العدد التاسع-آذار2006

الشيخ وهبة الزحيلي

حوار: زيد قطريب
السبت 8 نيسان (أبريل) 2006.
 

- الإسلام دين ودولة، دين ومنهج، والذي يقول بفصل الدين أي الإسلام عن الدولة هو مصادم لأصول الإسلام

- أسوأ ما خطط للأمة العربية والاسلامية هو الفصل بين تعليم عام وتعليم ديني

ـ تجديد الخطاب الديني هو نغمة غربية يُراد بها العصفُ بأصول هذه الشريعة والقضاء عليها.

ـ الجهاد ليس فرضَ الإسلام بحد السيف.

ـ التعليم الشرعي ليس مسؤولاً عن تخلّف البلاد، بل التعليم العام ورجالاته لأنهم كانوا مجرد تراجمة لفكر الآخرين!

ـ معرفة آراء الآخرين تؤدي إلى التسامح أمّا الانغلاق فيؤدي إلى التعصب.

 

يكتسب الحوار مع الدكتور وهبة الزحيلي أهمية خاصة في ظل الحوار الدائر حول الاسلام وعلاقته بتطورات الحياة المختلفة.. وفي وقت تنشط فيه الدعوات لتجديد الخطاب الديني، وتثار فيه الاسئلة عن التطرف والارهاب وصلته بالاسلام.. وهل الاسلام قادر على مواكبة الحداثة، وما يستتبع ذلك من أسئلة هامة حول علاقة المذاهب الاسلامية مع بعضها ومع التطورات التي تصيب المجتمعات..فللدكتور وهبة الزحيلي عشرات المؤلفات والأبحاث التي أخذت شهرة عربية وإسلامية كبيرة، كذلك فقد أسهم على نحوٍ فعال في وضع مناهج وبرامج التعليم الديني ابتداء من كلية الشريعة في جامعة دمشق وفي عدد من الجامعات والبلدان التي استفادت من خبرته في هذا المجال..وقد نال مؤخراً وسام العلم والآداب والفنون الذهبي وهو أرفع الأوسمة التي تقدمها رئاسة الجمهورية في السودان.. حول مجمل الوضع الاسلامي كان هذا الحوار:

1 ـ كيف ترى واقعَ الإسلام في هذه المرحلة من التاريخ.. فكرياً وحضارياً وتنظيمياً؟!

إن واقع العالم الإسلامي لا يرضي أحداً، ولا يتفق مع تطلعات الإسلام وتطلعات المسلمين، سواء أكان ذلك من الناحية الدينية أم الحضارية أم حتى مقومات الوجود والإعداد اللازم لبناء شخصية متكاملة يكون لها وزنها في الميدان الدولي وفي الواقع السياسي، وذلك بسبب التفرّق والتشرذم والحرص على المصالح الخاصة والأطماع الضيقة، وكون أولئك بتروا أية صلة لهم بأخوتهم في العالم الإسلامي بحيث لا يكون لنا إلا النزر اليسير ليقال إنهم تبرعوا أو تطوّعوا، وكأن هذا العالم الإسلامي ينقسم إلى قسمين دول غنية ودول فقيرة أو متوسطة، وهذه الدولة الغنية لا يهمها إلا نفسها ولذلك نجد هذه الأموال الضخمة المكدسة والتي على سبيل المثال بسبب ارتفاع أسعار النفط استطاعت بعض الدول أن تحصل دخلاً إضافياً يبلغ أكثر من مئتين وخمسين مليار دولار وهذه ثروة لا تقدر ولم يكونوا يحلمون بها.

ونظراً لهذه القطيعة والانفصال والتجرد عن الواجبات أصبحت كل دولة لا تعنى إلا بمصالحها الخاصة وأوضاعها الإقليمية.. وما نجده أحياناً على ساحة المؤتمرات ومؤتمرات الجامعة العربية والقمة الإسلامية في واقع الأمر لا يعدو أن يكون أمراً هشاً ولا يقدم ولا يؤخر، وتكون هذه الاجتماعات مجرد مجاملات ويقال إن المؤتمر الفلاني قد حدث والاجتماع الفلاني قد حدث وتصدر بيانات هزيلة وإنشائية لا تقدم ولا تؤخر.. هذا الواقع الأليم ينبغي أن يفكر فيه من بيده القرار والإمكانات، لابد من التفكير بشكل مستقبلي، حيث يحمي المسلمون مستقبلهم وجيلهم وحتى أبناء بلدهم. الجميع مطالبون أن يفكروا تفكيراً عميقاً في مستقبل أمتهم ومستقبل أوطانهم.. وإلا الطوفان سيعمهم جميعاً ولن يستثنى أحد.. وقد صرحت دوائر الدول الكبرى بكل وضوح أنها ستتناول تغيير الأوضاع وتغيير الخرائط الجغرافية وستحدث تغيرات داخلية كاملة.. كل هذا سمعوه ولاحظوه وقرؤوه إلا أنهم لا يفعلون شيئاً مع الأسف الشديد.

وفي رأيي سيكون هناك نتيجة التعامي عن الحقيقة والسكوت عن الأوضاع الأليمة، تمرد من أناس يحسون إحساساً قوياً بآلام ومشاعر هذه الأمة فينقضون بأشكال مختلفة ليصححوا المسيرة والطريق من أجل الوصول إلى وحدة إسلامية وعربية قوية تحمي البلاد والأوطان والمكاسب حيث لا نكون لقمةً سائغة للطامعين كما هو الشائع حالياً، حتى نحافظ على الأقل على شيء من العزة والكرامة لأن سمعتنا تلطخت ومرّغت بالتراب ولم يعد هناك أي بصيص من الأمل لرفع معنويات هذا العالم العربي والإسلامي.

 

2 ـ كيف تفسّر تنامي الحركات المتطرفة والتكفيرية في العالم العربي والإسلامي؟!

إن وجود هذه الحركات المتطرفة نشأ رّد فعل على ما يعانونه من عدم وجود تعاون شامل مع أبناء الوطن الواحد، فالذي يستأثر بالسلطة فئة معينة ومنهاج معين فكان وجود هذه الحركات رد فعل عنيف، لأن التقصير الشديد قوبل بإفراط أشد منه ولذلك أنا لا أعذرهم، كما لا أعذر أولئك المقصرين في أداء واجباتهم، لا أعذر هؤلاء أيضاً في القيام بهذه التصرفات التي أساءت للإسلام والمسلمين على حدّ سواء.

ومما لا شك فيه أن الاسلام لا يعرف التطرف والغلوّ والشذوذ، لأن شريعتنا شريعة وسطية، ومن صفاتها الاعتداال والحوار ومحاكمة الأمور بنقد بناء، ولعل ذلك يحقق نوعاً من الثقة فيتفق الجميع على مقاومة العدّو الخارجي المشترك لأن هذا العدو يريد أن يزرع وينمي هذه الخلافات، فأنا لا أستبعد بصراحة أن يكون نمو ظاهرة الإرهاب والتطرف إنما كان بتوجيه وتنمية ودسّ من تلك القوى الغربية والدول الاستكبارية، فهم الذين زرعوا الإرهاب ومهدوا له وساعدوا على نشوء مثل هذه الحركات المتطرفة.

 

3 ـ هل لإغلاق باب الاجتهاد في الإسلام في فترة تاريخية معينة، علاقة بما يعانيه المسلمون الآن على صعيد علاقتهم ببعضهم وعلاقتهم بالآخرين؟

قضية إغلاق باب الاجتهاد كانت تنطلق مما يسمى مراعاة مبادئ السياسة الشرعية، وهي التي تعالج وضعاً مؤقتاً بسبب دخول أناس كثيرين من غير العرب في الاسلام أرادوا أن يفسدوا الإسلام من خلال الشريعة والفقه والأحكام الشرعية، فكان الفقهاء حذرين فتوجسوا خيفةً من هذه الأنشطة المريبة لذلك أقفلوا باب الاجتهاد مؤقتاً، وعملياً فإن باب الاجتهاد، كما أوصى النبيّ (ص) وعلم أمته، مفتوح إلى يوم القيامة. لكن الذي أدى إلى خلخلة علاقات المسلمين مع بعضهم وصلات بعضهم ببعض إنما يرجع إلى أسباب كثيرة منها خارجية ومنها داخلية، أما أهم العوامل الخارجية فتكمن في تكتل الأعداء من أجل إضعاف الصف الإسلامي ومحاولة عرقلة مسيرته ووضع كل الموانع أمام قيام نهضة في العالم الإسلامي. هذا أهم شيء وهناك عدة أدلة وبراهين على أن الغرب استطاع أن يلغي الخلافة الإسلامية التي هي رمز وحدة المسلمين وكانوا يتدخلون في كل الشؤون الداخلية من أجل منع أي تقدم تقني أو صناعي أو زراعي ويهددون ويتوعدون.

هذه العوامل الخارجية واضحة التأثير.. وهناك العوامل الداخلية وهي أن المسلمين استكانوا إلى الترف والقضايا الدنيوية والخاصة ولم يخططوا إلى مستقبل أمتهم فهم مسؤولون جميعاً بين يدي الله يوم القيامة عن تقصيرهم في الإعداد لهذا الأمر ما ساعد الأنشطة الخارجية في إبقائنا متخلفين ومتفرقين وجعل بلادنا أيضاً نهبةً للطامعين.

 

4 ـ يرى البعض أن أسلوب التعليم في المدارس الدينية، هو المسؤول عن إنتاج جيل أحادي النظرة إلى المذاهب الإسلامية الأخرى وأيضاً تجاه الأديان؟!

إن أسوأ ما خُطط للأمة العربية والإسلامية هو هذا الفصل المقيت والشاذ بين تعليم عام أو عصري أقبل عليه أكثر الناس، وبين تعليم ديني.. لقد أقبل أكثر الناس في العالم الإسلامي والعربي على التعليم العام بنسبة تفوق تسعين في المئة أو أكثر وبقي هناك تعليم ضعيف ومقتصر في مبدأ الأمر على التثقيف في الثقافة الدينية المتعلقة بشؤون العبادات والمعاملات ولم يكن هذا التعليم قوي الجذور ولا بعيد الطموحات ولا يتعرض للمشكلات العامة.. إن القضية سحبت من أيديهم، فأصبحوا يعنون فيما يملكون وأصبح التخطيط للآخرين.. فحدثت هوّة كبيرة بين جهتي التعليم وكان هذا أكبر خيانة لفكر هذه الأمة، هذا التعليم المزدوج الذي خطط له دعاة الاستعمار مثل رفاعة الطهطاوي في مصر وتابعه طه حسين في تنفيذ هذه المخططات.. فإذاً نحن في التعليم الشرعي نريد أن يكون هناك تنوع أوسع وأكثر، ولكن المشكلات الأساسية هي أن هذه الشهادات لم تكن تعترف بها الدولة لا من قريب ولا من بعيد، فأصيبت بالإحباط وحكم عليها بالتخلف، وكان هناك شبه اتفاق على إبقاء هذا التعليم غير مقبول لأنه لا مستقبل للشهادة ولا أمل في أن يكون دارس هذه العلوم الشرعية له امتداد في قضايا المجتمع وقضايا الأمة.

إذاً هذه الظروف هي التي أدت إلى قوقعة هذا التعليم الشرعي، وثمة سبب آخر أيضاً وهو بعد التخطيط السياسي عن أي شيء يمت إلى الشريعة الإسلامية فكيف يمكن أن يكون هناك تعليم منفتح وأصحاب الاتجاه الآخر هم الذين أخطأوا عندما نقلوا القوانين الغربية والعادات الأجنبية وخدعوا من قبل الآخرين أن هذا هو طريق التقدم والنهوض والتحضّر، فأصبح القائمون على التخطيط الفكري والتعليمي والتربوي في البلاد، لا هم مسلمون بالمعنى الصحيح ولا هم عرب، ولم يعد لهم هوية محددة.. لذلك فالجميع مسؤول عن هذا التخلف.

لقد أنفقت سوريا على التعليم العام والحر أو العصري مئات الملايين، وكان هناك سخاء في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد لرفع مستوى التعليم لكن لم يستطع هذا التعليم أن ينتج أي إنتاج ذاتي، هم يبرّرون ذلك بأنه لا توجد مصانع ولامختبرات ولا إمكانات لتنمية معارفهم وثقافتهم.

التعليم الشرعي ليس هو المسؤول عن تخلف البلاد، بل التعليم العام ورجالاته لأنهم كانوا مجرد تراجمة لفكر الآخرين ولم يقدموا ولو شيئاً بسيطاً وأتحدى أن يكون هناك اختراع لآلة بسيطة عند أغلب هؤلاء العرب بعد أن أنفقت عليهم النفقات الباهظة.

إذاً التعليم الشرعي محصور في زاوية محددة لا تتجاوز اثنين بالمئة ولا يقبل عليه إلا الفقراء والناس الذين لا تتوافر لديهم إمكانات التفوق في الشهادات الأخرى فيجدون مجالاً في هذا التعليم لعلهم يصلون إلى شيء من فتات الدخل الزهيد والبسيط في المجتمع.. وبالتالي التعليم الشرعي ليس هو المسؤول وإنما الأمة التي خططت لهذا الفصل بين تعليم عام وهم الأغلبية الساحقة وتعليم شرعي محدود لا يعترف بشهاداته ولا مجالاته، فصار التقصير من الطرفين.

 

5 ـ يلاحظ البعض على التعليم الديني عدم شموليته كل المذاهب بالدراسة قبل سنين الاختصاص لئلا تحدث قطيعة معرفية لدى الطالب بالمذاهب الأخرى خارج اختصاصه؟!

هذا أمر طريف، فالتعليم الشرعي له مستويان: المستوى الإعدادي والثانوي وهنا لا يمكن أن يلم الطالب بمختلف المذاهب دون أن يدرك مذهباً واحداً معينا،ً فالأستاذ لا يمكن أن ينتقل إلى مجال الفقه المقارن والعمل المقارن إلا بعد أن يعرف ما هو عليه، وإلا فإن الإنسان يضيع في مجال معرفة هذه الآراء المختلفة ويصبح مشتت الذهن، فكان من المصلحة أن يفتح لنفسه مجالاً واحداً ليعرف أبسط الأمور من خلال إمكاناته العقلية والفكرية.. أما أن ننفتح ونتعلم كل شيء من المذاهب المختلفة على أساس المقارنة فهذا أمر فاشل ويؤدي إلى ضياع الطالب وتشتيت ذهنه وفكره.. هم معذورون في الاقتصار على رأي واحد حتى ينطلق الطالب من أساس معين لأن إمكاناته محدودة.. أما في الجامعة فقد عملنا على عكس ذلك فأنا أثناء تدريس أربعين سنة في كلية الشريعة وقد غيرت هذا المنحى عندما وضعت مناهج هذه الكلية، هذه التي قلدت من عند تطوير الأزهر، ووضعت برامج ومقررات فيها الانفتاح على الآخرين دون أي تعصب فنجد الطالب لا يقتصر في المعرفة على مذهب واحد ولا اتجاه فكري واحد وإنما يلم بها جميعاً ما يجعله متسامحاً.

فمعرفة آراء الآخرين تؤدي إلى التسامح أما الانغلاق والتفرد فسيؤدي إلى التعصب، فهذا ما علمنا به في كلية الشريعة ولذلك صارت كتبنا كلها مقارنة ومنفتحة على الآراء الأخرى وهذه الظاهرة وجدناها في أغلب كليات الشريعة ما عدا بعض الدول التي ما زالت تقتصر على فكر ضيق محدد وهو ما يسمى الفكر السلفي. لقد أدركنا هذه المسألة، ولذلك فطلابنا منفتحون وخريجونا مرغوب بهم في كل البلاد لأنهم يملكون تنوعاً.. في أفق ومعرفة آراء الآخرين ما أحدث نوعية متطورة وغنية بثقافتها وخريجو جامعة دمشق لهم الأفضلية في كل البلاد التي يذهبون إليها.

 

6 ـ هل أنت موافق على دعوات تجديد الخطاب الديني.. وإلى أي حد يعتبر هذا التجديد مسموحاً؟!

نحن في شريعتنا لا نملك تغيير النصوص الشرعية، لأن هذه النصوص موحى بها من رب العالمين وليست نصوصاً أو قوانين وضعية حتى نعدّل ونغير ونلين ونشدد.. هذه النصوص لا تملك قوة في هذا العالم أن تعدلها أو تحرفها.. هذه النصوص أدت إلى ما يسمى بالثوابت والمتغيرات.. فالثوابت لا يمكن لأي إنسان تجاوزها لأنها مقدسة، ولكنّ هناك مجالاً وهو المتغيرات نستطيع فيه الاجتهاد وقد فعلنا، وكتبنا مليئة ومؤلفاتنا في كل المجالات تحدثت عن التطلعات التي يريدها الناس منها، فهذا المجال القابل للتغيير والمبني على مراعاة مصالح المجتمع ومصالح الأمة أغنيناه ضمن هذا الجانب وهو فئة المتغيرات.

تجديد الخطاب الديني هو نغمة غربية واستشراقية يراد بها العصف بأصول هذه الشريعة والقضاء عليها.. لأننا إذا مسَسَنا هذه الخطابات فهذا معناه أننا ألغينا نسيج هذه الشريعة.

إذاً، الخطاب أصلي لا نملك تغييره لأنه خطاب الوحي الإلهي، أما ما يتعلق بالاجتهادات فيراعى فيها مصالح الأمة، نحن دائماً نتحدث ونقول هذا يتفق مع تطلعات الأمة ونهضتها وظروفها وقفزاتها الحضارية التي نجدها بسبب ما قذفته الحياة المعاصرة من مشكلات قضايا، سواء في قضايا الجو والبر والبحر، هذه القضايا المختلفة لابد من أن يكون لنا وقفة أمامها والحمد لله كتب أساتذة الجامعات في العالمين العربي والإسلامي مليئة بمعالجة هذه القضايا.. لكن قلت لك مشكلتنا أن الدولة تسير في اتجاه والفكر الإسلامي يسير في اتجاه آخر. فإذا فتحنا صيدلية مثلا وأنجزنا اختراعات أدوية معينة ولكن لم يشتر أحد منها، فماذا تكون النتيجة.. لاشك هي الإخفاق والخسارة والحكم على هذه الصيدلية بضرورة الإغلاق.. نحن لم نغلق الباب وما زلنا نعطي ونقدم لكن الحياة تسير على غير منهاج الإسلام.. تسير على منهاج مخططات وأفكار وقوانين وأنظمة مستوردة من الغرب والشرق هي التي أدت إلى أن تضيع هوية هذه الأمة فلم تعد تعرف الطريق إلى التقدم.. جربت هذه القوانين ربما بنية حسنة، لتتقدم فلم تفعل شيئاً، وتركت الإسلام جانباً فجاء بعض الناس واتهموا الإسلام بأنه سبب التخلف ولكن في واقع الأمر أين هو هذا الإسلام الذي هو سبب التخلف هل له رصيد أو وجود أو تفاعل مع الساحة العامة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. أم أنه نُحّي عن كل تلك الأوساط والمجالات لذلك لا غرابة أن يكون هناك ضرورة كما قال العلامة الكبير الدكتور عبد الرزاق السنهوري، أن الاستعمار أفل وآن للضيف أن يذهب ويذهب ما معه، ونعود لشريعتنا وأصولنا ومنطلقاتنا وهذا لم يتم على مدى الخمسين سنة في القرن الماضي.

 

7 ـ هل نفهم من ذلك ضرورة مساهمة الاتجاه الديني في المهامَّ السياسية؟!

مما لا شك فيه، إننا نعيش غرباء.. ولابد أن يكون لنا دور في الحياة العامة، نحن نحترم الأنظمة البرلمانية الموجودة، ولكن وجودنا فيها غريب وإذا طعمت هذه البرلمانات فيكون بشخص أو شخصين ليس لهم أي تأثير وإنما التأثير للفكر الآخر.. لابد من صحوة جديدة حيث يتم التفاعل بين طاقات الأمة.. نحن في غاية الصراحة وغاية الإخلاص لأمتنا وبلادنا، ورغم أن أكثر من في هذه البلاد ينتمون للإسلام لكنهم بعيدون في معطياتهم و أنشطتهم وتطلعاتهم.. فالكرة الآن ليست في مرمى الجهة الإسلامية وإنما في مرمى الآخر.. عند الذين أبعدونا عن كل شيء في الحياة العامة.

 

8 ـ اعتماداً على ذلك، هل تعتبر إنجازات الثورة الإسلامية في إيران مثالاً ناجحاً؟!

النموذج الإيراني خير معبر عن قوة الإسلام وفي أنه دين صالح لكل زمان ومكان وهي إبطال لكل دعاوى المستشرقين والغربيين التي تروج أن الإسلام لا يصلح للحياة المعاصرة.. إن الثورة الإيرانية مفخرة وقد تكلمت كثيراً بشأنها في عهد الخميني وإلى الآن.. لقد استطاعوا أن يثبتوا للعالم أن الإسلام لا يزال حياً نابضاً بكل حركاته وأفكاره واتجاهاته، وأنه يستطيع أن يثبت مكانته ووجوده في العالم، هذه الثورة خير مثل على ضرورة عودة المجتمع الإسلامي إلى دينه وإن كان للايرانيين بعض الاختلافات مع بقية المسلمين، ولكن هذا لا يضير، فأنا يهمني أنه وعاء إسلامي استطاع تحقيق النجاح.

 

9- ولكن هناك أمثلة لم تؤدِ الأداء نفسه مثل طالبان في أفغانستان؟

لم تكن طالبان حركةً مدروسةً وشاملةً، هم فئة تسلطوا على الحكم، طلاب ليس لديهم فكر أو وعي أو تنظيم أو تخطيط ولم يكن ثمة اتفاق جماعي.. هم بحكم حماسهم ونشاطهم للإسلام قاموا بإظهار الصورة الإسلامية لكنها كانت صورة مشوّهة، صورة ناشئة عن جهل بتطبيق أحكام الإسلام، لا تتفق مع حقائق الإسلام لأنها اعتنت بالقديم ولم يكن هناك انفتاح على الجديد فهذه الصورة تختلف عن صورة إيران.. إذاً هي صورة هزيلة وفردية ولم تبق كثيراً لأنه ليس لديها مقومات ثورة الإمام الخميني.

 

10 ـ هل تنظر إلى ما كتبه الفقهاء والأئمة في القرون الأولى نظرة تقديسية أم بحثية تمحيصية؟!

التقديس لا يكون إلا للنص الصريح أو ما يسمى بالنصوص القطعية اليقينية، فهذه مقدسة، أما اجتهادات الفقهاء فهي دليل على أنهم مدارس كمدارس شراح القانون كل قانون له شراح.. وليس من العيب أن هناك اختلافاً.. وفقهاؤنا منذ القديم اختلفوا وهذا الاختلاف ظاهرة حضارية متطورة لأن الحق ليس مقصوراً على جهة معنية والاجتهاد ليس وحياً منزلاً بل اجتهاداً نابعاً من الفكر والصفاء النفسي والعمق العلمي لذلك أدى هذا الاختلاف إلى أننا يمكن أن نحكم على هذه الجهود بالمباركة، لأنها مجرد جهود بحثية نختار منها ما يتفق مع رعاية مصالح المسلمين..!!

 

11 ـ ثمة تفسيرات مختلفة لمفهوم الجهاد في الإسلام.. كيف تعرف الجهاد؟!

 أنت وقعت مع من يتحدث عن هذا الموضوع في غاية العمق وهذا هو صميم أول كتاب ألفته وهو عن الجهاد وآثار الحرب عام 1962 رسالة الدكتوراه ويوضح ذلك.

الجهاد يفهم فهماً خاطئاً عند كثير من الناس، مثلاً أن الجهاد أداة تأديب للآخرين ويصورون أن هذا التأديب ينقضُّ على الأمم الأخرى غير الإسلامية فيفرض عليها الإسلام فرضاً.. وهذا أكبر خطأ في فهم الجهاد. الجهاد أداة ردع لأولئك الذين يعتدون على قيمنا وبلادنا وديارنا، والجهاد أداة الحفاظ على عزتنا وكرامتنا والدليل واضح: لماذا تقوم الأساطيل الحربية وقوى العدوان الخارجي من الغرب وتحتل البلاد وتستعبد العباد ويفرضون كل ألوان الذل والمهانة بالنسبة للعرب وفي أفغانستان، ويمارسون عليهم أبشع ألوان الذل والمهانة والتعذيب والإساءة، هؤلاء مجاهدون.. أم مستعمرون..؟ الجهاد يختلف عن الاستعمار.. الجهاد أداة ردع ضد المعتدي وشرف لنا أن نقاوم المعتدين فالجهاد يرادف ما يسمى اليوم حق المقاومة، وهو حق مشروع أقرته الشرائع السماوية، والدفاع عن الوجود والبلاد والأخلاق والقيم هو أيضاً مشروع في ميثاق الأمم المتحدة وكل الشرائع الدولية.. هذه قضية الجهاد.. الجهاد إذاً ليس لفرض الإسلام بالسيف كما يدعي بعضهم. المنصفون من الغربيين يعترفون بذلك، وأريد أن أصلك بكتاب ألفه أحد المستشرقين أثبت أنه لم تقع حادثة في التاريخ الإسلامي تقول إن المسلمين أكرهوا أحداً على اعتناق الإسلام، ما يدل على أن الجهاد ليس أداة لفرض الإسلام بالقوة وإنما وسيلة للحفاظ على الوجود..

حينما تركنا الجهاد أصبحنا كما قال سيدنا علي رضي الله عنه: ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا، وما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذلّوا،.. عندما تخلينا عن تنظيم الجيوش للدفاع عن الأوطان تنظيماً على المستوى اللائق أصبحنا نعاني المهانة ونستجدي الحلول من الآخرين ولن نصل إلى الحل الذي يتفق مع الحفاظ على كرامتنا وحقوقنا.. سُلبت منا الأندلس سابقاً بسبب تفرق المسلمين وتركهم الجهاد، وسُلبت فلسطين بتعاون قوى الغرب والشر وتُسلب الآن أفغانستان والعراق.. وهكذا تدور الدائرة علينا ونخسر بلداننا الواحد تلو الآخر وكلهم لا يجاهدون وإذا قامت فئة تقاوم العدوان اتهمتا بما سمّوه وروْجوا له في إعلامهم بـ (الإرهاب).. لا أجد فكراً منحطاً مثل هذا الفكر.. الذين يدافعون عن بلادهم ونسائهم وديارهم وأوطانهم عندما يوصفون بأنهم إرهابيون ماذا ننتظر منهم؟ أن يستقبلوا المعتدي بالأحضان حتى يقال عنهم إنهم مسالمون.. هم الإرهابيون ونحن المجاهدون ولا يزال الجهاد شرفاً لنا وللإسلام ولذلك هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم وفي السنة والنبوية تدعو إلى الجهاد بمعنى ردّ العدوان وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين.

الإسلام دين سلام ومحبة ينشر دعوته بالحسنى والموعظة الحسنة لا بالإرهاب ولا بالإكراه ولا بالاضطهاد، وهو ليس هو كالاستعمار من أجل اصطياد ما لدى الآخرين من ثروات ومصادرتها وأخذها.. كل هذا لا يعرفه الإسلام، فقارن لي بين الجهاد المشرّف للحفاظ على حقوقنا وبلادنا وبين ما تفعله قوى الشر في الوقت الحاضر.

 

12 ـ أعود إلى المقارنة بين ضياع الأندلس واستلاب فلسطين هل ترى هذه المقارنة موفقة؟

إن مأساة فلسطين تمت في أوضاع عالمية دولية تجعل احتلال بلد آخر جريمة وجناية ولا لا تكسبهم حقاً مشروعاً في بقاء الاحتلال فلذلك يعدّ سلب فلسطين جريمةً ليس في نظر الإسلام فقط وإنما في حسب الشرائع الدولية أيضاً. أما الفتح فلا يعد طريقاً من طرق اكتساب الحقوق ولا أخذ البلاد عنوةً من الآخرين..

هذا ما يتعلق بفلسطين أما ما يتعلق باسبانيا الاندلس، فقد كان الفتح مشروعا وكان يعد وسيلة لتحقيق مكاسب لدى الآخرين.. حتى القانونيون يقولون إنه إذا استقر الفتح صاروا هم أهله وإذا كان لا يعترف بهذا الفتح فكيف استقرت الدول.. كل الدول قامت على أساس الغلبة والقهر سواء أميركا أو أوروبا، كلهم فرضوا وجودهم على الضعفاء ولم يستطع أحد أن يعترض عليهم. فقضية إسبانيا صحيح أعادها هؤلاء لكن بعد أن بقي المسلمون فيها مدة 800 سنة ومضي المدة والتقادم طريقة من طرق اكتساب الحقوق.. نحن قصرنا في الحفاظ على هذا المكسب في الأندلس أو إسبانيا، وعودته إلى السكان الأصليين أيضاً كان بطريق التغلب والحروب والفتح فأعادوه إليهم، إذاًالعملية واحدة والغاية واحدة وهي إبعاد المسلمين عن هذا المكان بمختلف الوسائل.

 

13 ـ هل تعتبر العمليات التي تستهدف الشيعة والمسيحيين في العراق مثلاً أعمالاً جهادية؟!

نحن نرفض أي عمل عدواني على أخوة لنا.. بغض النظر عن انتمائهم المذهبي سنة كانوا أم شيعة أو انتمائهم الديني نصارى أو مسلمين إننا نرفضه كلّ الرفض ونقول بعدم مشروعية هذه الأعمال. لكن سأقول لك بكل صراحة هؤلاء وُجدوا في حالة من الضغط والإكراه والاعتداء عليهم من كل الجهات فعالجوا الخطأ بخطأ آخر.. لم يجدوا وسيلةً لضرب مصالح العدو المحتل إلا بهذه الأعمال.. كذلك لم يجدوا وسيلة من أجل إرساء معالم الحق واستقرار الحقوق في العراق لأهل العراق إلا بضرب من يخون البلاد ويتعاون مع الأميركان.. فهذه اجتهادات لا أقول لك إنها مشروعة ولكنهم يداوون الخطأ بالخطأ والمر بالأمرّ.. والعملية كلها تحتاج إلى إعادة غربلة، وإعادة صياغة، وإعادة الحق إلى نصابه فتنتهي كل هذه المشكلة. والدليل على هذا أننا عشنا مع غير المسلمين ومع المذاهب الأخرى أربعة عشر قرناً فلم يعتد أحد منا على الاخرً لا على النصارى ولا حتى على اليهود الذين كانوا يتعايشون معنا طوال هذه القرون.

إذاً نحن لا نقرّ بحال من الأحوال أن يعالج الخطأ بخطأ، إنما تنبغي معالجة منشأ هذا الخطأ وعندئذٍ تزول كل هذه الأمور والدليل على ذلك كما قلنا سابقاً إنه لم يكن منا أي عدوان ولا إساءة لا على بعضنا البعض لاختلاف المذاهب ولا على غيرنا.. كنا نعيش في أمان ووئام ومحبة، لا يعترض أحد على الآخر، وهذا أكبر دليل على أننا أمة الاعتدال والوسط.. وقد قلت لمدير الصليب الاحمر الدولي عندما دعاني ليعطيني فكرة عن أوضاع العراق والمعتقلات والمآسي.. قلت له: المشكلة الأساسية هي وجود الاحتلال والحل في زواله.. إذاً عندما نشخص الداء ونعرف الحقيقة، كل هذه الانعكاسات تزول وتنتهي، لكن تقول لي الآن بعد أن أوقعتني في شرك ذئب ضار يريد افتراسي لماذا قتلته وقتلت كل من حوله، وتقول إنني مخطئ.. هذا شأننا مع أوضاع العراق.. ومع مستعمر يريد الإساءة للجميع ونهب الثروات، لذلك حدثت هذه الهزات التي بعضها مشروع وبعضها غير مشروع.

 

14 ـ هل تعتقد أن الحل يكمن في عودة الخلافة من جديد وتطبيق الشريعة الإسلامية؟!

أما عودة الخلافة فأمر مستحيل، لأننا الآن في الأمم المتحدة تحت مظلة الإسلام خمس وخمسون دولة أي لاتساع رقعة العالم الإسلامي.. تتعذر عودة الخلافة من الناحية العملية، ولكن يمكن أن يكون هناك اتحاد ووئام مثلاً اتحاد في العمل السياسي والمنهج الاقتصادي وفي الأساليب التربوية وفي الإعلام وفي تمثيلنا أمام الآخرين في الأمم المتحدة وغيرها.. اتحاد يمكن أن يتم على طريقة ما يسمى الاتحاد الفيدرالي، إذاً القضية ليست في إعادة فكرة الخلافة فهذا أمل بعيد كل البعد.. إنما ينبغي أن نبحث عن إمكان وجود وحدة الصف.. وحدة القوة الدفاعية أيضاً فإذا ما أريد للعالم الإسلامي أن ينهض، فأول ما ينبغي عليه القيام به هو أن تكون له قوة تدافع عن وجوده وليس معنى الدفاع أن يعتدي على الاخرين.

مما لا شك فيه أن هذه الأمة لا يمكن أن تعود إلى الوفاق إلا على النحو الذي اتحدت عليه في الماضي كما قال الله سبحانه في قرآنه: لو أنفقت ما في الأرض جميعاً لما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم.. فالشريعة هي المظلة التي تستطيع أن تجمع كل هذه الفئات بغضّ النظر عن القوميات والعنصريات والعرقيات، الإسلام ألّف ووحّد بين الجميع.. ولم يكن هناك داع لوجود قومية كردية أو قومية بربرية في الجزائر تعارض الاتجاه العربي وأيضاً أي قومية أخرى في جنوب شرق آسيا.

كل هذه القوميات انصهرت تحت مظلة الإسلام فنحن لانزال نعتقد أن السبيل الوحيد لتوحيد الأمة الإسلامية ليس في وجود حاكم واحد وإنما هوفي نسيج هذا الاتحاد. ولا يمكن أن تتحقق نهضة العالم الإسلامي إلا من خلال تطبيق شريعة الله لأنها شريعة الحق والخير والإصلاح، والابتعاد عن كل القضايا التي تفرّق ولا تجمع.

 

15 ـ عملية الإصلاح الديني التي بدأت على يد الإمام محمد عبده والكواكبي لماذا توقفت من دون إنجازات وعلى نحوٍ فجائي..؟

لا شك في أن مدرسة محمد عبده وجمال الدين الأفغاني كانت مناسبة في وقت مقارعة الاستعمار، وتحقق على يد هؤلاء ما يناقض وجود الاستعمار، وأول من حرك الثورة على البريطانيين في الهند هو جمال الدين الأفغاني وكذلك فإن حركات التحرر في العالم الإسلامي بكل صراحة نشأت ونمت من فكر علماء الإسلام، فكل وجوه ومظاهر مواجهة الاستعمار نبتت من خلال جهود علماء الكتاب ثم امتصّها أناس آخرون وحققوا المكاسب ودخلوا على الخط بعد أن تفجرت من خلال جهود الإسلام.. إذاً كان هؤلاء قد حققوا آثاراً طيبة في تحقيق الإحساس بالظلم ومواجهة المستعمر ونجحوا، وقد زال الاستعمار بفضل هذا الفكر التحرري في أذهان هؤلاء والقضية تحتاج إلى تحرر من نوع آخر، ذلك التحرر والدعوة إليه كان ضد مستعمر غريب، أما الآن فنحن نحكم تحت مظلة قواعد وأفكار وقوانين وأنظمة وسلوكيات غير إسلامية فلا شك في أننا نحتاج إلى مفكر رائد يجمع هذه الأفكار ويقوم بإخلاص ومسالمة وحوار مع الآخرين، نحتاج إلى جمع قوانا والعمل من أجل مصلحة بلادنا وأوطاننا، وصحيح أننا إلى الآن نفتقد الى وجود مثل هذا المفكر ومازلنا نعيش في ظل دول إقليمية ضعيفة وهزيلة لا تستطيع أن تقدم شيئاً أو تفعل شيئاً.

 

16 ـ يرى البعض أن تقدّم العرب والمسلمين يرتبط بالإصلاح الديني الناجح على غرار ما حدث في الغرب إبان العصور الوسطى.. فما رأيك؟

هذا خطأ محض، أولاً أوروبا تقدمت لأن الفكر الديني هناك كان يناقض ويقاوم أي تقدم حضاري ومدني وكانوا يعيشون في أفكار ومستنقعات القرون الوسطى، وكان وثمة تخلف شديد وقد أخفق رجال الدين وهُزموا لأنهم لم يستطيعوا أن يواكبوا التطور والتقدم والتفاعل مع متطلبات الحياة وكانوا فعلاً منغلقين على أنفسهم فنجحت النهضة في أوروبا وحقق الإصلاح الديني آفاقه هناك لكن نحن نختلف كل الاختلاف: أولاً ديننا ورجالاتنا لا تجد أحداً منهم متنوراً يكون عنده مثل ما كان عند رجال الدين المسيحي في أوروبا.. لأن الإسلام علمهم أنه دين ودولة.. دين ومنهج.. دين وحياة.. دين ونظام.. هذه المعاني غير موجودة في المسيحية، الإسلام يشمل كل أنماط الحياة الإنسانية أما المسيحية فهي مجرد طقوس وعبادات وأخلاق وآداب ليس فيها نظام حياة بدليل قول السيد المسيح ((دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله)) ولذلك الدولة الرومانية سيطرت على الفكر المسيحي لأن أصول الدين المسيحي تقوم على هذا.. ديننا يختلف ورجالاتنا يختلفون في منهجهم عن منهج رجال الدين المسيحي لذلك فقضية الإصلاح عندنا غير واردة، لأننا من دون إصلاح نحن متفاعلون مع كل تطلعات العصر والزمان والمكان من دون حاجة لا إلى ثورة ولا إلى إصلاح.. هذه طبيعتنا، ومنهاجنا وهذه أصول ومنطلقات شريعتنا.

 

17 ـ يقول نصر حامد أبو زيد: إن ما يربطني بالقبطي المصري أوسع بكثير مما يربطني بالمسلم الأندونيسي.. فما رأيك؟!

هذا الفكر نرفضه ومنشؤه قضية المصالح الوطنية، وقد أشيع هذا عندما كنا طلاباً في الأربعينيات.. أنا أتعامل مع المسيحي بكل صراحة وكل وضوح، وعندنا انفتاح للتعاون مع الجميع وهناك خلط في هذا الطرح.. المسلم هو المسلم في أي بلاد الدنيا.. المسلم هو ممثّل الحق ورسالة الإسلام والتوحيد والإسلام أفضل وأصح عند الله جل جلاله من أي دين آخر إن الدين عند الله هو الإسلام.. فهذا الطرح فيه مغالطة فلا يمكن أن ندخل الفكر في تقييم دين على دين آخر مع المصالح الوطنية فالكلام بهذا الأسلوب خطأ.. نحن نرحب بالتعاون بغضّ النظر عن الاختلاف الديني، نحن نرحب بالتعاون مع أي قوة نعيش معها ولا شك في أن جاري المسيحي يجب أن أتعاون معه لمواجهة الأعداء.. أما الأفضلية عند الله فهذه أفضلية دين على دين فلا يصح أن نقول هذا أفضل من ذاك لأن الأفضلية محسومة في القرآن الكريم فالدين الحق هو دين الإسلام.

 

18 ـ هل نحن محتاجون للإصلاح الديني؟!

لا، ديننا لا يحتاج للإصلاح، وإنما يحتاج لتكتل قوى المسلمين من أجل إعمال الإسلام.

 

19 ـ ماذا تقول في دعوى فصل الدين عن الدولة؟!

نرفضها كما نرفض الفكرة السابقة، لأن الإسلام دين ودولة، دين ومنهج، دين وحياة والذي يقول بفصل الدين أي الإسلام عن الدولة هو مصادم لأصول الإسلام، ولا يجوز بحال من الأحوال أن نقر بهذا الاتجاه. صحيح نحن من الناحية السياسية أخوة في الوطن ودائماً لا يمكن أن نفرق بين مسلم وغير مسلم في قضية الوطنية، لكن هذا لا يعني أن نعطّل ديننا ونجعله مقصوراً على المساجد ودور العبادة ونعزله عن الحياة، الإسلام دين شامل، دين يحدد علاقتنا بالخالق، وعلاقتنا بالنفس الإنسانية، وعلاقتنا بالمجتمع فكل من يفصل الدين عن الدولة هو مصادم لأصول الإسلام ومنطلقاته وفكره، وقضية الوحدة الوطنية نحن نرحب بها ولا يعني أننا إذا طبقنا الإسلام أن نغمط أو نظلم أحداً ممن يعيش معنا أما بالنسبة إلى القول بفصل الدين عن الدولة من أجل تحقيق الوحدة الوطنية.. فإننا نقول إننا أمة في الوطن مصالحنا وآمالنا وآلامنا واحدة ولا يظنّن أحد أن الإسلام يمكن أن يجعل فوارق وحزازات بيننا وبين غير المسلمين، فغير المسلمين لهم حق المواطنة وحق التعاون معنا سواء في ممارسة شعائرهم وأديانهم، وقد أُمرنا بتركهم وما يدينون، أوما يتعلق بالحياة الاجتماعية والاقتصادية.. نحن نتعاون مع الكل.. ففكرة فصل الدين عن الدولة تعزل الإسلام عن الحياة لإرضاء الآخرين.. من قال إن الإسلام يرفض الآخر، ويرفض التعاون مع غير المسلمين.. فهذه القضية مرفوضة وطرحها مرفوض.

 

20 ـ المذاهب في الإسلام متعدّدة، هل لديك رؤية تجمع المسلمين تحت راية واحدة.. وهل تعتقد أنه من الممكن أن يحتكر مذهبٌ واحدٌ الحقيقةَ المطلقة؟!

حضرت منذ سنتين إلى الآن أكثر من اثني عشر مؤتمراً للبحث في موضوع التقريب بين المذاهب، وكلنا نتفق على ضرورة إقصاء عوامل الخلاف التي يختص بها كل واحد منا مغايراً للآخر بألا نتدخل في شأن المذهب الشيعي أو الأباضي أو أي مذهب آخر، ليسر كل على مذهبه كما يشاء. لكن هناك أصولاً مشتركة تجمع بين هذه المذاهب وهي أن ديننا واحد وقرآننا واحد، وسنة نبينا واحدة.. وهذه أمور كفيلة بجمع كل الطاقات.. والذي يفرق بين المسلمين ليس المذاهب إنما هو جهل بعض علماء الدين الذين يغذون العامة بأفكار كلها مغلوطة وممتلئة بالحقد والسم والدعاية البغيضة.. إذاً مساعي وأساليب التربية والتعليم من بعض هؤلاء سواء أكانوا سنة أم شيعة.. هو الذي يؤدي إلى الخلاف، أما المذاهب فكلها ملتقاها وأساسها هو القرآن والسنة فنستطيع أن نجمع الجميع على ما اتفقنا عليه وليعذر كل واحد الآخر فيما اختلفنا فيه كما يقال إنها قاعدة ذهبية ويسهل حينئذٍ دمج المساعي والجهود كي تصب في بوتقة واحدة وفي مجال واحد هو محاربة الآخرين، وأن نكون أخوة متحابين في كل شيء.. وأنا الآن من دعاة التقريب بين المذاهب وعضو في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب في إيران عندنا اجتماع في ربيع الأول القادم ونسعى دائماً لإزالة كل أوجه الخلافات والقرارات التي تتخذ في المؤتمرات يجب أن تترجم إلى واقع.. لكن للأسف الشديد فإنها تظل حبراً على ورق وبعيدة عن التطبيق حينما ينفلت كل واحد مع جماعته يقول لهم أموراً تكرس التفرقة ولا تحقق اللقاء وهذا سبب المشكلة.