حداثـة المابعد: اللاّديني لا أخلاقي

العدد التاسع-آذار2006
الاحد 9 نيسان (أبريل) 2006.
 

لم يغادر النقاش الفلسفي الذي شهدته الحداثة الغربية المتأخرة ثالوث العقل ـ الدين ـ الأخلاق. ذلك على الرغم ممّا ألقت به الثورة التكنو ـ الكترونية من حُجُب لا حصر لها على فضاءات النقاش. قد يكون العكس تماماً هو الذي حدث بالفعل. أي أنَّ هذه الثورة بتظاهراتها المختلفة شديدة التنوّع، وصولاً إلى الثورة الرقمية والمعلوماتية كتجلٍّ أخير لها، سوف تضاعف من الحاجة لاستحضار سؤال الأخلاق والدين ناهيك عن سؤال العقل. وإذا كان لنا أن نلاحظ مناحي واتجاهات حركة التفلسف في الغرب الآن ، فسنجد إلى أي مدى يظهر الديني كعامل مؤثِّر في الظواهر ذات المنشأ الفلسفي. كان العالم الروسي نيقولا برديائيف يقول " إنَّ لليقظات الفلسفية دائماً مصدراً دينياً، وظلَّ يميل إلى الاعتقاد، حتى في ذروة شيوع النزعات الفلسفية الإلحادية، أنَّ الفلسفة الحديثة عامة، والفلسفة الألمانية خاصة هي أشد مسيحية في جوهرها من فلسفة العصر الوسيط ، وذلك بسبب موضوعاتها الرئيسية وطبيعة تفكيرها.فلقد نفذت المسيحية ـ بحسب برديائيف ـ إلى ماهية الفكر نفسه من فجر العصور الحديثة.(26)

لا بل حتى أولئك الذين يوصفون بالتيار الفلسفي المادي أكَّدوا على ضرورة الدين باعتباره وظيفة أبدية للروح الإنساني، وإنَّه يجب على الفلسفة نفسها أن تدخل حظيرة الدين وأن تجعله محوراً لها.

الأهم من ذلك أنَّ الاستعادة، الحداثية لمفهوم الأخلاق بما هو نأي عن الشر ونزوع إلى الخير، بل للأخلاق الكانطية المسيحية تعييناً، إنَّما هي استعادة من باب الوجوب. ثمة في الغرب اليوم، بل ومنذ بضعة عقود إرهاصات ذات حرارة مرتفعة تدعو إلى مراجعة شاملة للعقلانية كمفهوم وكنمط حياة في آن.

في رؤياه النقدية لأخلاق الحداثة الغربية سيلاحظ طه عبد الرحمن ـ في كتابه الذي أتينا عليه قبل قليل ـ مَدَيات التهافت التي عصفت بالحداثة فوجد أنَّ الحضارة الغربية الحديثة التي هي حضارة " اللوغوس" أو حضارة العقل، هي حضارة ذات وجهين: عقلي وقولي وذات شقَّين: معرفي وتقني، وكيف أنَّ هذين الوجهين وذينك الشقَّين، وإن قصدا تلبية حاجات الإنسان المختلفة والمتزايدة، فإنهما يضران بأخلاقيته بقدر يهدِّدا إنسانيته ؛ فالوجه العقلي من هذه الحضارة يقطع عنه اسباب الترقي في مراتب الأخلاق، والوجه القولي يضيِّق نطاقها ويجمِّد حركتها ويُنقِّص من شأنها، والشق المعرفي يخرجها من الممارسة العلمية ويَفصلها عن المعاني الروحية، والشق التقني يعمل على استبعادها والاستحواذ عليها كما يحرص على أن يستبدل بها غيرها ؛ وما ذاك إلاَّ لأنَّ هذه الحضارة حضارة ناقصة عقلاً وظالمة قولاً ومتأزمة معرفة ومتسلِّطة تقنية. وفي السياق نفسه يستطرد عبد الرحمن ليظهر أنَّ حاجة المفكِّر المسلم إلى أن يتأمَّل في الممارسة الأخلاقية لهي أشد منها في أي وقت مضى، وهو يضع لهذه الحاجة اعتبارات ثلاثة:

أحدها، أنَّ الآفات التي تحملها حضارة "اللوغوس" إلى الإنسان، وهي، كما ذُكِر، أربعة أساسية: "النقص" و"الظلم " و"التأزم" و "التسلط"، والتي تُؤذي الإنسان في صميم وجوده الأخلاقي بما ييأس معه من الصلاح في حاله والفلاح في مآله، لا يمكن أن يخرج منها أهلها بمجرد تصحيحات وتعديلات يُدخلونها على هذا الجانب أو ذاك من هذه الحضارة المتكاثرة، نظراً لأنَّ هذه التقويمات المحدودة ليست في قوة هذه الآفات الشاملة، حتى تقدر على محو آثارها وسوءاتها الأخلاقية ؛ ولا أدل على ذلك من أنهم لا يكادون يَفرغون من إجراء هذه الإصلاحات أو تلك حتى تظهر لهم من تحتها إفسادات أتوها من حيث لا يشعرون، فيقومون إلى إصلاحها، فيجدون مرة أخرى من الإفساد ما وجدوا من ذي قبل، وهكذا من غير انقطاع؛ وهذا يعني أنَّ أخلاق السطح لا تنفع في الخروج من آفات العمق، بل لا بد في ذلك من طلب أخلاق العمق ،وهذه، على خلاف الأخرى، تدعونا إلى الشروع في بناء حضارة جديدة لا يكون السلطان فيها لـ" اللوغوس"، وإنَّما يكون فيها لـ" الإيتوس " (أي الخُلُق)، بحيث تتحدَّد فيها حقيقة الإنسان ، لا بعقله أو بقوله، وإنَّما بخُلُقه أو فعله؛ فلا مناص إذن من أن نهيئ الإنسان لحضارة "الإيتوس"، متى أردنا أن يَصلُح في العاجل ويُفلِح في الآجل.

والاعتبار الثاني، أنَّ العالَم، بلا شك ، مقبل على تحوُّل أخلاقي عميق في ظل ما يشهده من تحولات متلاحقة في جميع مناحي الفردية وميادين الحياة المجتمعية ؛ وإذا كان لا بد لهذه التحولات المختلفة من أن تُفرِز قيماً ومبادئ ومعايير أخلاقية جديدة، فلا يبعد أن يلجأ سادة هذا العالم إلى وضع نظام أخلاقي عالمي جديد كما هو شأنهم مع النظام التجاري العالمي، وإن كان هذا النظام الأخلاقي الجديد قد لا يرى النور إلاَّ بعد الفراغ من وضع سلسلة من أنظمة عالمية متعددة أخرى: اقتصادية وسياسية وعسكرية وإعلامية وثقافية؛ ومرد هذا التأخير إلى سيادة تصور للأخلاق يجعلها تابعة ولاحقة لهذه الأنظمة الأخرى، لا متبوعة وسابقة عليها.

والاعتبار الثالث، أنَّ هناك غياباً كلياً للمساعي التي تعمل على تجديد النظر في الأخلاق الإسلامية بما يجعل هذا النظر يضاهي الفلسفات الأخلاقية الغربية الحديثة، ولا بالأولى يجعله يواجه التحدي الأخلاقي المقبل ؛ وهذا الغياب المؤسف لن يزيد المسلمين إلاَّ تضعضعاً في مركزهم، ولا سيما أنهم لا يملكون ، على ما يبدو في الأفق القريب، إلاَّ ما انطوى عليه الإسلام من القيم الأخلاقية والمعاني الروحية لتثبيت وجودهم وقول كلمتهم في الحضارة العالمية المنتظرة.(27)

ما لا يُشك فيه أنَّ الاعتبارات التي وضعها طه عبد الرحمن وهو يتقصَّى مسار التحولات في العقل الأخلاقي الغربي تفضي إلى ضرب من التواصل والتأثير على البنية الأخلاقية للمجتمعات العربية والإسلامية وتلك مسألة سيكون لها مجال مخصوص من النقاش. مع هذا فإنَّ ما يتولاّه بحثنا هذا في تحولات الفكر الأخلاقي الغربي قد يؤدي مساحة لا بأس بها من المهمة اللاحقة.

عقلانية التنوير: أثر بعد عين

لقد مضى زمن مديد بدا إنَّ اللحظة لم تَحِنْ لكي يختلي العقل الغربي بنفسه ويتأمَّل. ثمة مَن يزعم، وفي زعمه اقتراب من حقيقة المشهد في الغرب، إنَّ الحداثة وهي تنجز آخر تقنياتها لا تنفك تستغرق في غفلتها التي أدَّت بها إليها عقلانيتها ذات البعد الواحد. لم تعد العقلانية ـ كما حملت في نصوص التنوير الغربي ـ صالحة على ما يظهر ـ للإحاطة بما صار يعرف اليوم بـ"ما بعد الحداثة . كذلك فإنَّ العقلانية التي نذرت نفسها لاستنقاذ التاريخ من بدائيته، وأوهامه، وفوضاه، دخلت في ما ينافي قيمتها الأصلية. حتى السؤال الذي أنتجته ليعثر لها عن طريقة فضلى لسيادة العقل، ما فتئ أن انقلب عليها. صار سؤالاً استجوابياً في ما يقدمه المشهد العالمي من تغييب لأحكام العقل وقوانينه. كأنَّما انقلبت هي أيضاً، على نفسها، فاستحالت "طوطماً" للخداع والإيهام، بعدما كانت أنجزت فلسفتها "العظمى" في " تأليه " الإنسان.

استهلَّت العقلانية بيانها في ما أملته عليها حاجتها إلى الوثوب والترقّي. فكان عليها أن تتوسل الحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان وأن تؤكِّد وجوب أن يغادر العالم فضاء الوعي الإيديولوجي بما هو ـ على ما رَوَتْ ـ فضاء مكتظ بالأوهام، إلى رحاب الوعي العقلاني. غير أنَّ السيرورة التي حكمت العالم على امتداد ثلاثة قرون انتهت إلى منعطفات تراجيدية، وكانت الحربان العالميتان الأولى والثانية في النصف الأول من القرن العشرين والحروب المتفرِّقة الكبرى والصغرى في نصفه الثاني، بمثابة علامات حاسمة في التحول النهائي في اتجاه اللاّعقلانية الجائرة.

أما علامة التحوُّل الكبرى فهي تلك التي انتهت إليها العقود الخمسة من الحرب الباردة. ما رتبت انهيار منظومة تاريخية كاملة من ثوابت الفهم، وأنظمة القيم، وعلاقات القوة، في العالم كله. ربما كانت الحرب الباردة تحصيل هادئ للعقلانية، عندما أرادت أن تستريح من تمجيدها للعنف. إلاَّ أنَّها ما كانت لتجنح إلى مثل هذه المسالَمَة الماكرة، لولا أن انضبط العالم بتوازن مثير للهلع.. وإلاَّ لكان استأنف الغرب السياسي هذيانه العنيف، ومشى بخيلاء نادر خلف العقل الهيغلي، مطمئناً لفلسفة القوة، بوصفها علَّة التاريخ، وسبب اشتغال العقل وسلواه. سنلاحظ أنَّ هذه الفلسفة (فلسفة هيغل) " تميل إلى تشبيه مدار التاريخ، أي مدار الروح، بمدار الشمس. كانت تقول بأنَّه إذا كان نور الشمس يسير من الشرق إلى الغرب ، فإنَّ ضوء العقل يتحرك في الوجهة نفسها، ذلك أنَّ آسيا هي بداية مسار العقل، أي البداية المطلقة للتاريخ، وأوروبا هي الغرب الفاصل أو نهاية التاريخ".

جرى هذا التنظير الفلسفي مجرى اليقين في غريزة الغرب السياسي. أسس "روحياً" لحملات القوة، وسوَّغ لمقولة استعمار الشرق، فجعلها تاريخاً ممتدّاً لم تنته أحقابه بعد. لقد اعتبرت عقلانية التنوير أنها هي نفسها التاريخ، وهي نفسها البديل للزمان اللاّعقلاني الذي استولد جهالة القرون الوسطى تحت تأثير المؤسسة المسيحية. ومعها أصبح زمن الإنسان أدنى إلى صحراء تيه لجهة كونه مجرد ما يدوِّنه الإنسان عن تفوّقه وقسوته وفعاليته وجبروته. أي كل ما يكتبه ، أو يروي تقدمه. ولذلك فليس من قبيل التجريد أن يستنتج ايديولوجيو العقلانية الغربية ـ الأميركية ـ تعييناً، "أنَّ فن تكوين الحقائق أهم من امتلاك الحقائق". لقد انبرى هؤلاء إلى استدعاء هذه المقولة ورفعها إلى مستوى متعالٍ فكان من نتيجة ذلك أن آلت بهم إلى ذروة اللاّعقلانية، بينما هم يدخلون الألف الثالث على حصان التهديد النووي واحتكار السيطرة المطلقة على العالم. إنَّ الخط الذي انتهت إليه العقلانية الحديثة من خلال ـ مطابقة العقل الكوني الإنساني بين الواقع والمعقول، أي إضفاء العقلانية على المعقول بدلاً من عقلنته ـ قد دفعت به إلى أن يقبل كشيء معقول عدداً من مظاهر الاستلاب الإنساني ، لم يعد العقل مجسداً في الأفعال والأنظمة والعلاقات البشرية، أو أن يسعى إلى البحث عمّا يحرِّر من الاستلاب، بل أصبح يبرِّر أنواع الاستلاب الموجود. وبدا بوضوح أنَّ ضغط الواقع القائم في المجتمع الإنساني المعاصر قد دفع إلى أن يتراجع خطوات إلى الوراء عمّا كان قد أعلن عنه كغاية له في لحظة انبثاقه، وفي مراحل تطوره الأساسية. لم تعد غاية العقل هي الكشف عن جوانب اللاّمعقول في الواقع، بل غدت هي البحث عن الصيغة التي يمكن بفضلها اعتبار ذلك الواقع مطابقاً للمعقول. لم تعد الغاية هي التجاوز والتنوير والتغيير، بل أصبحت هي التبرير بعينه. وبدل أن يكون العقل الإنساني موجِّهاً للواقع المعاصر له، أصبح خاضعاً لهذا الواقع...".(28)

 

" عقلنـة " لا عقلانيـة الهيمنـة

تعبِّر اللاّعقلانية عن نفسها، دائماً، بوسائل عقلانية. ذلك إنَّ عقلنة ما هو غير معقول، أي منح المشروعية لسطوة رأس المال والشركات وامتداداتها يستلزم تأليف لغة ذرائعية قصدها إضفاء رداء المعقولية على الذي يحدث. لقد اتخذت العقلانية هنا صفة جديدة كل الجدَّة. أصبحت بمثابة ايديولوجية تسوِّغ الربط بين الإجراءات والوسائل المتوفرة وبين ما هو مرسوم من أهداف واستراتيجيات. لعلَّ دولة ما بعد الحداثة ( تحتل أميركا نموذجها الصارخ اليوم) هي أكثر النماذج اهتداءً إلى هذا التحويل الإيديولوجي للعقلانية. عند انتهاء الحرب الباردة أخذت الليبرالية قسطها الوفير من الراحة لكي تؤدلج انتصارها. زعم منظِّروها أنها نهاية التاريخ وخاتمته السعيدة.ولقد تسنَّى لهم بوساطة شبكة هائلة من الإتصالات البصرية والسمعية ـ أن ينتجوا المقدمات الأولى لمعارف ما بعد الحداثة. استطاعت "العقلانية الأميركية" أن "تفلسف" اللاّمعقول الدولي، و "تمفهم" لا توازنيته. وتؤدلج الاستهلاك فتمنحه صفة النظام المقتدر، الآيل إلى إنتاج حقائق معرفية تؤسِّس للديمقراطية الجديدة وحقوق الإنسان. كان على " عقلانية " ما بعد الحرب الباردة أن تقطع صلتها بالموروث المفاهيمي لحداثة التنوير. لقد حسمت مقالتها المدعاة بتقريرها إن تداعيات المشهد العالمي " لا يعكس فقط نهاية الحرب الباردة، أو نهاية حقيقة خاصة بعد الحرب، بل نهاية للتاريخ بالذات: أي نهاية التطور الإيديولوجي للبشرية كلها، وتعميم الديمقراطية الليبرالية الغربية كشكل نهائي للسلطة على البشرية جمعاء. وفي ما يوحي إظهار عقلانيتها اعترفت الليبرالية بأنَّ انتصارها جرى في مجال الأفكار وهو لمّا يزل بمعظمه هناك، فلم يكتمل في العالم الواقعي. كأنَّما تريد بهذا أن تؤسِّس لـ" الما بعد " ولـ" ما ينبغي " أن تكون برامجها الميدانية في العالم. لكي تسود الليبرالية سيادة كاملة، مطلقة، تملك خلالها الزمان والكينونة  معاً وبلا منازع.(29)

هل تشعر الليبرالية ، في زمن "الما بعد العالمي"، أنها بلغت حدود "الجنون" حين جانبت نظام القيم وجعلت العالم كينونة منزوعة الأخلاق.. ثم هل تجد نفسها واقعة في ما يشبه الخواء المفتوح على اللاّمتناهي ؟!

لقد تنبَّهت الوجودية إلى هذا بصورة مبكرة. فأجابت فيما يشبه الفانتازيا الفلسفية حين وجدت أنَّ اللاّعقلانية غالباً ما ترتدي رداء العقل لكي تعيد اكتشاف ذاتها، ثم لتظهر حسنها عارية أمام الملأ. ربما هي تدرك أنَّها مضطرة إلى الهروب من العقل تحت وطأة المصلحة والدوام وغريزة البقاء. لكن سيبدو أنَّ لعبة الهرب من العقل إلى الجنون كأنها عودة إلى العقل بمخيلة أخرى. إنَّ هذه السيرورة التي ستؤول حتماً إلى مآل كهذا، لا بد أن تنتج معرفة على صورتها. معرفة تسعى إلى ملء الخواء، ولو بإيديولوجيات كاذبة. بحيث تكون المحصّلة شيوع قناعات واعتقادات كلية، غايتها عقلنة السائد السياسي ونمط حياة المتفوق، وغايتها تأسيس المزيد من القدرة على اكتساح العالم عبر تحويل التبرير الإيديولوجي إلى مقدس يدخل في ثنايا الوجدان العام للبشرية. بهذا يصير ـ كل ما ومن يساهم في تشكيل وترسيخ هذه الغايات معترفاً به، وعضواً في المشروع العقلاني وكل ـ ما ومن ـ يعرقله يصير لا عقلانياً أو كائناً لا تاريخياً.

كان مؤلماً للفيلسوف الفرنسي جان فرنسوا ليوتار أن يقف أمام صورة العالم فيجده على هذا النحو من الخواء والوحشية فإذا هو يقول: " لقد منحنا القرنان التاسع عشر والعشرون من الإرهاب قدر ما نتحمل. لقد دفعنا ثمناً باهظاً للحنين للكل وللواحد، للمصالحة بين المفعوم والمحسوس، بين الخبرة الشفّافة والخبرة القابلة للتوصيل. وتحت المطلب العام للنضوب وللتهدئة، يمكننا أن نسمع دمدمة الرغبة في العودة إلى الإرهاب، في تحقيق الوهم للإمساك بالواقع. والإجابة هي: لشن حرباً على الكلية Totality لنكن شهوداً على ما يستعصي على التقديم، لننشط الاختلافات وننقذ شرف الإسم".(30)

كذلك سوف يأتي من الفلاسفة الفرنسيين المابعد حداثيين من يعيد التأكيد على أنَّ العقلانية وانتقاد العقلانية كلاهما ممارستان تحتاجان إلى العقل كمستند من ناحية، وكخطاب مُضمر أو صريح لكل العلاقات الأخرى، سواء منها المعترفة بسلطان العقل والداعية له،أو المنتقدة لبعض إنتاجه باسم إنتاجات أخرى أتت أو لم تأتِ بعد. والطريق الذي يقترحه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والمدعو بالتفكيك، إنَّما هو استراتيجية ممارسة مختلفة تأتي في الوقت الذي تهافتت فيه كل الخطط حسب رأيه، وقيل كل ما يقال، وفُعِلَ ما يمكن أن يُفعَل. فالخطاب المطلق قد أنجز وانتهى سلطانه. وفي هذه اللحظة بالذات يراد لنا أن نقول شيئاً مختلفاً، وأن نعمل العمل المختلف. ودريدا ليس يائساً من استراتيجية للتفكيك في حقلٍ كلُّ شيء فيه بات خرباً وأنقاضاً، بالرغم من كون التفكيك واقعاً بين الإحراج الفلسفي (العقلانية والنقد العقلاني للعقلانية). لكن له حيلته ومغامرته. فهو في الوقت الذي يقول فيه أمر الكلام فإنَّه يدحض، ولو صامتاً، كلام الأمر ذاك. كان يقول مثلاً إنَّ هذا هو الحق (وهو ليس الحق تماماً). وإنَّ هذا هو الخير، (وليس الخير تماماً). وراء الأوامر المنطوقة يقف صف متراصّ من الأفكار الخلفية الصامتة الأخرى غير الملفوظة التي تقيم مملكة المختلف حتى في لحظة الإقرار بكل المزدوجات الفلسفية المعهودة. فتحت قبّة الخطاب المطلق ينتهي التاريخ. لكن لعبة التفكيك قادرة على استعادة البحث فيما وراء ذاكرة الرموز والدلالات. إنها ليست الطريق المؤدية إلى اللاّشعور الذاتي للتاريخ ولكنها تصنع زمان اللاشعور التاريخي هذا بعد تحققاته الشعورية ذاتها وليس قبلها. فهي ليست قراءة الحاضر لما وراء الماضي، وإنَّما قراءة ما وراء الماضي في الحاضر ذاته.(31) 

تنوير المابعد: الإنسان مغلولاً

أظهرت تحولات نهاية القرن العشرين ما ينبئ بهزَّة كبرى أصابت عالم الإنسان. فجعلته على غير سويته وبدَّلت أحواله على الجملة. وبدا كما لو أنَّ خلاصه يوجب قيامة أخلاقية جديدة. غير أنَّ هذه التحولات لم يقابلها بعد ، " قوة توازن " تعيد للعالم صوابه، وتفتح للإنسان باباً للتفاؤل. حتى ليبدو الحال، كما لو كان عالم الإنسان يجري بشغف نادر نحو الكارثة. أو كأنَّه سائر، تحدوه الرغبة ليصنع جحيمه بنفسه.

كل شيء، على ما يبدو ، يلج فضاء التفاؤل الحائر في الغرب الثقافي. وليس ثمة ما يوقف السباق إلى الهاوية سوى ما تبقَّى، ممّا يحكى عن حقوق الإنسان. لكن الأمر سيبقى غير موقوف على هذا المحدد الأخلاقي، فالعقل الذي روهن عليه لكي ينتظم أزمنة التنوير، "ويؤنسن" إنسانها، غدا عقلاً محتلاً بشهوة المصلحة والاستحواذ. ولقد ثبت من تجربة العقل على امتداد تسعة عقود فائتة كم كانت نتائجها كارثية على الإنسان. خصوصاً حين جعل العقل الوسيلة الأشد فظاعة، لاستلاب الكائن البشري. وقبل بضعة عقود كان للمفكِّر المعروف هربرت ماركوز رؤية ثاقبة في تشكيل صورة مستقبلية للمجتمع الصناعي الغربي. لقد كشف عن مقولة الإنسان ذي البعد الواحد الذي خلقه المجتمع ذو البعد الواحد. فالإنسان في هذا المجتمع فقد حقّه في الحياة بمجرد أن سلَّم للمجتمع مقاليد أمره. فتوهَّم بأنَّه يعيش الحرية فيما هو يغرق في استيلاب سحيق لا قاع له. رأى ماركوز يومها أنَّ " المجتمع المستلب " يلبِّي حاجات وهمية لإنسانه من خلال الدعاية الكاذبة ووسائل الاتصال الجماهيرية الخادعة. وفي اعتقاده أنه إذا كان المجتمع يحرص ـ بهذا المعنى ـ على تلبية هذه الحاجات المصطنعة أفليس ذلك لأنَّها شرط استمراره ونمو إنتاجيته فحسب ، بل أيضاً لأنها خير وسيلة لخلق الإنسان المسلوب، القابل بالمجتمع ذي البعد الواحد المتكيِّف معه، وما الإنسان ذو البعد الواحد في هذا المعنى، إلاَّ ذاك الذي استغنى عن الحرية بوهم الحرية. فإذا كان (هذا الإنسان) يتوهم بأنه حر لمجرد أنه يستطيع أن يختار بين تشكيلة كبيرة من البضائع والخدمات التي يكفلها له المجتمع لتلبية "حاجاته"، فما اشبهه من هذه الزاوية بالعبد الذي يتوهم بأنه حر لمجرد أن منحت له حرية اختيار سيارته (...) إنَّ المجتمع الصناعي المتقدم لم يزيف حاجات الإنسان المادية فحسب، بل زيَّف أيضاً حاجاته الفكرية، أي فكره بالذات. الفكر أصلاً هو عدو لدود لمجتمع السيطرة، لأنَّه يمثِّل قوة العقل النقدية، السالبة، التي تتحرك دوماً باتجاه ما يجب أن يكون لا باتجاه ما هو كائن. وهذه القوة هي في خاتمة المطاف قوة إيديولوجية. إنَّ المجتمع ذا البعد الواحد قد أحاط الإيديولوجيا بالازدراء والتحقير باسم عقلانيته التكنولوجية، بل هو امتصها وأبطل مفعولها. مع أنَّ هذا لا يعني بالطبع أنه لم تعد هناك إيديولوجيا. كل ما هنالك أنَّ المدينة التقنية أصبحت هي الإيديولوجيا. وأبرز وجوهها من هذه الزاوية المذهب العاملي في الفيزياء ، والمذهب السلوكي في العلوم الاجتماعية. والسمة المشتركة الأساسية لهذين المذهبين هي الالتزام بالواقع المعطى أو القائم، ونبذ المفاهيم الشمولية أو النقدية التي تهدد بالكشف عن بعد آخر لذلك الواقع.

لم يسفر منطق التحولات الذي استغرقته الرحلة الطويلة للحداثة الغربية ، إلاَّ عن إدخال الإنسان في لجَّة اللاَّيقين. أما كارثة التحرر التي تحدَّث عنها ماركوز فهي تلك التي دفعت العالم إلى فضاء اللاّعقلانية بوسائط عقلانية. وهنا تكمن على نحو خاص قوة المجتمع ذي البعد الواحد: أي الطابع العقلاني للاّعقلانيته. لقد ذهب مديرو هذا النوع من المجتمع إلى تسويق ما عرف بـ"الفكر الإيجابي". أي الفكر الذي يمهِّد لسيرورة القبول والإذعان وعدم الاحتجاج. إنَّ الأكثر مدعاة للهلع في هذه السيرورة، هو أنَّ الفكر الإيجابي ناجم من امتثالية صارخة للأمر الواقع.

كأنما القبول القسري " للإيجابية" سيتحول إلى إيمان بها، وإلى اعتقاد بقيمتها العليا وبحسب ماركوز فإنَّ " القبول بالفكر الإيجابي هو قبول قسري ويبيِّن ذلك بالقول أنه قسري لا بحكم الإرهاب، وإنما بفعل سلطة المجتمع التكنولوجي وفعاليته الساحقة المغفلة. في حين أنَّ الفكر الإيجابي يؤثر من هذه الزاوية المحددة على الوعي العام، وبالتالي على الوعي النقدي. كذلك فإنَّ ابتلاع الإيجابي للسلبي يتمثَّل في التجربة اليومية العاجزة عن التمييز بين الظاهر العقلاني والواقع اللاّعقلاني.(32)

لقد ذهبت العقلانية في " أدلجة " نفسها حتى الرمق الأخير. لكنها لم تستيقظ من لاوعي الاستحواذ بعد. لقد أدخلت نفسها والعالم في كونية بلا أخلاق، فبدا المشهد الإجمالي على صورة عالم بلا عقل. ذلك أن عقلانية ما بعد الحداثة، هي الآن في ذروة الخروج على العقل، ومع ذلك فهي لم تغادره حتى في اللحظة التي يشطح فيها نحو الجنون..

لقد منحت هذه العقلانية "العقل" قابلية صريحة للاستخدام والطاعة. فالعقل، على ما نعرف، يملك قابلية أن يتخذ من ذاته موضوعاً. مثلما يملك القدرة على التخارج نحو العالم واتخاذ معطياته موضوعاً للكلام والفعل. ولهذا فإنَّ جميع الأسئلة. تثار خارج العقل وداخله بواسطة العقل إياه. لكن السؤال عن محل الأخلاق في فضاء العقل، سوف يظل الأهم في الفضاء اللاّمتناهي لعالم الإنسان. وخصوصاً في أثناء الارتحال المتواصل لحداثة الغرب المقبلة.