"ملف الديموقراطية مفاهيم..وأفكار" : جاد الكريم الجباعي : جميع الأحزاب السورية في السلطة والمعارضة تمارس منطق تخوين المختلف وتكفيره

العدد 2 - آب 2005
الجمعة 5 آب (أغسطس) 2005.
 
لفت نظري ما لجأ إليه الدكتور جورج جبور من حسن التخلص حين أشار، في العدد السابق من مجلة تحولات، إلى شهادة ابن باديس الذي قال: لو أن الفرنسيين طلبوا إليه أداء الشهادتين لما فعل. ومع أن الدكتور لم يتبنَّ موقف ابن باديس، فقد أشار ضمناً إلى واقعةِ أنَّ كثيرين جداً من القوميين والاشتراكيين والإسلاميين يتبنون اليوم موقف ابن باديس إزاء الولايات المتحدة الأميركية وحديثها عن دمقرطة المنطقة، بل إزاء الغرب وكل من يأتي منه. وكنت أتمنى لو أن الدكتور جبور أشار إلى رأي أحد مواطني ابن باديس، المفكر الإسلامي الشهير، مالك بن نبي، الذي مفاده أن الاستعمار هو نتيجة قابلية الشعوب المتأخرة للاستعمار.

القابلية للاستعمار ينبغي أن تكون موضوعنا، قبل شتم الاستعمار، وقبل مقاومته أيضاً. وحذارِ أن تخدعنا المقاومة المفخخة والانتصارات المفخخة. الواقع التجريبي يقول: إن بلادنا لا تزال قابلة للاستعمار وإن القابلية للاستعمار لاتزال تنمو طرداً مع نمو التأخر. أتحدث عن سورية بوجه خاص، لكي يكون للكلام معنى.

السؤال إذن، بلا مخاتلة وبلا تحايل هل تساعدنا الديمقراطية على وقف الانهيار، ووضع حد للتأخر، وتحصين بلادنا بشعوبها، لكي تصير أقل فأقل قابلية للاستعمار، وأكثر قدرة على استثمار طاقاتها ومواردها البشرية والطبيعية؟ أنا، عن نفسي، أقول: أجل، من دون أي يقين قطعي. وهل تساعدنا الديمقراطية على بناء أو إعادة بناء الوطنية السورية التي فك الاستبداد جميع عراها؟ وهل ثمة علاقة ضرورية بين الديمقراطية وبين عملية بناء الوطنية السورية؟

عن نفسي أيضاً أقول: أجل، من دون أي يقين قطعي. وللإجابات الأخرى المحتملة المشروعية ذاتها التي لإجابتي. إذن، ليكن عندنا ديمقراطيون أو ليبراليون إلى جانب القوميين والإسلاميين والاشتراكيين من دون أن يخَّونهم أحد.

تخوين المختلف وتكفيره هما منطق الاستبداد، على اختلاف صنوفه وألوانه، وهو المنطق الذي لا يزال سائداً لدى جميع الأحزاب السياسية السورية، سواء في السلطة أو في المعارضة. هذا ملف آخر لا بد من فتحه بشجاعة. ثمة حلقة مفقودة بين الوطنية والديمقراطية ينبغي البحث عنها قبل الإجابة عن السؤال.

الوطنية والاستبداد ضدان لا يجتمعان معاً؛ تريدون إيضاح ذلك؟ افتحوا ملف الوطنية قبل ملف الديمقراطية، فلا معنى للثاني من دون الأول.

المشروع الراهن والملح في سوريا هي استعادة الدولة الوطنية التي دمر حزب البعث العربي الاشتراكي وجبهته الوطنية التقدمية جميع مقوماتها باسم المشروعية الثورية والتحولات الاشتراكية والوحدة العربية والثوابت القومية، فإذا هذه جميعاً ذات مضمون استبدادي.

دولة الحزب الواحد أو الحزب القائد ليست دولة وطنية بأي معنى من المعاني، وكذلك دولة العشيرة ودولة الطائفية ودولة الطغمة، ذلك لأنها دولة جزء من المجتمع، لا دولة المجتمع، ولأنها تقوم على مبدأ الامتيازات وتسلسل الولاءات، لا على مبدأ المواطنة الذي قامت عليه جميع الدول الحديثة. والمواطنة بالتعريف هي تساوي جميع المواطنين أمام القانون الذي هو ماهية الدولة. وتساوي المواطنين أمام القانون هو تساويهم في الوطنية، فليس في الدولة الوطنية من هو أكثر أو أقل وطنية من الآخر، بخلاف ما هو قائم عندنا إذ السلطة وطنية وكل من يعارضها، بل كل من لا يواليها خائن وعميل.

السلطة الاستبدادية القائمة فرضت نفسها مرجعاً وحيداً للوطنية ومرجعاً وحيداً للحقيقة، بالعسف والإكراه، فقتلت الروح الوطنية في الشعب، إذ حولته إلى جماهير، أي إلى سديم بشري غير منسوج لا حول له ولا طول، فلا نقابات ولا أحزاب ولا منظمات شعبية إلا نقاباتها وأحزابها ومنظماتها، ولا رأي سوى رأيها ولا قول سوى قولها.

لا نستطيع أن نجعل من الآدمي فيلسوفاً قبل أن نجعل منه إنساناً، كما قال جان جاك روسو، واستطراداً لا نستطيع أن نجعل الإنسان ديمقراطياً قبل أن نجعل منه مواطناً. هنالك شيء تحت الديمقراطية وقبلها، هو أساسها المكين: الفرد، بما هو ذات حرة ومستقلة ومسؤولة، الفرد من الجنسين، والمواطن من الجنسين المتساوي مع غيره من المواطنين في الحقوق والواجبات. مساواة المرأة بالرجل خاصة مبدأ أساسي لا مساواة من دونه.

الوطنية قبل الديمقراطية وأبدأ منها وهي شرطها الضروري. والوطنية، إضافة إلى دلالاتها الوجدانية، هي الانتماء إلى الدولة الوطنية انتماء خالصاً يتخطى جدلياً جميع الانتماءات الأخرى من دون أن يلغيها. الوطنية مفهوم علماني، ولكنه لا يلغي انتماء الفرد إلى دين أو مذهب؛ ولا ينفي كذلك انتماء الفرد إلى جماعة إثنية، ولا ينفي تعلقه بمسقط رأسه أو بمدينته أو منطقته. الوطنية لا تفرض على المواطنين شيئاً لا يفرضونه على أنفسهم، ولا تلزمهم بشيء لا يلزمون أنفسهم به، ومن يلزم نفسه يظل حراً. هكذا يكون المواطنون حاكمين ومحكومين في الوقت عينه، حاكمين لأنهم يضعون القوانين، بواسطة ممثليهم المنتخبين انتخاباً حراً ومباشراً وسرياً ونزيهاً، ومحكومين لأنهم يطيعون القوانين التي وضعوها لأنفسهم ورأوا فيها ملاذاً من الجهل والهوى ومن تعسف الإرادات الخاصة.

وهي، من ثم، جملة من الحقوق المدنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية وما تعيِّنه هذه الحقوق من التزامات ومسؤوليات إزاء الآخر المجتمع وإزاء الدولة، في الوقت ذاته، ولا التزامات بلا حقوق. سورية اليوم بلد بلا حقوق وبلا حريات، بدلالة حالة الطوارئ المفروضة منذ الثامن من آذار 1963، هل اطلع أحدكم على قانون الطوارئ السوري؟ إنه ينفي جميع الحقوق وجميع الحريات، ناهيكم عن قانون الثورة ومصلحة الثورة وهما أدهى وأمر. الحقوق التي أشرت إليها هي موضوع القانون الذي يسري على الجميع، وهي الأساس الموضوعي للحريات الأساسية.

الوطنية هي الصيغة العملية، الواقعية، للعقد الاجتماعي، بما هو عقد طوعي بين مواطنين أحرار ومتساوين في الحقوق ومختلفين اختلافات شتى وينضوون في فئات اجتماعية ذات مصالح مختلفة ومتعارضة وفي ما تنتجه هذه الفئات من تنظيمات مدنية، كالجمعيات والنقابات والأحزاب السياسية. والدستور هو الصيغة الحقوقية أو القانونية للعقد الاجتماعية ذاته، فاقرؤوا مقدمة الدستور السوري الدائم والمادة الثامنة منه خاصة، لتضعوا أيديكم على ماهية العقد الاجتماعي، عقد الإذعان، الذي فرض على المجتمع، فهو دستور ثورة لا دستور دولة، ثورة وضعت المجتمع كله في فم الحوت، وجميع الحيتان أمة واحدة وملة واحدة.

لتتحدث الولايات المتحدة كما تشاء، ولكن لنتحدث نحن كما نشاء، لا كما يراد منا أن نتحدث، أياً كان الذي يريد. السؤال عن الديمقراطية في ضوء حديث الولايات المتحدة عن دمقرطة المنطقة سؤال ماكر ومردود على السائل. من يريد أن يوالي السلطة السورية ويدافع عنها، فليوالِ وليدافْع، ولكن ليس من حقه أن يفعل ذلك باسم الوطنية، وليس من حقه أن يتهم من يخالفونه الرأي والموقف بالكفر والخيانة. المصالح الخاصة مشروعة ولكنها عمياء، والنظام السوري هو نظام المصالح الخاصة العمياء، فعلى من له مصلحة في موالاته أن يواليه صراحة بلا مكر ولا تدليس، وبلا حيل إيديولوجية صارت مدعاة للسخرية ومن يريد أن يذهب للحج والناس راجعة فحجاً مبروراً وسعياً مشكوراً.