العدد التاسع-آذار2006

الانقلاب الديمقراطية بـ المرّقط!

نزار سلّوم
الاحد 16 نيسان (أبريل) 2006.
 

يشكل الشيطان المثال الأكثر وضوحاً لـالانقلاب الكامل بالمفهوم الأخلاقي والجسمي ـ الفيزيائي في آن، وتالياً بالمعنى الوظيفي. حيث التقابل بين حاضر الشيطان وماضيه يُظهر ذلك الانقلاب في معانيه كلّها. ودون البحث في طيّات هذه المعاني، يكفي استعراض الشريط البصري لصورة الشيطان بقرنيه ولونه وتعابير وجهه والانتباه إلى ذيله خصوصاً، ومقابلتها بصورة الملاك الذي هو ماضي الشيطان، للتأكد من أن الانقلاب الكامل أصبح واقعاً يكتسب تلك المعاني كلّها.

شهدت مختلف الحقول حدوث انقلابات في سيرتها ومسارها، ومن النادر أن نرى حقلاً ما لم يدخل في تشكيله انقلاب ما وقع في تاريخ ما من مساره. هكذا نقع على الانقلاب في حقل الدين، لجهة المفاهيم وخصوصاً رسوخ مفهوم التوحيد على مفهوم التعدد الذي يوصف بـ الوثني، كما نلحظه على نحو متكرر في حقل العلوم وخصوصاً وابتداءً من الانقلاب الكوبرنيكي الذي يسمى عادة بـالثورة الكوبرنيكيه التي قادها وجاهد فيها وحققها نيقولا كوبرنيك (1473 ـ 1543) الفلكي البولوني الذي أثبت على نحو نهائي أن الأرض تدور حول نفسها، كما أنها تدور حول الشمس. وقد كان هذا البرهان بمثابة الانقلاب الذي أنتج سلسلة متوالية من الانقلابات الموازية في حقول العلوم والفلسفة والدين، كان تأثيرها حاسماً في اكتساب عصر النهضة الأوروبي سماته ومعانيه التي ارتكزت إليها الحضارة الحديثة.

على أن الشهرة الواسعة لـالانقلاب السياسي دغمت في أحيان كثيرة بين السياسة وبينه، فأصبح قرينها المرافق لها في مختلف تجلياتها، والذي لا يفارقها حتى في أكثر لحظاتها رومانسية! أو عائلية، فمشهد الأخ المنقلب على أخيه، أو الابن المنقلب على أبيه، يبدو معتاداً ومألوفاً في أكثر من حقبة في التاريخ السياسي العام. غير أن الانقلاب يكون موجعاً عندما يقوم به من لا يُظن أبداً أنه سيفعل ذلك، وهاهنا يبدو التمويه أو الخديعة في أوج تعبيرها عن ذاتها. ولعل صيحة يوليوس قيصر في قاعة مجلس الشيوخ في روما عندما طعنه أخلص الناس إليه وأكثرهم قرباً، بروتس الذي اشتهرت تلك الصيحة بسببه عندما نظر إليه القيصر قائلاً: حتى أنت يا بروتس!! لعلّ هذه الصرخة هي الاختزال العميق لـوجع الانقلاب من الداخل، حيث تأتيك الضربة من مكان اطمئنانك ومحل أمانك!

في استطراد مباشر وعصري، توسلت الانقلابات السياسية الأدوات العسكرية وأشخاصها، فاشتهرت بكونها انقلابات عسكرية، شكلت مناخ العمل السياسي في العالم الثالث وخصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية (1938 ـ 1945). وقد كانت سورية في الخمسينيات تصحو على انقلاب عسكري، كما تنام على آخر في تعبير شديد الكثافة عن واقعها السياسي المتأزم والمضطرب والمرتبط مصيره بجمله ستراتيجية إقليمية ودولية آنذاك.

فيما كان لبنان يتباهى بمناخه الديمقراطي الذي أجبر رئيس الجمهورية آنذاك الشيخ بشارة الخوري على ترك كرسي الرئاسة الذي جلس عليه وقتاً أطول مما يطيقه المناخ الديمقراطي!!

ظلّت الديمقراطية في لبنان في حقل إشكالي بسبب تشابك مفهومها مع الواقع الطوائفي الذي يفرز حصصاً ويضع حدوداً لا يمكن تجاوزها، كما أن الإشكالية الرئيسية للديمقراطية اللبنانية تأتي دائماً من حجم وطبيعة التدخل الدولي في الشؤون اللبنانية بداعي الحفاظ على الديمقراطية وحمايتها.

عندما ارتدى شباب لبنان المرّقط وخاضوا حروبهم الأهلية ابتداءً من نيسان 1975، تحول الديمقراطيون إلى الحياة الهامشية، إلى أن استعادوا دورهم في مؤتمر الطائف 1989. غير أنهم دخلوا في حقبة الاستقرار السياسي والأمني التي ترافقت مع وجود ديمقراطية معلّبة ومنجزة مسبقاً وبالمشاركة بين زعماء السياسة والمال في لبنان، والمسؤولين الأمنيين والسياسيين السوريين. وقد أدت هذه الشركة خصوصاً إلى ترسيخ قوى سياسية تقف اليوم في الصف الأول من جيش القرار الدولي 1559.

حقق الانقلاب الدولي في لبنان نجاحات متقدمة على طريق إنجاز القرار 1559، على أنه في الحقبة الراهنة التي يمرّ بها زجّ شبان الديمقراطية وكهولها وشيوخها وعجائزها في حمّى سياسية تنتج الهذيان تارة، وغالباً ما تنتج الشتيمة. ولكون جيش الديمقراطية الراهن هو من يمثل السلطة، فإن الأدوات التي يختارها في معاركه هي إحدى نسخ الأدوات التي تختارها الديكتاتوريات، من حيث فكرتها المتمثلة بإمكانية الانقلاب على الدستور في أية لحظة تراها مناسبة!! هاهنا تبدو الديمقراطية مفردة في سيناريو معدّ مسبقاً، أو بنداً في أجندة، ولا تعود فعلاً سياسياً محكوماً بقانونه ودستوره!

عندما يتحدث الديمقراطيون بمثل اللهجة التي نسمعها، ويدعون إلى إسقاط المؤسسات الدستورية، ويشتمون ويخوّنون من يرون أنه يخالفهم في الرأي، بلى في الرأي وحسب، الذي يتباهون بقدسيته، فإنهم يسارعون إلى ارتداء المرّقط الذي لا يصلح إلاّ لاستعمال السلاح!!

ارتدى بروتس المرّقط مرة فطعن ولي نعمته يوليوس قيصر، غير أنه لم يستطع خلع المرّقط من يومها، ولأنه لا يصلح إلاّ لاستعمال السلاح، فقد قاده للانتحار عام 42 ق.م.

من المؤكد أن الديمقراطية بـالمرّقط كما نراها اليوم تقود فرسانها إلى منصة الانتحار التي يجب ألاّ تتسع لـغيرهم أبداً!!

ليس في كل مرة يكون ماضي الشيطان ملاكاً فهذا حدث لمرة واحدة لم ولن تتكرر، من يومها أصبح ماضي الشيطان شيطاناً.. حتى ولو انقلب على نفسه بعدد ساعات النهار. حيث الانقلاب هنا لا يقود إلى الديمقراطية أبداً بل يعود إلى إنتاج الشخص ذاته.. بـالمرّقط.. عجباً!!