في ذكرى رحيله الثالثة عشرة محمد يوسف حمود كما عرفته

العدد التاسع-آذار2006
الاحد 9 نيسان (أبريل) 2006.
 

صفحة جديدة 3

بقلم جان دايه

كان يمكن أن يكون الرقم 13 شؤماً لو أن مواهب الشاعر المحتفى به اقتصرت على صياغة القصائد بسوريالية بريتونية (1) حيث يحتاج القراء لمنجّم مغربي لفهم القصيدة أو بالأحرى بيت واحد منها.

كذلك، فإن النحس المرادف للرقم 13 ينتقل من الأسطورة أو الخرافة إلى الحقيقة والواقع، إذا اتبع الأديب، الذي رحل في العام 1993، النهج السّعقلي (2) لجهة المعنى فيزحلن (3) لبنان ويلبنن العالم.. وإذا اقتفى نهج عبد الله العلايلي وأمين نخله، فيصير المضمون عبداً مأموراً لصاحبة الجلالة: الكلمة.

أما إذا كان الشاعر والناثر من المدرسة الادبية التي يتميز خريجوها بالشطارة في حقل العلاقات العامة، فيتصدرون المنابر وشاشات التلفزيون وصالون الصفحات الثقافية في الصحف ويقتنصون الأوسمة وحفلات التكريم بكثرة وسهولة.. فإن الشؤم والنحس يتعديان الرقم 13 ليشملا سائر الأرقام.

ولكن الرقم 13 يصبح سعداً عندما يقترن بذكرى رحيل شاعر مجدد أبدع ديوان >في زورق الحياة< وأناشيد الشجرة والمقاومة ونشيد >يا روابي ميسلونا<، بعد أن تماهت موهبته الشعرية بالفلسفة السعادية (4) الجديدة التي وفّرت مفتاح الحداثة عبر نظرتها الجديدة إلى الحياة. أما نتاجه النثري الذي لا يقل نهضوية عن شعره، من مثل >ذلك الليل الطويل< و>هتاف الجراح< وسائر كتبه المنشورة، وفي مئات مقالاته التي صنّف معظمها في كتب برسم النشر، فقد تمكّن حمود من تحقيق توازن بين لغته القرآنية الجميلة ومضمونه النهضوي العميق. أما أسلوبه السّاخر، فضاعف من جاذبية نتاجه النثري، خصوصاً حين ينقد شخصيات سياسية أو أدبية. وكان فوق كل ذلك وتحته، بعيداً عن شطارة العلاقات العامة، بدليل أنه أمضى حياته موظفاً صغيراً في دار الكتب الوطنية، ولم يمتلئ صدره بالأوسمة التي ملأت صدر مؤسس الدار ورائد مؤرخي الصحافة العربية الفيكونت فيليب دي طرازي.

أكتفي بالعناوين السابقة، لأكمل احتفالي بذكرى محمد يوسف حمود الثالثة عشرة، باستعادة جزء صغير مما سمعته منه عبر لقاءاتي به في دار الكتب الوطنية.

موظف صغير .. أديب كبير

شاهدته أول مرة في قاعة المطالعة التابعة لدار الكتب المزنّرة بالصور الزيتية الكبيرة الحجم العائدة لرواد النهضة اللبنانيين، الثقافيين منهم والسياسيين، والتي كنت ارتادها أسوة بالعديد من الطلاب لمطالعة الكتب الأدبية ولممارسة الشيطنة، في الوقت نفسه. لذلك، كانت القاعة مسرحاً للضجيج رغم الآرمة التي تطالب روادها بالسّكون، وربما بسبب ذلك، ورداً على التحذيرات المتكررة التي يوجّهها موظفوها إلى المستعيضين عن القراءة الصامتة بالثرثرة الصاخبة. فجأة، دخل رجل أسمر مربوع القامة ومعه بعض الضيوف الفرنسيين المعنيين بدور الكتب، فتوقف قرب الطاولة الأولى ونَقَفَ بسبّابته عليها ثلاث مرات مقدمة لتوجيه كلمة مقتضبة بنبرة صارمة وفصحى متينة، طلب فيها من عشرات الطلاب والباحثين الصمت احتراماً لحرمة المطالعة وللزوار الكرام. ووسط هدوء تام، جال مع زواره وشرح لهم تاريخ الدار ومحتوياتها وأجاب على استفساراتهم بلغة فرنسية جيدة.

وسألت أحد موظفي الدار عن اسم الرجل ووظيفته، فأجابني انه محمد يوسف حمود رئيس قلم الدار. ومنذ تلك اللحظة، تأكد لي ان الأديب الكبير والموظف الصغير، يتمتع بشخصية قوية.

وعلى ذكر الرسوم الزيتية التي كانت تملأ جدران قاعة الدار يوم كان مركزها في مبنى البرلمان، فإن بعض أصحابها كانوا من رواد النهضة أمثال المعلم بطرس البستاني وجبران وأمين الريحاني والأمير فخر الدين. والبعض الآخر كانوا معادين للنهضة أمثال الصحافي المهجري الطائفي نعوم مكرزل، وحاكم جبل لبنان الفاسد والمستبد الأمير بشير الشهابي >الكبير<. أما البعض الثالث، فكانوا عاديين وبخاصة الكتّاب منهم، وفي عداد هؤلاء الدكتور أمين الجميّل. يبقى البعض الرابع والأخير المغيّب عن الدار لأسباب سياسية، وفي طليعة هؤلاء الزعيم انطون سعاده ووالده الدكتور خليل. وبمناسبة احتلال بعض مسلحي بيروت الغربية لدار الكتب خلال الأحداث، وتدفُّئهم بنار بعض المخطوطات والكتب النادرة، ووضعهم جميع رسوم الرواد في سلة واحدة، وفقئهم لعيونهم بالخناجر والحراب بمن فيهم مبدع هذا النهج المير بشير.. فقد سألت رئيس القلم عن سرّ ومبرّر وجود صورة لكاتب عادي هو الدكتور أمين الجميّل إلى جانب صورة الأديب والصحافي الكبير أنطون الجميّل الذي ترأس تحرير الأهرام في أوائل القرن الماضي. وأجاب بما معناه، أن الشيخ بيار الجميّل اختصر اللجنة المختصة يوم كان وزيراً للتربية، واتخذ قراراً بتعليق صورة والده في دار الكتب الوطنية، ثم >اقتحم< قاعة المطالعة مع أبنائه وبعض مسؤولي الوزارة، فعلّق الصورة وأدى التحية، ثم انصرف مع الوفد المرافق وسط ذهول الموظفين.

6 و 6 مكرر

وفي عهد وزير التربية المير رئيف أبي اللمع، أعدّ الموظفان في الدار منير وهيبه (5) وآخر من آل معوض أصبح فيما بعض رئيساً للدار، كتاباً حول محتويات دار الكتب وتاريخ تأسيسها، وقدّما نسخة مجلّدة ومرقمة لمعالي الوزير بأمل أن يُحلْونُهما بشوية فراطة.

وكانت المفاجأة.. فقد وقّع معاليه على حوالتين، إحداهما باسم حمّود وتقضي بدفع ألف ليرة لبنانية، والثانية، تتضمّن قراراً بدفع خمسمئة ليرة لبنانية لكل من معوض ووهيبه.

بعد فترة قصيرة اجتمع المير رئيف بموظفي وزارة التربية ومنهم موظفو الدار التابعة لها، وحين التقى بحمّود دار بينهما الحوار التالي:

الوزير: هل قبضت الحوالة؟

حمود: قبضتها وصرفتها ولكن...

الوزير: أترغب في معرفة سبب الحوالة؟ حسناً إنها مكافأة على الكتاب الذي وصلتني هدية منه!

حمود: ولكني لم أشترك في إعداده...

الوزير: أعرف، أعرف، ولكن ماذا أفعل بالمادة، 6 و 6 مكرّر؟

والطريف ان الوزير أبي اللمع علماني، ولكنه كان مضطراً لممارسة التوازن الطائفي الذي تنص عليه المادة، ومكرر في الدستور اللبناني. والاكثر طرافة أن معاليه قد دفع لأديب لم يشترك في تأليف الكتاب، ضعف ما دفعه لمؤلفَيْ الكتاب، ليس فقط نكاية بالطائفيين المناهضين بشراسة لمبدأ فصل الدين عن الدولة، بل أيضاً لمساعدة صديقه المعجب بأدبه المليء باللمعات الابداعية.

أعود إلى دار الكتب ولكن هذه المرة برفقة الشاعر والاعلامي جوزف أبي ضاهر. وفي مكتبه الصغير، تدفق محمد يوسف حمود في سرد بعض الوقائع الطريفة التي جرت معه، أو كان هو شاهداً عليها. ولعب الزميل أبي ضاهر في تحريضه على سردها وأحياناً تذكيره بعناوينها.

وتبيّن لي من تلك الجلسة أن حمود بارع في رواية الحوادث المضحكة المبكية الواقعية، ولديه الاستعداد لسردها إذا توفّرت السمّيعة.

كان حمود مداوماً في مركز منفدية بيروت في العام 1938، حين دخل قبضاي بيروتي يدعى محمد سعاده.. بعد السلام أشار الزائر إلى صورة سعاده المعلقة وراء المكتب حيث يجلس حمود وقال: سعاده وسعاده، يعني قرايب، جدي كان له أخ ترك بيروت واستوطن الشوير وشجرة العائلة تثبت ذلك، ثم دار الحوار التالي:

محمد سعاده: الآن وهنا أريد الانتساب لحزب قرابتي...

محمد حمود: وهل اطلعت على المبادئ؟ (6).

> من كل بد: سورية للسوريين والسوريون أمة تامة! وغيره؟

- وهل لديك فكرة عن دستور الحزب؟

> طبعاً: تحيا سورية! والباقي أعرفه بعد الانتساب.

- تعلم ان الزعيم قد اعتقل ثلاث مرات خلال عامين، ويمكن قول الشيء نفسه عن العديد من المسؤولين والاعضاء!

الحبس للرجال!

حزبكم ماسوني

كان الرجل يسدّ كل باب يفتحه بوجهه حمود. ولم يبق لحمود الا جارور المكتب ليفتحه، ويُخرج منه طلب الانتساب كي يملأه الزائر ويعيده. وسأله صاحبنا بعد أن أصبح الطلب في يده: يا سميّي، علمت انكم تدفعون للعضو 200 ليرة لبنانية شهرياً، فهل تستكثرون 300 ليرة لمحمد سعاده؟

وأجابه سميّه: الظاهر هناك التباس، فالأحزاب الأخرى تدفع لأعضائها، وعندنا يدفع الاعضاء للحزب.

فامتقع وجه الزائر، ورمى طلب الانتساب على الطاولة، وغادر ولسان حاله يقول: الآن تأكّد لي أن حزبكم حزب ماسوني!

نبقى في الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث تأسّست مجموعة من الأحزاب الطائفية رداً على الحزب العلماني، أحدها حزب النجادة. وسرعان ما برز اسم الصحافي محمد النقاش في الهيئة المسؤولة للحزب الجديد. كان النقّاش عضواً سابقاً في الحزب السوري القومي، وانسحب منه بُعيد انكشاف أمره مع نسيبه الدكتور زكي النقاش. (7). ذات يوم التقى محمد النقاش بحمّود على ساحة البرج، وكان الحوار القصير والبليغ التالي:

حمود: ما هو سرّ انتقالك بالسرعة الصاروخية من الحزب القومي إلى النجادة؟

النقاش: (باللهجة البيروتية) هانيك في عاقة (هناك يوجد تأخير). هان (هنا) فتّح عين وغمّض عين، أصبح وزيراً، أو نائباً، أو محافظاً على الأقل.

والجدير ذكره أن الحزب لم يبق خارج جنة الحكم في لبنان اكثر من نصف قرن وحسب، بل كان مضطهداً من الحكّام لدرجة طردهم لمدّرس في احدى القرى النائية اذا اكتشفوا انه ينتمي إلى الحزب القومي.

ونظراً لضيق المساحة، أختم بما رواه حمود عن انقاذ رياض الصلح له من خيزرانة القبضاي أبو عفيف كريدية. استمع الصلح ذات يوم لحمود وهو يلقي قصيدة في حفل شعبي، فاعجب به وهنأه ودعاه إلى زيارته ساعة يشاء. وهكذا صار.. والقبضايات الذين يلبسون القنباز ويحملون الخيزرانات والمسدسات باتوا يعرفون ان حمود شاعر ويخص البيك، بعد ان رأوا الصلح يستقبله في مكتبه ويودعه بكل احترام، باستثناء قيدوم هؤلاء أبو عفيف كريدية.

وذات صباح، دخل حمود الصالون الكبير، مقدمة لدخول مكتب الصلح، فوقف الجميع احتراماً باستثناء أبو عفيف الذي لفته وقوف زملائه لشاب في مقتبل العمر لا يلبس قنبازاً وليس في يده خيزرانة. مال نحو جاره أبو عفيف البعدراني وسأله بلهجته البيروتية الفولكورية: مينو هيدي؟ أجابه باللهجة ذاتها: >ولو، ما عرفتو؟ هيدي محمد يوسف حمود الشاعر الكبير<! عندئذ صاح به: >تعا لهان، انت الشاعر الكبير<؟ فأجابه: شاعر بدون كبير! فقال له أبو عفيف: وعملت قصيدة لرياض بك؟ اجاب بالنفي. عندئذ شتمه وصاح به: >وليه شاعر واضرب واطرح وما نظمت قصيدة لزعيمك وولي نعمتك<! وفيما كان يهوي بالخيزرانة لتأديبه، خرج رياض الصلح من مكتبه وردع رئيس القبضايات بقوله إن الشاعر جاء خصيصاً لينظم القصيدة!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 - نسبة إلى الشاعر الفرنسي السوريالي اندريه بريتون.

2 - النهج الذي اتبعه الشاعر سعيد عقل في كتاباته النثرية.

3 - يصبح لبنان نسخة طبق الأصل عن زحلة.

4 - شرح سعاده تفاصيل هذه الفلسفة في كتابه >الصراع الفكري في الادب السوري.

5 - شقيق المؤرخ نسيب وهيبه الخازن، الذي أقام دعوى من أجل استعادة اسم عائلته.

6 - كانت طلبات الانتساب تدرس، وتُجمع المعلومات حول أصحابها، قبل الموافقة عليها بعد عدة أشهر، إذا تبيّن ان سيرتهم حسنة ويغلّبون المصلحة العامة على مصالحهم الشخصية.

7 - مؤرخ تولّى مسؤولية عمدة الدفاع في مرحلة الحزب السرية (1935 - 1932)