الانتفاضة الفلسطينية والاقتصاد الصهيوني

العدد التاسع-آذار2006
الاحد 9 نيسان (أبريل) 2006.
 

إن السياسة الاقتصادية للدولة العبرية، قد صيغت بطرق علمية، مذ كان اليهود يخططون للاستيلاء على ـ جنوب سوريا ـ فلسطين ـ وذلك في المؤتمر الصهيوني الأول المنعقد في بال بسويسرا عام /1897/ إلى جانب الخطط الأخرى المقترحة على كل الصعد، لتأتي المرحلة الثانية بعد /15 أيار /1948/ حيث تبلورت الأهداف حول مسألة خلق قوة اقتصادية وعسكرية قادرة على فرض وجودها، عن طريق سياسة الأمر الواقع، وتحقيق الأحلام التوسعية في إسرائيل الكبرى، وكانت الاهتمامات الصهيونية آنذاك تنصب على ناحيتين هامتين هما:

1 ـ خلق جيش قوي يكون ذا قدرة على تكريس الاحتلال بشتى السبل.

2 ـ خلق اقتصاد متين يتمتع بدرجة عالية من التقدم الفني والتكنولوجي، قادر على تحقيق مستوى مرتفع لمعيشة سكانه، كما يتمتع بالمقدرة على الاكتفاء الذاتي كشرط أساسي لتحقيق شروط ـ الأمن القومي ـ.

وفي هذا الإطار حازت الزراعة الأولويةَ في سلم التخطيط، لقيام صناعة تخدم أغراض الإنماء في كل المجالات، ولا يخفى علينا أمر تدفق رؤوس الأموال الضخمة من الجمعيات والمؤسسات اليهودية والأوروبية المناصرة لها، لتقوية الاقتصاد الإسرائيلي، وبالتالي لتحقيق مطامع إسرائيل في الاستقرار الاقتصادي وتالياً، الاستقرار المعيشي، ويتوج ذلك بالاستقرار السياسي لجلب المزيد من اليهود إلى إسرائيل لدفع عملية التنشيط الزراعي والصناعي إلى الأمام، وبالطبع ينتج عن ذلك توجيه حجم ضخم من الموارد لبناء رأس المال الاجتماعي/ التحتي/ اللازم لنجاح عملية الإنماء، إلا أن ازدياد الهجرة إلى إسرائيل نتيجة الدعاية المنظمة والقوية قد أوجد في مرحلة من المراحل ـ الانفجار السكاني ـ كانت إسرائيل تجد الحلول له، على حساب أصحاب الأرض الأصليين ـ فتتوسع الزراعة ـ وتتنامى الصناعة، مع إقرار قادة الصهاينة بالفوضى الكبيرة في مسألة إيجاد السكن والعمل لهؤلاء المهاجرين، إلا أن الدعاية اليهودية كانت بالمرصاد لهذا الخلل، فصوّرت للآخرين أن هذا الكيان، وفي غضون سنوات قليلة قد قامت بمعجزة لا يقوم بها أحد غيره، في مجال عملية الإنماء خاصة، وحقيقة الأمر أن الصهاينة كانوا غارقين حتى رؤوسهم في فوضى لا مثيل لها من الخلخلة في مسألة الصادرات والواردات إلى مسألة استثمار المواد الأولية، إلى الفوضى في تشغيل اليد العاملة المتزايدة نتيجة الهجرة المكثفة، بالإضافة إلى مسألة الإنفاق الحربي ـ وحسب باحث اقتصادي إسرائيلي ـ إن إسرائيل منذ قيامها وهي تعيش في محيط عدواني؟!! هذا المحيط، يتمثل بالدول المحيطة بها (...) وهذه الحقيقة /من وجهة نظر الباحث/ فرضت قيداً هاماً على عملية الإنماء الإسرائيلية، ويتمثل هذا القيد في توجيه جزء كبير من الموارد النادرة المتاحة إلى الإنفاق الحربي، لذلك كان لزاماً على إسرائيل ونتيجة لضيق حجم السوق، ولافتقارها لقطاع الصناعات الثقيلة، أن يتوجه جزء كبير من إنتاجها نحو السوق الخارجية الصادرات إلا أنه في هذا المجال، واجهت إسرائيل قيداً أساسياً، إذ حُرمت من السوق الطبيعية، بحكم موقعها الجغرافي، وكان لزاماً عليها في هذه الأثناء أن تمتص النقمة المتنامية من الداخل ـ الفلسطيني ـ نتيجة الواقع المعيشي الذي انتقل بإيجابياته من الفلسطيني صاحب الأرض، إلى اليهودي المرتزق القادم من الجهات الأربع، وراحت تطلب اليد العاملة الفلسطينية، لتشغلها تحت ظروف القهر والمعانا نتيجة المعاملة اللاإنسانية واستطاعت أن ـ تصيد عصفورين بحجر واحد ـ إذ عمدت بعد توسعها في الأراضي التي احتلتها حتى ما بعد /1967/ وخاصة في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى الزيادة في طلب هذه اليد من أجل تطبيع وترسيخ وجودها في هذه المناطق، لربطها بآلية الاحتلال، لذلك، فإن السياسة الإسرائيلية في هذا المجال تمركزت حول تصفية وتفتيت الهياكل الاقتصادية الوطنية وتالياً، خلق شبكة معقدة للاقتصاد الفلسطيني من علاقات التبعية والإلحاق والمصالح المتبادلة مع الهيكلية الاقتصادية الإسرائيلية، إضافة إلى تسخير واستغلال قوة العمل الفلسطينية لمصلحة البنى الاقتصادية الإسرائيلية، ونتيجة لظروف القهر والقمع والاستغلال على كل الصعد كانت الانتفاضة التي تفجرت في 8 كانون 1987 رداً طبيعياً على الحقوق المغتصبة، ونتيجة الفهم الفلسطيني العميق لواقع المأساة، كانت بيانات القيادة الموحدة للانتفاضة تدعو العمال الفلسطينيين العاملين في مؤسسات ـ الكيان الصهيوني ـ الاقتصادية إلى الامتناع عن العمل فيها، وقد حصل ذلك ما أدى إلى إلحاق أكبر الضرر بهذه المؤسسات، قدرت جهات مختصة كلفتها اليومية بحوالي 13 مليون شيكل ـ ما يعادل 6 ملايين دولار(1) ومما زاد من فعالية امتناع العمال عن أداء واجبهم في تلك المؤسسات، صعوبة تأمين بديل عنهم سواء عن طريق استيراد عمالة أجنبية، أو عن طريق المكننة وبخاصة في المجالات التي يتمركز فيها الفلسطينيون مثل قطاعات ـ البناء ـ الغزل والنسيج ـ الأعمال التي تتطلب جهداً عضلياً ـ بالإضافة إلى الأعمال الحرة... الخ. هذا وتتوقع مؤسسة الأبحاث الاقتصادية أن مصانع الكيان الصهيوني ستخسر من جراء الانتفاضة الفلسطينية حوالي 200 مليون دولار سنوياً(2).

وبإيجاز يمكن القول، إن الانتفاضة الفلسطينية قد حفرت غوراً عميقاً في ـ كشكول ـ البنية اليهودية ـ وعلى الصعد كلها، وإن استمراريتها تؤكد يوماً بعد يوم حتمية النصر القريب، لأن كل مسمار تدقه في نعش الصهيونية هو وتد في خيمة اجتماعها، إننا أقوياء إذا ما قررنا ذلك واعتقدنا وعقدنا العزم على التحرير فالقوة هي القول الفصل في إثبات الحق القومي أو إنكاره.

المصادر:

ـ مجلة السياسة الدولية عدد 33 ـ تموز ـ 1973، ص15.

ـ استراتيجية الإنماء في إسرائيل، د. عمرو محيي الدين.

ـ مجلة الوحدة ـ عدد 75 ـ كانون1 ـ 1990.

ـ الكيان الصهيوني والانتفاضة الفلسطينية، د. عدنان أبو عمشة.

1 ـ صحيفة يديعوت احرونوت ـ تاريخ 22/ 1/ 1988.

2 ـ صحيفة هاآرتس تاريخ 17/ 3/ 1988.

كمال حمودي