العدد التاسع-آذار2006

الدور اليهودي في مشكلة الرسوم

عصام عزوز
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 
أدانت محكمة نمساوية في فينا المؤرخ الإنكليزي دفيد ايرفينغ بتهمة إنكاره للمحرقة اليهودية الهولوكوست وحكمت عليه بالسجن ثلاث سنوات وذلك بموجب القانون النمساوي الذي يبيح محاكمة من يعادي السامية ، وقد صرح النائب العام النمساوي مايكل كلال بأن ايرفينغ ليس بمؤرخ وإنما هو كاذب مزيف للتاريخ وقد قام باستغلال حرية الصحافة ، وإذا ما أخذنا بعض الأخبار الصحفية على محمل الجد - وهي كذلك - فان المؤرخ المذكور استدرج إلى النمسا من قبل جماعات طلابية لإلقاء محاضرات بعد أن أكدت له هذه الجماعات أن حريته مصانة ومضمونة . ومن جهة أخرى وبالعودة إلى ما دار في الأسابيع السابقة من تفاعلات وتطورات بعد نشر الرسوم الكاريكاتورية للني محمد ص ونخص بالتحديد تداعيات ردود الفعل في البلدان الاسلاميه ، ومواقف الأوربيين خصوصا والغرب عموما مع ما يسمى بحرية الرأي أو كما صرح احد المسؤولين الدنمركيين لن نساوم في موضوع حرية الرأي . لقد قام مؤلف دنماركي بتأليف كتاب للأطفال عن الإسلام، وأراد صورة للنبي ص ليجعلها على غلاف الكتاب، وحاول مع العديد من الرسامين فلم يفلح في إقناعهم برسم صورة فانبرت له صحيفة "يولاند بوسطن" وأخذت على عاتقها تشجيع الرسامين، واستطاعت أن تقنع 12 رساماً كاريكاتيرياً برسم اثنتي عشرة صورة كلها تتسم بالحقد والسوداوية والنظرة الخاطئة لنبي الإسلام والمسلمين، وهكذا بدأت القصة في الدنمارك بتاريخ 30-09-2005، وأخذت تداعيات الحدث تتزايد داخل الدنمارك ومن ثم خارجه .

إن الموقع ( جلاندس بوستن ) المزين بالنجمة السداسية وهي الرمز اليهودي التي يحرص اليهود على ابرازه في أي موقع يتواجدون فيه أكان صناعيا أو تجاريا أو إعلاميا ، وكما سبق وذكرنا فان المحرر الثقافي في الجريدة هو فلمنغ روز اليهودي الأوكراني ، هو على علاقة وثيقة بغلاة الصهاينة في أوساط المحافظين الجدد في أمريكا، والذين يقفون كما هو معروف وراء الحملة الضارية على الإسلام والشرقيين ووراء مشروع أمريكا الاستعماري في الشرق الأوسط. وهو بصفة خاصة صديق حميم للمدعو ( دانييل بايبس )، والذي سبق أن عينه الرئيس الأمريكي بوش مسؤولا عن معهد الولايات المتحدة للسلام وهو معهد حكومي أمريكي. وبايبس هذا من أكبر الذين يقودون الحملة على الإسلام والفلسطينيين في أمريكا لحساب إسرائيل، ويقود حملة لإرهاب الأكاديميين الأمريكيين في الجامعات الأمريكية الذين يجرؤون على انتقاد إسرائيل أو يعطون أي رأي لصالح الفلسطينيين. وفي رأيه ان الطريق إلى السلام في الشرق الاوسط هو الهيمنة العسكرية الاسرائيلية الكاملة على المنطقة، وان الإسلام دين إرهاب ويمثل خطرا داهما على العالم.. إلى آخر مثل هذه الافكار اليهودية العنصرية. كثير من المحللين يجزمون بأن لبايبس هذا ومن ورائه المحافظين الجدد المتهودين في أمريكا يد مباشرة في الترتيب لنشر هذه الرسوم في الصحيفة الدنماركية من خلال فلمنج روز، الذي يلتقي معهم في أفكارهم العنصرية وفي كراهية الإسلام وشعوب الشرق الأوسط. بايبس من جانبه، كتب عدة مقالات، لكن أهمها مقال بعنوان: الرسوم والإمبريالية الإسلامية قال فيه: القضية الأساسية في معركة الرسوم هي هل سيقف الغرب ليدافع عن قيمه ومبادئه بما في ذلك حرية التعبير، أم سيترك المسلمين يفرضون طرق حياتهم على الغرب؟.. ليست هناك مساومة.. على الغربيين إما أن يستعيدوا حضارتهم، بما في ذلك حقهم في توجيه الإهانة والإساءة، وإما لا؟. هذه العلاقة بين الصهاينة وبين نشر الرسوم، التي يؤكدها محللون غربيون، هي التي جعلت كاتبا وصحفيا أمريكيا عارفا بشؤون الاسلام والمسلمين، وهو كريستوفر بولين وبعد أن استعرض العلاقة بين روز وبايبس يطرح القضية على النحو التالي: قال: لماذا فعل فلمنج روز هذا؟.. هل هو مسيحي صهيوني يقود حملة صليبية دنيماركية على الإسلام.. هل هو ملحد لا يكن أي احترام لمعتقدات المسلمين؟.. أم انه يهودي مخلص يلوح بالجنسية الدنيماركية ويشارك في حملة صهيونية ضد المسلمين والعرب؟. ويجيب الكاتب: رأيي أن الاحتمال الاخير هو الصحيح.. وعلاقة روز مع بايبس تؤكد أن نشر الرسوم هو لحسابات صهيونية ولأهداف استراتيجية .

ردود الفعل الاسلامية :

منذ أن نشرت قبل عدة اشهر لم يتحرك سوى القليل من مسلمي الدنيمارك بالتوجه الى الصحيفة والرسام فقط بالطريقة القانونيه في النقد في تلك البلدان ولم تتسع دائرة العداء الفجائي الا بعد هذه المدة الطويلة،( نشرت الرسوم في 2005.9.30 ) فكيف استيقظت هذه الجموع وشمل عداؤها الغرب عامة لا بل وتجاوز ذلك الى التهجم على مقدسات مسيحية ، و شهدت منعطفا جديدا، مع إحراق السفارتين الدنمركية والنرويجية في دمشق وحوادث الأشرفيه في بيروت يوم الاحد 5-2-2006 حيث شهدت  مواجهات بين قوات الامن والمتظاهرين الذين تمكنوا من اشعال النار في مبنى القنصلية الدنماركية وامتدت لتشمل الاعتداء على مطرانية بيروت للروم الأرثوثكس و كنيسة مار مارون وتخريب بعض الممتلكات العامه من سيارات ومحال تجارية في منطقة يعتبر غالبية سكانها من المسيحيين . ثم إصدر عالم دين هندي فتوى بقتل الرسامين الدانماركيين الذين فجروا الأزمة . وأصدر الفتوى رئيس المحكمة الشرعية المعروفة باسم دار الشريعة ودار القضاء الإسلامي. وقال رئيس المحكمة المفتي عبد عرفان إن "الموت هو عقوبة رسامي الكاريكاتير الوحيدة لتدنيسهم الديانات". وأضاف أن القرآن ينص صراحة على أن أي شخص يهين الرسول -عليه الصلاة والسلام- يستحق العقاب, مشيرا إلى أن الفتوى تطبق في أي مكان يعيش فيه المسلمون. وتأتي فتوى الشيخ الهندي بعد أيام من عرض عالم دين مسلم في باكستان مكافأة قدرها مليون دولار وسيارة لمن يقتل أيا من رسامي الكاريكاتير. بموازاة ذلك دعا قاضي حسين أحمد زعيم التحالف الإسلامي المكون من ست أحزاب معارضة ، إلى إضراب عام في الثالث من آذار في باكستان التي احتجاجات يومية على الرسوم. وكان خمسة أشخاص قتلوا برصاص الشرطة، في تظاهرات احتجاج على الرسوم المسيئة جرت في لاهور وبيشاور. وفي مدينة جلال آباد الأفغانية ردد مئات الطلبة أمس الاثنين هتافات مؤيدة لزعيم القاعدة أسامة بن لادن، وهددوا بالانضمام إلى التنظيم في مظاهرة للاحتجاج على الرسوم المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام. وفي افغانستان قتل عشرة أشخاص على الأقل خلال عدة أيام من الاحتجاجات على الرسوم. وفي الجمهورية الإسلامية الإيرانية هدد المدعي العام دري نجفي آبادي بتقديم شكاوى للمحاكم الوطنية والدولية في حال تكرار نشر الرسوم بالغرب ، ثم تطورت المظاهرات في طهران لاحراق السفارة الدنيماركيه  . وفي نيجيريا ارتفع عدد ضحايا الصدامات التي وقعت في البلاد خلال مظاهرات الاحتجاج على الرسوم. وذكر شهود أن نحو عشرة أشخاص قتلوا وأصيب نحو أربعين آخرين جراء أعمال عنف وقعت بمدينة بوتشي شمال شرق نيجيريا، بعد أن أضرم محتجون النار في كنائس واشتبكوا مع الشرطة وجاءت حوادث العنف الجديدة في أعقاب أعمال شغب وقعت مطلع الأسبوع وقتل فيها نحو 50 شخصا بمدينتين تقطنهما غالبية من المسلمين شمالي نيجيريا حسب معلومات للصليب الأحمر النيجيري

ردود الفعل الأوربية:

ردود الفعل الأوربية كانت بمعظمها متعاطفة مع الصحيفة الناشرة على قاعدة حرية وحرية الرأي وحرية التعبير وما إلى هنالك من مقولات ليبراليه يفخر بها الغرب ولكن عندما يصل الأمر إلى التشكيك بالمحرقة يصبح ذلك استغلالا لحرية الصحافة ويحاكم المرتكب ويسجن لهذه ( الجريمة ) وهي حدث تاريخي اجمع العديد من الباحثين والمفكرين على عدم وجوده أو الأصح على أن هناك مبالغة في حجمه وعدد ضحاياه .لقد تفاقم الوضع سوءا ، بعد رفض رئيس الوزراء الدنيماركي الاعتذار والالتقاء مع السفراء العرب المجتمعين في كوبنهاكن بدا واضحا التعاطف الاوربي مع المجله فقد صرحت النمسا الرئيس الحالي للاتحاد على لسان وزيرة خارجيتها اورسولا بلاسنيك: لقد جددنا إيماننا وتمسكنا بحرية الصحافة وحرية التعبير خلال اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين وقالت للصحفيين إن وزراء الخارجية عبروا عن تضامنهم مع الدنمارك والنروج لكنهم ذكروا في الوقت نفسه بوجوب احترام المعتقدات الدينية وقالت بلاسنيك ان الاتحاد يرفض ـ ما وصفته بـ ـ التهديدات مبدية أملها في تسوية المشكلة من خلال ـ ما أسمته ـ "حوار بناء".

ومن جهة اخرى عادت صحف ألمانية وإسبانية بعد صحيفة فرنسية نشر الرسوم وأعلنت أن حرية الصحافة أهم من الاحتجاجات والمقاطعة التي أثارتها الرسوم في العالم الإسلامي.

وقالت صحيفة دي فيلت الألمانية التي نشرت الرسوم "لا حصانة لأحد من التهكم في الغرب". كما نشرت صحيفة سويسرية ناطقة بالألمانية رسمين منها، وفي إسبانيا نشرت صحيفتان هما " إيه.بي سي" والـ"بيريوديكو" هذه الرسوم.

وفي هذا السياق دافعت منظمة "مراسلون بلا حدود" عن نشر الرسوم، وقال أمينها العام روبير مينار "قد تبدو هذه المبادرة استفزازية, لكن أساسها مبرر بالكامل ولا تستحق في أي حال من الأحوال الاعتذار من أي كان".

واتسم رد فعل الخارجية الفرنسية بالتحفظ لإعادة نشر صحيفة فرانس سوار الرسوم. وقالت في بيان إن باريس تدين كل ما يسيء إلى الأفراد في إيمانهم أو معتقداتهم الدينية, إلا أنها أشارت أيضا إلى تمسكها بحرية التعبير "في روح من التسامح واحترام الأديان".

الخلاصه:

هذه الضجة الكبيرة والشاملة من ردود الفعل في البلدان الاسلاميه وعدم وضوح التصعيد الأوربي او بالأصح بعض الأوربيين وما تمخض عنه من احتقان عارم وتخويف من هذا الاحتقان ( الإسلامي ) يصل إلى حد الرعب يتوافق تماما مع توجة المحافظين الجدد المهودين وفكرة صراع الحضارات التي حان وقتها كما يدعون كما أنها تأتي مكملة للصورة التي رسمها الغرب للإسلام بعد أحداث 11 ايلول ووقع ضحيتها المسلمون المنتشرون في العالم بترتيب مقصود أو غير مقصود مع جماعة القاعدة والجماعات التكفيرية الأخرى التي أعطت صورة سيئة جدا في خطابها الذي لم تفرق فيه بين الغرب وبعض أنظمته السياسية ومجموعاته اليمينية المتطرفة والمسيحيين دون استثناء لا في الشرق ولا في الغرب وترافق في العراق مع نسف للكنائس والاعتداء على المسيحيين ، هذه الحملة الشعواء على الأوربيين ومقاطعة بضائعهم وتعميم العداء لهم ليس له إلا نتيجة سلبية واحدة هي اتساع الهوة بين الشرق والأوربيين والمستفيد الأول اسرئيل والأمريكان ولا بد لنا أن نلاحظ أن تدنيس القرآن من قبل الأمريكيين وقصد الإهانة والإذلال فيها واضح ولا علاقة له لا برأي ولا حرية تعبير والمفروض أن يعد جريمة اكبر من تشويه صورة الرسول .. إلا أن الردود في العالم الإسلامي لم تأت بهذا الشكل المنظم ولم تصدر الفتاوي المتشنجة ولم تثار ضجة المقاطعة الواسعة للبضائع وغيره ما يدعونا إلى الاستنتاج ان الانفعال الأخير مبرمج بطريقة ما ، وربما تكون أوربا قد دفعت ثمن التعاطف الشعبي الواضح والواسع مع العراق ضد الغزو الأمريكي ، ولن تعيد الكرة ثانية .

إن اليد اليهودية العالمية وملحقاتها ومنظماتها الرديفة واللبراليين الجدد أو المسيحية المتهودة ومفكريها ومهندسيها ومرابي البنوك الدولية ومافيات النفط هم أصحاب المصلحة الحقيقية من وراء تشويه الشرق وتصويره ( بسيطرة عصابات إسلامية متخلفة حاقدة خطرة على الحضارة ومنجزاتها ومن حسن حظ البعض من قادتها أن وجدوا في بلاد فيها احتياط ثلثي النفط العالمي ) وعلى الغرب الحضاري القيام بواجبه ونجحت هندسة هذه المشهد بعد عمليات الإحراق وتعميم العداء وإصدار فتاوى القتل والاعتداء على الرموز المسيحية كلها دعمت فكرة صراع الحضارات وكانت بشكل أو بآخر ضربة أخرى لصورة المسلم ولصورة الشرق .

في رصد للآراء الشاجبة لتصرف الصحيفة قلة قليلة هي التي اشارت الى اليد اليهودية او الصهيونية في هذه المشكلة غير المعروف حتى كتابة هذه السطور الى اين ستصل تداعياتها ونتائجها وكوارثها وبالطبع نحن وشعبنا من سيدفع الثمن الباهظ.

لقد كانت ردود الفعل المتسرعة والغاضبة والغير محسوبة اكمالا للبرنامج الموضوع وللغاية من تحريك الراكد في مسألة العلاقة الأوربية الشرق اوسطيه ، ومعظم ردود الفعل هذه لم تأت على ذكر دور لليهودية او الصهيونية في هذه المسألة ، وبهذه المناسبة يجب ان نذكر هنا بالرأي المميز والمتوازن الذي قدمه سماحة مفتي الجمهورية الشيخ احمد حسون في برنامج بإحدى القنوات اللبنانية بتاريخ 2006.2.22 ودعى إلى الحوار والحوار فقط ، ونهى عن أسلوب القتل والعنف أي كان شكله واعتبره اسلوبا غير اسلامي ، واشار بوضوح الى دور الاعلام الثالث والذي وضحه بانه الاعلام الصهيوني الذي ينفق مليارات الدولارات لاثارة الفتن ورسم الصور المغلوطة عن الاسلام ليس في هذه المشكلة بل وفي كثير من الحملات التحريضية وقد حاول سماحته ان يقدم تفسيرا لما حصل في دمشق لتجنب التأويلات التي تنعكس بشكل سلبي على صورة الاسلام والمسلمين .