفادت منها البشرية بشكل أو بآخر مركنا إلى منظومة أخلاقية وضعية ساهمت في قوة البشرية نحن أيضاً مارسنا هذا الاستعلاء ولكن المركون على الماضي وليس الحاضر والحاضر دائماً هو المقرر، هكذا في كل مرة نحاول تزوير واقعنا وتزوير الواقع الغربي في أذهاننا رغم معرفتنا به إذ وضعنا الغرب في سلة واحدة كما هو وضع كل المسلمين في سلة واحدة وحكم عليها بالموت.

يبدو أن علينا تحسين صورتنا ـ طبعاً ليس بالمكياج ـ ولكن بالتعلم من التاريخ وتجارب الشعوب ومن المخزون الثقافي العربي للمساعدة في حل مشكلاتنا ولزحزحة التخلف المتوارث من عصور لدرجة أن بعض من يحملون الشهادات العالية في التحصيل العلمي يقوّمون الدولة برأسها أو بسلطانها فإذا ما كان السلطان عادلاً تسير الأمور على ما يرام وتحل مشكلاتنا وعقدنا وفي هذه الحال أصبحنا نشكك بجدوى كل شيء خارج مفهوم السلطان العادل بما فيها الأحزاب والنقابات والجمعيات.. دون أن نعرف الدولة مؤسسات أولاً وقبل شئ وفصل سلطات.. وليست أفراداً وفئات، هذه الذهنية كانت السبب في فشل أي عمل جماعي وتعاوني حتى في مباراة رياضية جماعية، لكنها ربما تلقى النجاح في بالألعاب الفردية.

مما يشير ذلك إلى الخلل الكبير في التربية والتثقيف والتدرب على العمل التعاوني الجماعي في مجتمعنا.

إنه ليس جَلداً  للذات، هو واقع معيش رسمناه بأيدينا، فضيعنا به الأول والأخير من نكبة فلسطين (1948) إلى هزيمة (1967) إلى احتلال العراق إلى استهانة الغير برموزنا. كأننا معنيون بقول الشاعر من يَهُن يسهل الهوان عليه..... لم يعد هناك شيء مستور في ثورة الاتصال والمعلوماتية نعيش مآسينا صباح مساء حتى في الأحلام، ونرسم صورة باهرة لأنفسنا لكن واقع الحال يقول إننا مازلنا واهمين، وفي كل يوم تأكل الحرائق طرفاً من الثوب ونحن لاهون، حتى وصلت النار إلى العظم، وبدل إطفاء الحرائق نرش عليها ما يزيدها اشتعالاً، إذ في الأحداث والملفات المفتوحة في الصراع الدائر بيننا وبين الصهيونية والولايات المتحدة كنظام يضاف السابق من فشلنا إلى اللاحق، ويكون أسباباً وعللاً يترتب عليها الكثير من النتائج والاحتمالات، فتحول معطياتها الكمية إلى حالة نوعية جديدة ومعطى جديد يغذي حالة أخرى من حلقات التردّي التي نعيشها.

ويبدو أن الغوص في منظومة قيمنا التاريخية الراكدة في بطون الكتب لم يعد كافياً لحمايتنا وصون وجودنا، دون إرادة وتكوين قوة المعرفة والعلم للدفاع عن الكرامة والتاريخ، كل الأنبياء المسلحين كانوا منتصرين وكل المجردين من السلاح كانوا المغلوبين ـ نيتشه.

صدام الجهالات، على حد تعبير إدوارد سعيد، لا يفيد في تفاهم البشرية وتعاونها ولا ينتج إلا الفوضى والعبث، ولا أحد خارج المسؤولية حكومات وشعوباً وإعطاء الأهمية إلى اعتبار أن الحضارات والثقافات تتكامل وأن خصوصية الشعوب بما فيها رموزها هي قدر وجودها، هو ما يتطلبه حاضرنا ومستقبلنا، وإلا علينا أن نكسر رؤوسنا بأيدينا.

 

اسماعيل الحجي