البهائية: اعتراف بكل الديانات وتحريم العمل بالسياسة.."ما جئت لأضع الأحكام، بل لأفكّ الرحيق المختوم"

العدد التاسع-آذار2006
الاحد 9 نيسان (أبريل) 2006.
 

 تساؤلات كثيرة بدأت تطرح نفسها بقوة في الأوساط الصحفية والفكرية بعد أن نشرت صحيفة "تحولات" مقالة مختصرة في عددها الرابع حول البهائية كمجتمع وفكر ديني جديد، وكان لا بد لنا من متابعة الجهد الذي بذلته الزميلة "بادية ونوس" والبدء من حيث توقفت بحثا عن معظم الإجابات حول الجماعة البهائية، من هم؟ وما هو نهجهم الفكري والعقائدي؟

 قادنا البحث إلى بعض المعلومات الهامة منها أن الطائفة البهائية تعد أكثر الطوائف انتشارا على مستوى العالم رغم قلة أفرادها عددا في كل مركز من مراكز انتشارها، من هنا توجهنا بالسؤال الأول إلى أحد البهائيين في سوريا عما إذا كان هذا الانتشار عفويا وحدث بشكل تلقائي طبيعي، أم أنه جاء مقصودا من خلال إدارة ما تملك صلاحيات معينة تخولها إحداث تنظيم بهذا الشكل. جاء الجواب واضحا ومباشرا بكلمة (بلى) إن هذا الانتشار مقصود.

 كان اللقاء في منزل السيد عنفوان عبد الله، وهو سوري دمشقي من أصل كردي، أربعيني العمر، اعتنق الدين البهائي مع أسرته منذ عقد ونيف. يمكن القول أن الفرد البهائي يعمل على عكس صورة حضارية تعبر عن الدين، ابتسامة هادئة ومحبة ومنزل مضياف وكريم وتعامل راق ومهذب إضافة إلى الحوار المفتوح على كل التوجهات الفكرية مع احترام رأي الآخر مهما كان.

أصر السيد عبد الله على أن يتم التفريق بين وجهة نظره الخاصة وبين التعاليم الأساسية للدين وفحواه الفكري، خاصة أننا ابتدأنا الحديث بالفرق بين الديانة البهائية والمذاهب الاسلامية الأخرى وأوجه الشبه بينها، فأكد لنا عندئذ أن البهائية ليست مذهبا اسلاميا أو فلسفة دينية بل هي دين منفصل أوحى به الله إلى "حضرة بهاء الله" وهو نبي الرسالة البهائية التي أرسلت إلى البشرية جمعاء - بحسب الفكر البهائي - وجاء في كتاب المبادئ البهائية:" ولد الدين الذي أسسه بهاء الله في إيران حوالي منتصف القرن التاسع عشر وثبت مركزه الروحاني الدائم في أرض المقصود نتيجة لنفي مؤسسة المتعاقب "أي المُعاقَب" الذي انتهى بنفسه إلى عكا" ويضيف الكتاب:" بالرغم من نشوئه من المذهب الشيعي الاسلامي واعتبار أتباع العقيدتين الإسلامية والمسيحية إياه في مراحل تطوره الأولى فرقة غامضة، أو نظاما من أنظمة الدين الآسيوية، أو مذهبا من مذاهب الديانة المحمدية، إلا أن هذا الدين أخذ الآن يدل بصورة متزايدة على حقه في أن يعترف به كتقرير جديد للحقائق الخالدة المودعة في قرارة كل دين من الأديان الماضية".

برأي السيد عبد الله أن:" العصر يتطور مع الفكر البهائي، والأفكار المذهبية - وليس الدينية - تتطور مع العصر". يقصد بذلك أن التعاليم الدينية الخاصة بالهائية استطاعت برأيه أن ترسم الطريق الأسلم والنهج الأفضل الذي تتبعه البشرية في الوقت الراهن، من ذلك مثلا مبادئ البهائية في التعليم الإجباري، واتخاذ لغة عالمية، ومساواة الرجل والمرأة وغيرها من المبادئ الإثني عشر التي وضعتها البهائية. في حين تكون مهمة الرأي المذهبي أن ينهل من الأساس الديني، سواء المسيحي أو الإسلامي تعاليما تتناسب مع تطورات العصر ومن هنا يكون تعدد الطوائف وطرائق التفكير.

جدير بالذكر أن البهائية لم تتعرض لانقسامات طائفية أو مذهبية رغم مرور 160 عاما على ظهورها، وذلك باعتبارها ديانة منفصلة عن غيرها، ما دفعنا إلى السؤال عن التنظيم الإداري والمركز الديني الذي يتم الرجوع إليه في المسائل والمشورات الدينية.

التنظيم الإداري في البهائية

"قد اضطرب النظم من هذا النظم البديع" وهي مقولة لحضرة بهاء الله، وهي تصف النظام الإداري للبهائية والمرجع فيه، كما يسمى، (بيت العدل الأعظم) يليه بالأهمية (بيت العدل الروحاني المركزي) ثم (بيت العدل الروحاني المحلي) وهذه التسميات لا تصف أبنية أو مقرات إدارية بل هي تصف أفرادا يتم انتخابهم ليكونوا المرجع لكل جماعة بهائية يزيد عدد أفرادها عن التسعة، ثم تنتخب الجماعات كلها تسعة أفراد يمثلون بيت العدل المركزي، وفي النهاية تقوم الجاليات البهائية في كل دول العالم بانتخاب تسعة أفراد يمثلون بدورهم (بيت العدل الأعظم).

أما عن نظام التبرعات فهو كالتالي: يقوم البهائيون بإخراج 19% من أموالهم المجمدة فقط أو الزائدة عن الحاجة سنويا، وتحديد الفارق بين الحاجيات الضرورية والكماليات يتبع للمفهوم الإنساني والاجتماعي الطبيعي، أما الأموال العاملة والمستثمرة في السوق أو المأخوذة لقاء الجهد فلا تدخل ضمن إطار التبرعات. يتم صرف الأموال المجموعة وتسمى "حقوق الله" لكل الفقراء حول العالم ما عدا أتباع الطائفة البهائية، لأن البهائية "دين مواساة لا مساواة" في الجانب الاقتصادي بحسب ما أكد السيد عبد الله.

 أزمة النقاش السياسي في البهائية

قد يعتبر الجانب السياسي أهم ما يمكن مناقشته مع البهائيين وخاصة أن علامات الاستفهام تدور بشكل واضح حول مقر (بيت العدل الأعظم) الذي يقع في مدينة القدس وهل للدولة الإسرائيلية علاقة بهم، أو على الأقل هل هي راضية عن هذه الجماعة؟ وما السبب وراء وجود تسميات لمقرات بهائية مثل "المحفل المركزي" تبدو للوهلة الأولى تسميات مشتقة من أنظمة ماسونية؟ وما هو موقفهم من الصهيونية؟ وما هو السلام العالمي الذي تقره البهائية وما هي مجريات هذا السلام وأبعاده المستقبلية وخلفياته السياسية؟

إن مبادئ البهائية تحتك بالسياسة العالمية بشكل كبير، كما تتدخل بتفاصيل سياسية اجتماعية هامة مثل منظمات اليونيسيف واليونيسكو وغيرهما والقرارات المتخذة بشأن حقوق الإنسان وحقوق الطفل وحقوق المرأة. إلا أن الفرد البهائي محرم عليه الخوض في المسائل السياسية لا من قريب ولا من بعيد، وأمام إصرارنا على الإجابة عن كل الأسئلة قرر السيد عنفوان عبد الله الإجابة عن أسئلتنا وعلى مسؤوليته الخاصة قائلا:" الدين له مبادئ وقيم وأخلاق سامية هي على الأغلب غير متوفرة في الصراع السياسي، فكيف يترك الإنسان هذا العلو ويتدنى إلى مستوى الخطيئة؟ السياسة هي مجموعة مصالح والمصلحة لا تتحقق إلا بوجود ظالم ومظلوم، والبهائية ضد الظلم، وهي تتألم مع المظلوم".

عن موقف الأفراد البهائيين من الصهيونية وآرائهم بها يقول عبد الله:" الصهيونية عمل تخريبي آثم وإجرام وظلم، إلا أن الدين اليهودي حق من الله يأمر بالألفة والسلام حاله حال الأديان التي تلته إلا أن المخربين عبثوا بشعائر الله وطرحوا الصهيونية على أنها أمر من الله، إن أي عمل إرهابي تخريبي هو عمل صهيوني حتى ولو لم يكن يتبع لمنظمة صهيونية".

إذا كانت السياسة محرمة فماذا عن الوطنية والوطن؟ يجيبنا كتاب المبادئ البهائية: "يأمر بهاء الله أتباعه أن يكونوا موالين لحكومتهم المتبوعة مطيعين لأوامرها ومقرراتها عاملين على تعزيز كيانها بالخدمات الصادقة والأمانة التامة وتأدية الواجبات الإدارية والوطنية على خير وجه وأكمله كمواطنين مخلصين ورعايا مسالمين أينما وجدوا وفي أي بلد أقاموا".

 أضواء عامة على البهائية

   تعترف البهائية بكل الديانات السماوية السابقة وتقدسها وتعتبر نفسها ديانة مكملة لها، وتقدس جميع الرسل  السماويين وكتبهم.

   ترى البهائية أن "زرادشت" و"بوذا" هم أيضا أنبياء الله وقد تم ذكرهم في القرآن الكريم والإنجيل المقدس.

  تنفي البهائية فكرة أن الكتب السماوية قد تعرضت للتحريف مفسرة بذلك كل ما ورد في القرآن عن هذا الخصوص بأن التحريف هو تحريف بالأفعال وتصرفات العباد، أما كتب الله فهي سامية عن أن يطالها البشر بالخطيئة.

  تتبع البهائية في تقويمها السنوي التقسيم "التسع عشري" وهو الذي يقسم السنة إلى 19 شهرا كل شهر يتكون من 19 يوم، ليتبقى بذلك 4 أيام تسمى "أيام الهاء" وأسماء الأشهر مرتبة هي: البهاء، الجلال، الجمال، العظمة، النور، الرحمة، الكلمات، الكمال، الأسماء، العزة، المشيئة، العلم، القدرة، القول، المسائل، الشرف، السلطان، الملك، العلاء، مأخوذة من خطبة للإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

  الصيام في البهائية صيام كامل عن الطعام والشراب من طلوع الشمس وحتى غروبها، وذلك في شهر العلاء وينتهي صيامهم في اليوم الأخير من العلاء والذي يوافق عيد النيروز حسب التراث الفارسي القديم. أما أيام الهاء فتكون بمثابة أعياد واحتفالات وتبرعات خيرية وهي تقع قبل شهر الصيام مباشرة.

  تقسم الصلاة في البهائية إلى ثلاث صلوات الكبرى وتصلى مرة واحدة في اليوم، الوسطى وتصلى ثلاث مرات في اليوم والصغرى وتصلى من الزوال إلى الزوال، وتختلف الصلوات عن بعضها بالزمن وعدد السجدات والركعات وفترة القيام والقعود، يصلي العبد من بينها صلاة واحدة فقط.

  المحرمات في البهائية، أو مايوازي الكبائر في الإسلام لديهم تسعة هي: الاستيلاء على أموال الناس، القتل، السرقة، ممارسة القمار، استعمال الأفيون، شرب الحشيش، شرب المسكرات، اشعال الفتنة والفساد ، ارتكاب الزنا.

  تقوم البهائية على 12 مبدأ هي: أساس الأديان واحد، اتفاق الدين والعلم، التعليم الإجباري، مساواة الرجل والمرأة، وحدة العالم الإنساني، الدين يجب أن يكون سبب الألفة والإتحاد بين الجميع، الاستقلال في تحري الحقيقة، محو التعصبات بأنواعها، اتخاذ لغة عالمية، تأسيس السلام العام، حل المشاكل الاقتصادية، في التحكيم الدولي مبدأ الولاء للحكومة المتبوعة وتحريم الاشتغال بالأمور السياسية.

  نبيهم ميرزا حسين علي نوري الملقب ببهاء الله (1817- 1892) وكتابهم يسمى "الأقدس"، وفيهم كتاب آخر يعنى بمسألة تفسير الكتب السماوية السابقة واسمه "الإيقان".